الحَدِيث الثَّامِن
رُوِيَ أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "لَا تنْكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة وَلَا نَفسهَا ؛ إِنَّمَا الزَّانِيَة الَّتِي تنْكح نَفسهَا " .
هذَا الحَدِيث مَدَاره عَلَى أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَله عَنهُ طرق مِنْهَا :
طَرِيق عبيد بن يعِيش ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمحَاربي ، عَن عبد السَّلَام بن حَرْب ، عَن هِشَام بن حسَّان ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أَبَى هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " لَا تزوج الْمَرْأَة الْمَرْأَة ، وَلَا تزوج الْمَرْأَة نَفسهَا ، وكنّا نقُول إِن الَّتِي تزوج نَفسهَا هِيَ الزَّانِيَة " .
[7/563] رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَهَذَا الطَّرِيق عَلَى شَرط مُسلم ، والمحاربي وَإِن كَانَ قد قَالَ ابْن معِين فِيهِ إِنَّه (يروي الْمَنَاكِير عَن المجاهيل ؛ فقد وَثَّقَهُ مرّة أُخْرَى ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَدُوق) يروي عَن مجهولين أَحَادِيث (مُنكرَة) فَيفْسد حَدِيثه بذلك .
قلت : لم يرو هُنَا عَن مَجْهُول ، فَحَدِيثه هَذَا جيد عَلَى أَن الْمحَاربي هَذَا قد أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فَجَاز القنطرة ، وَلم ينْفَرد بِهِ
؛ بل توبع ، رَوَاهُ مُحَمَّد بن سعيد بن الْأَصْبَهَانِيّ ، عَن عبد السَّلَام بِهِ ، وَمُحَمّد ثِقَة كَمَا قَالَ النَّسَائِيّ وَيَعْقُوب بن شيبَة ، وَخرج لَهُ البُخَارِيّ ، وَقد أخرج هَذِه الْمُتَابَعَة الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا بِلَفْظ : "لَا تُنكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة ، وَلَا تنْكح الْمَرْأَة نَفسهَا " ثمَّ قَالَ : وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : "(كَانَ) يُقَال : الزَّانِيَة تنْكح نَفسهَا" .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة مُسلم بن أبي مُسلم ، عَن مخلد بن الْحُسَيْن (عَن) هِشَام بن حسَّان بِهِ : "لَا تنْكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة ، وَلَا تنْكح الْمَرْأَة نَفسهَا ، إِن الَّتِي تنْكح نَفسهَا هِيَ الْبَغي " قَالَ ابْن سِيرِين : وَرُبمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : "هِيَ الزَّانِيَة" وَمُسلم هَذَا (جُرْمِي) (ووالده) [7/564] عبد الرَّحْمَن ، ( و) مخلد (وَثَّقَهُ) الْعجلِيّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَرَوَى عَن مُسلم هَذَا الحَدِيث الْحسن بن سُفْيَان أَيْضا ، (وَقَالَ) : سَأَلت يَحْيَى بن معِين عَن رِوَايَة مخلد بن الْحُسَيْن ، عَن هِشَام بن حسّان ، فَقَالَ : ثِقَة . فذكرت لَهُ هَذَا الحَدِيث قَالَ : نعم قد كَانَ (شيخ) عندنَا يرفعهُ عَن مخلد .
قلت : وَتَابعه عبد السَّلَام بن حَرْب كَمَا سلف ، وَمُحَمّد بن مَرْوَان كَمَا سَيَأْتِي .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : وَمُسلم بن (عبد الرَّحْمَن) الْجرْمِي من (شيخ) الْغُزَاة ، رَوَى عَن مخلد بن الْحُسَيْن ، رَوَى عَنهُ الْمُنْذر بن شَاذان الرَّازِيّ الصَّادِق ، قَالَ : إِنَّه قَتل من الرّوم مائَة ألف .
وَمِنْهَا : طَرِيق جميل بن الْحسن الْعَتكِي ، ثَنَا مُحَمَّد بن (مَرْوَان) [7/565] الْعقيلِيّ ، ثَنَا هِشَام بن حسان ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " لَا تزوج الْمَرْأَة الْمَرْأَة ، وَلَا تزوج الْمَرْأَة نَفسهَا ؛ فَإِن الزَّانِيَة هِيَ الَّتِي تزوج نَفسهَا .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَجَمِيل هَذَا قَالَ فِي حَقه عَبْدَانِ : كَاذِب فَاسق فَاجر .
وَقال ابْن عدي : لَا أعلم لَهُ حَدِيثا مُنْكرا ، وَإِنَّمَا عَبْدَانِ نسبه إِلَى الْفسق .
وأمّا ابْن حبَان : فَذكره فِي "ثقاته" وَرَوَى عَنهُ ابْن خُزَيْمَة هَذَا الحَدِيث .
وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي "تَحْقِيقه" إِنَّه لَا يعرف فأغرب ، وَقد نَاقض هَذِه الْمقَالة فِي كِتَابه "(الضُّعَفَاء") فَنقل فِيهِ مَا قدمْنَاهُ أَولا
، وَشَيْخه مُحَمَّد بن مَرْوَان ، قَالَ أَبُو زرْعَة : لَيْسَ بِذَاكَ عِنْدِي .
وَقال أَحْمد : رَأَيْته وَقد حدث بِأَحَادِيث فَلم أَكتبهَا عَلَى عمد .
وَأما أَبُو دَاوُد ، فَقَالَ : صَدُوق .
وَقال ابْن معِين : صَالح
.

وَأخرجه من هَذِه الطَّرِيق أَيْضا الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" وَلم يعقبه بِشَيْء ، وَنقل عبد الْحق فِي "الْأَحْكَام" عَنهُ أَنه قَالَ (فِيهِ : إِنَّه) حَدِيث صَحِيح .
ثُمَّ قَالَ - كالمعترض عَلَيْهِ - : كَذَا قَالَه ! وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا
.
وَلم أر أَنا هَذِه القولة [7/566] (لَهُ) فِي "سنَنه" بل وَلَا فِي "علله" فِيمَا يغلب عَلَى ظَنِّي ، وَلم يعقبه ابْن الْقطَّان وَلَا من تبعه ؛ فَتنبه لَهُ .
ثمَّ اعْلَم أَن الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي ذكر الطَّرِيق الأول فِي الْجُزْء الْخَامِس من "الْأَعْيَان الْجِيَاد من مشيخة بَغْدَاد" ثمَّ ذكر طَرِيق ابْن مَاجَه هَذَا وَعَزاهُ إِلَيْهِ ، ثمَّ قَالَ : وَإِسْنَاده كلهم ثِقَات مُتَّفق عَلَيْهِم إِلَّا عبيدا ؛ فَإِنَّهُ من أَفْرَاد مُسلم .
وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ ؛ فَإِن الِاتِّفَاق عَلَى ثِقَة الْحسن بن جميل الْوَاقِع فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه ، وَالظَّاهِر أَن مُرَاده الطَّرِيق الأول ، و [ لهَذَا ] اسْتثْنى عبيدا .
وَمِنْهَا : طَرِيق النَّضر بن شُمَيْل ، أبنا ابْن حسّان ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة قَوْله ، وَلم يرفعهُ .
وَمِنْهَا :
طَرِيق حَفْص بن غياث ، عَن هِشَام ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : " كنّا نتحدث أَن الَّتِي تنْكح نَفسهَا هِيَ الزَّانِيَة " .
أخرجهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" من طَرِيق مَرْفُوعا .
وَمن طَرِيق مَوْقُوفا عَلَى أبي هُرَيْرَة ، ثمَّ قَالَ : كَذَا قَالَ ابْن عُيَيْنَة ، عَن هِشَام بن حسّان ، عَن ابْن سِيرِين مَرْفُوعا ، وَعبد السَّلَام بن حَرْب قد ميّز الْمسند من الْمَوْقُوف ، فَيُشبه أَن يكون قد حفظه .
وَالشَّافِعِيّ فِي "الْأُم" أخرجه مَوْقُوفا ، فَقَالَ : أبنا ابْن عُيَيْنَة ، عَن هِشَام بن حسان ... فَذَكَرَهُ كَمَا سلف .
[7/567] فَائِدَة : قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : " لَا تُنكح الْمَرْأَة الْمَرْأَة " (المُرَاد) مِنْهُ النَّهْي ، وصيغته الْخَبَر (لوروده) مضموم الْحَاء ؛ إِذْ لَو كَانَ نهيا لَكَانَ مَجْزُومًا مكسورًا عَلَى أصل التقاء الساكنين .
هَذَا آخر مَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب من الْأَحَادِيث ، وَذكر فِيهِ أثرين :
أَحدهمَا : " أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يجوّز نِكَاح الْمُتْعَة ، ثمَّ رَجَعَ عَنهُ " .
وَهَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ ، قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" : رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس شَيْء من الرُّخْصَة فِي الْمُتْعَة ، ثمَّ رَجَعَ عَن قَوْله حَيْثُ أخبر عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمَّ قَالَ : (بَاب رُجُوع ابْن عَبَّاس عَن نِكَاح الْمُتْعَة) ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُوسَى بن عُبَيْدَة [ عَن مُحَمَّد بن كَعْب ] قَالَ ابْن عَبَّاس : " إِنَّمَا كَانَت الْمُتْعَة فِي أول الْإِسْلَام ؛ كَانَ الرجل يقدم الْبَلدة لَيْسَ (لَهُ) بهَا معرفَة فَيَتَزَوَّج (الْمَرْأَة) بِقدر مَا يرَى أَنه يُقيم لتحفظ لَهُ مَتَاعه وَتصْلح لَهُ شَأْنه ، حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة : ( إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) قَالَ ابْن عَبَّاس : فَكل فرج (سواهُمَا) حرَام " .
[7/568] قال الْحَازِمِي : إِسْنَاده صَحِيح لَوْلَا مُوسَى بن عُبَيْدَة - وَهُوَ الربذي - كَانَ يسكن الربذَة - وَعزا الْمجد ابْن تَيْمِية فِي "أَحْكَامه" إِلَى البُخَارِيّ أَنه رَوَى عَن أبي جَمْرَة ، عَن ابْن عَبَّاس " أَنه سُئِلَ عَن مُتْعَة النِّسَاء ، فَرخص فِيهِ فَقَالَ مولَى لَهُ : إِنَّمَا ذَلِك فِي الْحَال الشَّديد وَفِي النِّسَاء قلَّة - أَو نَحوه - ؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس : نعم " .
وَلم أر هَذَا فِي البُخَارِيّ وَلَا أعلم من رَوَاهُ أَيْضا ، وَقد استغربه ابْن الْأَثِير فَعَزاهُ فِي "جَامعه" إِلَى رزين وَحده .