|
الحَدِيث الثَّانِي " أَن بَرِيرَة أُعتقت ، فَخَيرهَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بَين الْمقَام مَعَه وَبَين أَن تُفَارِقهُ " . هذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم من حَدِيث عُرْوَة وَالقَاسِم عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : " كَانَ زوج بَرِيرَة عبدا ، فَخَيرهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فاخْتَارَتْ نَفسهَا . وَلَو كَانَ حرًّا لم يخيرها " . وَذكر ابْن حزم أَنه رُوِيَ عَن عُرْوَة خلاف هَذَا ، فأسند من حَدِيث جرير ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة قَالَت : "كَانَ زوج بَرِيرَة حرًّا" قَالَ ابْن حزم : وَلَو كَانَ حرًّا لم يخيرها ، يحْتَمل أَن يكون من كَلَام من دون عَائِشَة . قال الطَّحَاوِيّ : وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام عُرْوَة . [7/641] قلت : وَكَذَلِكَ أخرجه ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" من كَلَامه ، وَالنَّسَائِيّ فِي "سنَنه" أَيْضا . قلت : والتخيير ثَابت فِي "الصَّحِيحَيْنِ" من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا ، قَالَت : "كَانَ فِي بَرِيرَة ثَلَاث سنَن : خيرت عَلَى زَوجهَا حِين عتقت ... " الحَدِيث بِطُولِهِ . قال الرَّافِعِيّ : وَكَانَ زَوجهَا عَلَى مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة ، وَابْن عمر ، وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عبدا . قلت : هُوَ كَمَا قَالَ ، أما رِوَايَة عَائِشَة فسلفت . وَفِي "صَحِيح مُسلم" أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، قَالَ عبد الرَّحْمَن : وَزوجهَا حر . قال شُعْبَة : ثمَّ سَأَلت عبد الرَّحْمَن عَن زَوجهَا ، فَقَالَ : لَا أَدْرِي أحر أم عبد . وَفِي بعض طرق الحَدِيث الصَّحِيح : "فَخَيرهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من زَوجهَا فَقَالَت : لَو أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبت عِنْده ! قَالَ - يَعْنِي الْأسود بن يزِيد - : كَانَ زَوجهَا حرًّا " . وَأما ابْن عمر فأخرجها الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي حَفْص الْأَبَّار ، [7/642] عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، قَالَ : كَانَ زوج بَرِيرَة عبدا . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا (من الْوَجْه الْمَذْكُور) وَأما رِوَايَة ابْن عَبَّاس فأخرجها البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" بِإِسْنَادِهِ عَنهُ "أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا يُقَال لَهُ : مغيث كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ يطوف خلفهَا يبكي ، ودموعه تسيل عَلَى لحيته ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للْعَبَّاس : يَا عَبَّاس ، أَلا تتعجب من حب مغيث بَرِيرَة وَمن بغض بَرِيرَة مغيثًا ؟ فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَو راجعتيه ؟ قَالَت : يَا رَسُول الله ، تَأْمُرنِي ؟ قَالَ : إِنَّمَا أَنا أشفع . قالت : لَا حَاجَة لي فِيهِ" . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ " إِن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا أسود لبني الْمُغيرَة يَوْم أعتقت بَرِيرَة ، وَالله لكَأَنِّي بِهِ فِي طرق الْمَدِينَة ونواحيها ، وَإِن دُمُوعه لتسيل عَلَى لحيته يَتَرَضَّاهَا لتختاره فَلم تفعل " قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح . زاد أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ : " وأمرها أَن تَعْتَد " . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة نَافِع ، عَن صفيَّة بنت أبي عبيد " أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا " قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِسْنَاده صَحِيح . وَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ السالفة صَرِيحَة فِي بَقَاء عبوديته يَوْم الْعتْق ، وَأما رِوَايَة الْأسود عَن عَائِشَة قَالَ : " كَانَ زوج بَرِيرَة حرًّا ، فَلَمَّا أعتقت خَيرهَا عَلَيْهِ السَّلَام فَاخْتَارَتْ نَفسهَا " ، فَقَالَ البُخَارِيّ : إِنَّه مُنْقَطع وَقَول ابْن عَبَّاس : [7/643] كَانَ عبدا أصح . وَقال الْبَيْهَقِيّ : قَوْله "وَكَانَ حرًّا" هُوَ (من) قَول الْأسود لَا من قَول عَائِشَة ، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ مَا يدل لذَلِك ، قَالَ : وَقد رَوَيْنَاهُ عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ، وَعُرْوَة بن الزبير وَمُجاهد ، وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن كلهم عَن عَائِشَة "أَنه كَانَ عبدا" ثمَّ ذكر (عَن) شُعْبَة ، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة "أَنه حر" ثمَّ قَالَ شُعْبَة : ثمَّ سَأَلته بعد فَقَالَ : لَا أَدْرِي أحر هُوَ أم عبد ، ثمَّ قَالَ : وَقد رَوَاهُ سماك بن حَرْب ، عَن عبد الرَّحْمَن فَأثْبت كَونه عبدا . قلت : شُعْبَة إِمَام جليل حَافظ ، وَقد رَوَى عَن عبد الرَّحْمَن (أَنه كَانَ حرًّا ، فَلَا يضرّهُ نِسْيَان عبد الرَّحْمَن) وتوقفه عَلَى مَا تفرد فِي مَحَله ، وَكَيف يُعَارض شُعْبَة سماك مَعَ كَونه متكلمًا فِيهِ ، لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ : يُؤَكد رِوَايَة سماك : حَدِيث أُسَامَة بن زيد ، عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهَا : إِن شِئْت أَن تقري تَحت هَذَا العَبْد" . قال الْمُنْذِرِيّ : وَقد رُوِيَ عَن الْأسود ، عَن عَائِشَة "أَن زَوجهَا كَانَ عبدا" فاختلفت الرِّوَايَة عَن الْأسود ، وَلم تخْتَلف عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره مِمَّن قَالَ : "كَانَ عبدا" وَقد جَاءَ عَن بَعضهم أَنه من قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ، وَعَن بَعضهم أَنه من قَول الحكم بن عتيبة ، وَقَالَ البُخَارِيّ : قَول الحكم (مُرْسل) . قلت : فِي تَسْمِيَة هَذَا مُرْسلا (و) فِي (الْمُقدم) مُنْقَطِعًا نظر ؛ إِذِ [7/644] الْكَلَام الْمَوْقُوف عَلَى بعض الروَاة المدرج فِي الحَدِيث لَا يُسمى مُنْقَطِعًا وَلَا مُرْسلا . قال الْمُنْذِرِيّ : وَرَوَى الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَغَيره وَعمرَة وَغَيرهَا ، عَن عَائِشَة "أَنه كَانَ عبدا وَالقَاسِم هُوَ ابْن أخي عَائِشَة ، وَعُرْوَة هُوَ ابْن أُخْتهَا ، وَكَانَا يدخلَانِ عَلَيْهَا بِلَا (خلاف) وَعمرَة كَانَت فِي حجر عَائِشَة ، وَهَؤُلَاء أخص النَّاس بهَا ، وَأَيْضًا فَإِن عَائِشَة كَانَت تذْهب إِلَى خلاف مَا رُوِيَ عَنْهَا ، وَكَانَ رأيها أَنه لَا يثبت لَهَا الْخِيَار تَحت الْحر ، قَالَ إِبْرَاهِيم ، عَن أبي طَالب خَالف الْأسود بن يزِيد النَّاس فِي زوج بَرِيرَة ، فَقَالَ (إِنَّه) حر . وَقال النَّاس إِنَّه عبد . قلت : قَوْله خَالف النَّاس أَي جمهورهم فقد وَافقه عَلَى ذَلِك الْقَاسِم ، وَعُرْوَة - فِي رِوَايَة - وَابْن الْمسيب كَمَا ذكره عبد الرَّزَّاق عَنهُ ، قَالَ الدَّارمِيّ : سَمِعت عَلي بن الْمَدِينِيّ يَقُول لنا : أَيهمَا ترَوْنَ أثبت ، عُرْوَة أَو إِبْرَاهِيم عَن الْأسود ؟ ثمَّ قَالَ عَلي : أهل الْحجاز أثبت . قال الْبَيْهَقِيّ : يُرِيد عَلي ، رِوَايَة عُرْوَة وَأَمْثَاله من أهل الْحجاز أصح من رِوَايَة أهل الْكُوفَة . وَقال ابْن الطلاع فِي "أَحْكَامه" : الْأَكْثَر فِي الرِّوَايَة [7/645] وَالأَصَح أَنه كَانَ عبدا . وَقال الطَّحَاوِيّ - مَا ملخصه ، لمَّا اخْتلفت الْآثَار - : وَجب التَّوْفِيق بَينهمَا وَالْحريَّة نعت الْحرَّة ، وَلَا ينعكس فَيحمل عَلَى أَنه إِذا كَانَ حرًّا عِنْدَمَا خيرت عبدا قبله ، وَلَو ثَبت أَنه عبد لَا يمْنَع كَون الْحر كَذَلِك ؛ إِذْ لَيْسَ فِي شَيْء من الْآثَار أَنه إِنَّمَا خَيرهَا لكَونه عبدا .
|