الحَدِيث الثَّانِي
رُوي : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " الطَّلَاق لِمَنْ أَخذ بالساق " .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِي من طَرِيقين .
أَحدهمَا : حَدِيث ابْن عَبَّاس - رضي الله عنهما - قَالَ : " أَتَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - رجل فَقَالَ : يَا رَسُول الله : إِن سَيِّدي زَوجنِي أمة ، وَهُوَ يُرِيد أَن يفرق بيني وَبَينهَا ، قَالَ : فَصَعدَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - الْمِنْبَر فَقَالَ : يَا أَيهَا النَّاس مَا بَال أحدكُم يزوِّجُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ ثمَّ يُرِيد أَن يفرق بَينهمَا ، إِنَّمَا الطَّلَاق لمَنْ أَخذ بالساق " .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي " سنَنه " ، وعِلَّتُه : ابْن لَهِيعَة .
الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث عصمَة بن مَالك قَالَ : " جَاءَ مَمْلُوك إِلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله إِن مولَاي زوَّجني ... " الحديثَ .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي فِي " سنَنه " ، وعلَّتُه الْفضل بن الْمُخْتَار ، قَالَ [8/139] ابْن عدي : أَحَادِيثه مُنكرَة ، وَعَامة أَحَادِيثه لَا يُتابع عَلَيْهَا .
وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِي : مَجْهُول ، وَأَحَادِيثه مُنكرَة ، يحدث بالأباطيل . وَقَالَ الْأَزْدِي : مُنكر الحَدِيث جدًّا
.
وَقَالَ الْبَيْهَقِي : هَذَا حَدِيث ضَعِيف ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِي فِي " علله " : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح .
قلت : وَلِحَدِيث ابْن عَبَّاس السالف طَرِيق آخر ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِي فِي " أكبر معاجمه " من حَدِيث : يَحْيَى بن عبد الحميد الْحمانِي ، عَن يَحْيَى بن يعْلى ، عَن مُوسَى بن أَيُّوب ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " سُئِلَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن العَبْد يزوِّجه سَيِّدُهُ ، بِيَدِ مَنْ الطَّلَاق ؟ قَالَ : بِيَدِ مَنْ أَخذ بالساق " .
الْحمانِي مَعَ حفظه وتأليفه للمسند : مِمَّن اخْتُلِفَ فِيهِ ، وَثَّقَهُ ابْن معِين وغيرُه ، وكذَّبه أَحْمد وَغَيره ، والراوي عَنهُ إِن كَانَ التَّيْمِي فَثِقَة ، وَإِن كَانَ ابْن الْمُعَلَّى الْقَطوَانِي فَلَيْسَ بِشَيْء .
وَأما الْأَثر : فَقَالَ : الرَّافِعِيّ رووا : " أَن عُمر - رضي الله عنه - كَانَ يطوف لَيْلًا ، فَسمع امْرَأَة تَقول فِي طرف بَيتهَا :
أَلا طَال هَذَا الليلُ وازور جَانِبه
وأَرَّقْنِي ألاَّ حليل أُلاعبه
فواللَّهِ لَوْلَا الله لَا شَيْء فَوْقه
لزعزع من هَذَا السرير جوانبه
مَخَافَة رَبِّي وَالْحيَاء يلمني
وَأكْرم بَعْلِي أَن تنَال مراكبه
[8/140] فبحث عمرُ - رضي الله عنه - عَن حَالهَا ، فأخبِرَ أَن زَوجهَا غَابَ فِيمَن غزا ، فَسَأَلَ عمرُ - رضي الله عنه - النساءَ : كم تصبر الْمَرْأَة عَن زَوجهَا ؟ تصبرُ شهرا ؟ فَقُلْنَ : نعم ، فَقَالَ : تصبر شَهْرَيْن ؟ ، فَقُلْنَ : نعم ، فَقَالَ : فَثَلَاثَة أشهر ؟ فَقُلْنَ : نعم ، ويَقِلُّ صبرُها ، قَالَ : أَرْبَعَة أشهر ؟ ، فَقُلْنَ : نعم ، وَينفذ صَبْرُها فَكتب إِلَى أُمَرَاء الأجناد : فِي رجالٍ غَابُوا عَن نِسَائِهِم أَرْبَعَة أشهر أَن يردهم " .
ويُرْوى : " أَنه سَأَلَ حفصةَ عَن ذَلِك ، فأجابت بذلك " .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِي فِي " سنَنه " بِنَحْوِهِ فِي أَوَائِل كتاب : السِّيَر ، من رِوَايَة عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر قَالَ : " خرج عمرُ من اللَّيْل فَسمع امْرَأَة تَقول :
تطاول هَذَا اللَّيْل واسودَّ جَانِبه
وأَرَّقْنِى أَلا حبيب أُلاَعِبُه
فوَاللَّه لَوْلَا الله أَنِّي أراقبه
لتحرك من هَذَا السرير جوانبه
فَقَالَ عُمرُ بن الْخطاب لحفصة - رضي الله عنها - : كم أَكثر مَا تصبر المرأةُ عَن زَوجهَا ؟ فَقَالَت حَفْصَة : سِتَّة أَو أَرْبَعَة أشهر ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا أَحْبِسُ الْجَيْش أكْثَرَ مِنْ هَذَا
" .
[8/141] وَرَوَاهُ ابْن وهب ، عَن مَالك ، عَن ابْن دينارٍ بِإِسْقَاط ابْن عمر ، وَقَالَ فِي آخِرِه : الشَّك فِي أَرْبَعَة أَو سِتَّة ، لَا أَدْرِي . وَحَكَى ابْنُ الرّفْعَة فِي " مطلبه " : أَن الَّذِي سَأَلَهَا عمر : مَيْمُونَة .
فَائِدَة : الازورار : التحرك ، وَكَذَا قَوْلهَا : لزعزع ، وَقد صُرح بِهَذَا فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِي .
وَقَالَ صَاحب " المُسْتَعْذَب عَلَى المهذَّب " : ازور جَانِبه بعد صباحه يُقَال بِئْر زوراء أَي : بعيدَة الْغَوْر والزورة الْبَعِيدَة ، وَهُوَ من الازورار .
والأرق : السَّهر ، وَالْمرَاد بالسرير : نَفْسها ، شبهت نَفسهَا بالسرير من حَيْثُ إِنَّهَا فِرَاشٌ للرجل ، ومركوب كسرير الْخشب الذى يجلس عَلَيْهِ ، والحَليل فِي رِوَايَة الرَّافِعِي تَبَعًا لصَاحب " المهذَّب " اشتقاقه إِمَّا من : الْحل ضد الْحَرَام ، وَإِمَّا من : حُلولهما عَلَى الْفراش . قَالَه صَاحب " المستعذب عَلَى المهذَّب " ، وكنتُ أحفظه بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، إِلَى أَن عثرتُ عَلَى هَذَا الْكتاب
.
[8/142]