[8/143] كتاب الظِّهَار
[8/144] [8/145] كتاب الظِّهَار
ذكر فِيهِ - رحمه الله - ثَلَاثَة أَحَادِيث ، وأثرًا وَاحِدًا .
الحَدِيث الأول
" أَن أَوْس بن الصَّامِت ظَاهَرَ من زَوجته خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة - عَلَى اختلافٍ فِي اسْمهَا ونسبها - فأتتْ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مشتكيةً مِنْهُ ، فَأنْزل الله - تعالى - فيهمَا : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ إِلَى آخر الْآيَات " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِي من حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت : " الْحَمد لله الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَات ، لقد جاءتِ المجادِلة تَشْكُو إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَأَنا فِي نَاحيَة الْبَيْت مَا أسمع مَا تَقول ، فَأنْزل الله - عز وجل - : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ " .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة أَيْضا قَالَت : " تبَارك الَّذِي وَسِعَ سَمعه كلَّ شيءٍ ؛ إِنِّي لأسْمع كَلَام خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة [8/146] ويَخْفى علي بعضه ، وَهِي تَشْتَكِي إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - زَوْجَهَا ، وَهِي تَقول : يَا رَسُول الله ، أكل شَبَابِي ونثرتُ لَهُ بَطْني ، حَتَّى إِذا كَبُرَ سني وانقطعت لَهُ وَلَدي ظَاهَرَ منِّي ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْك . قَالَت عَائِشَة : فَمَا برحتْ حَتَّى نزل جبريلُ بهؤلاء الْآيَات : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا الْآيَات . قَالَ : وزوجُهَا أَوْس بن أَوْس بْنُ الصَّامِت " .
قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه أَيْضا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة : " أَن جميلَة كَانَت امْرَأَة أَوْس بن الصَّامِت ، وَكَانَ أَوْس امْرأ بِهِ لَمَمٌ ، فَإِذا اشْتَدَّ بِهِ لمَمُهُ : ظَاهر من امْرَأَته ، فَأنْزل الله - تعالى - فِيهِ كَفَّارَة الظِّهَار " .
قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حديثٌ صحيحٌ عَلَى شَرط مُسلم ، ذَكَرَ ذَلِكَ كلَّه فِي كتاب : التَّفْسِير من " مُسْتَدْركه " . وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي " سنَنه " هَذِه الرِّوَايَة .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث خُوَيْلَةَ بنت مَالك بن ثَعْلَبَة قَالَت :
[8/147] " ظاهَرَ منِّي زَوجي أوسْ بْنُ الصَّامِت ، فجئتُ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَشْكُو إِلَيْهِ ، وَرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يجادلني فِيهِ وَيَقُول : اتَّقِي اللهَ ، فَإِنَّهُ ابْن عمك ، فَمَا برحتُ حَتَّى نزل الْقُرْآن : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا إِلَى الْفَرْض ، قَالَ : يعتقُ رَقَبَة . قلتُ : لَا يَجِدُ . قَالَ : يَصُومُ شَهْرَيْن مُتَتَابعين . قَالَت : يَا رَسُول الله ، إِنَّه شيخٌ كَبِير ، مَا بِهِ من صيامٍ . قَالَ : قلت : يطعم سِتِّينَ مِسْكينا . قلتُ : مَا عِنْده شَيْء يتصدَّق بِهِ قَالَت : فَأَتَى ساعتئذ بعرق من تمرٍ ، قلت : يَا رَسُول الله ، وَإِنِّي أُعينه بعرق آخَرٍ ، قَالَ : قد أَحْسَنت اذهبي فأطعمي بهَا عَنهُ سِتِّينَ مِسْكينا ، وارجعي إِلَى ابْن عمك " .
قَالَ : والعرق سُتُّون صَاعا . وَفِي رِوَايَة لَهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد نَحوه ، إِلَّا أَنه قَالَ : والْعرق : مكتل يسع ثَلَاثِينَ صَاعا . قَالَ [8/148] أَبُو دَاوُد : هَذَا أَصَحُّ الْحَدِيثين . وَخَالف ابْنُ الْقطَّان ، فأعله من طريقيه بِأَن قَالَ : يَرْويه مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن معمر بن عبد الله بن حَنْظَلَة ، وَمعمر لم يذكر بِأَكْثَرَ من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق عَنهُ ، فَهُوَ مَجْهُول الْحَال .
قلت : لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي " ثقاته
" ، وَرَوَاهُ فِي " صَحِيحه " بِنَحْوِ هَذِه الرِّوَايَة ، وَلم يذكر قَدْرَ الْعرق ، وَقَالَ فِيهِ : " فليطعمْ سِتِّينَ مِسْكينا وَسْقًا من تمر " .
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَ : " الْعرق : زبيل يَأْخُذ خَمْسَة عشر صَاعا " .
وَفِي رِوَايَة لَهُ : " فأُتي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بتمرٍ ، فَأعْطَاهُ إِيَّاه ، وَهُوَ قريبٌ من خَمْسَة عشر صَاعا ، فَقَالَ : تَصَدَّقْ بهَا . فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، عَلَى أفْقر منِّي وَمن أَهلِي ؟ ! فَقَالَ - عليه السلام - : كُلْهُ أَنْت وأهْلُك " .
وَفِي رِوَايَة لَهُ ، عَن عَطاء ، عَن أَوْس أخي عبَادَة بن الصَّامِت : " أَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أعطَاهُ خَمْسَة عشر صَاعا من شعير إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا " .
[8/149] قَالَ أَبُو دَاوُد : عَطاء لم يدْرك أوسَ بْنَ الصَّامِت ، هَذَا مُرْسل ، أَوْس من أهل بدر قديم الْمَوْت ، وَإِنَّمَا رَوَوْهُ عَن الْأَوْزَاعِي ، عَن عَطاء ، أَن أَوْس . قَالَ : وَعَطَاء لم يسمع من أَوْس .
وَفِي رِوَايَة للدارقطني عَن أنس : " أَن أَوْسًا قَالَ : مَا أجدُ إِلَّا أَن تعينني بعونٍ وصلةٍ ، فأعانه - عليه السلام - بِخَمْسَة عشر صَاعا . قَالَ : وَكَانُوا يرَوْنَ أَن عِنْده مثلهَا ، وَذَلِكَ لستين مِسْكينا " .
وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ عَن خَوْلَة : " أَنه - عليه السلام - أعَان زَوْجَهَا حِين ظَاهر مِنْهَا بعرق ، وأعانَتْه هِي بعرق آخر ، وَذَلِكَ سِتُّونَ صَاعا " .
وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي " أكبر معاجمه " من حَدِيث ابْن عَبَّاس : أَن الْمَرْأَة اسْمهَا خُوَيْلَة بنت خويلد ، وَأَنَّهَا امرأةٌ جَلِدَةٌ ، وَأَنه ضعيفٌ .
وَفِيه عِنْد ذكْر الرَّقَبَة : " واللهِ مَا لَهُ خَادِم غَيْرِي " .
وَفِيه عِنْد الصَّوْم : " إِنَّه إِذا لم يَأْكُل فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ بلي بَصَره " .
وَفِيه عِنْد [8/150] الْإِطْعَام : " واللهِ مَا لنا فِي الْيَوْم إِلَّا وقية " .
وَفِيه : " فَلْيَنْطَلِقْ إِلَى فلانٍ ، فيأخُذْ مِنْهُ شَطْرَ وَسْقٍ من تمر ، فليتصدقْ بِهِ عَلَى سِتِّينَ مِسْكينا ، وليراجِعْكِ " .
وَفِيه : " فانْطَلَقَ يسْعَى حَتَّى جَاءَ بِهِ ، قَالَت : وعَهْدِي بِهِ قَبلَ ذَلِكَ مَا يستطيعُ أَن يحمل عَلَى ظَهْره خَمْسَة آَصْعِ تَمْرٍ من الضَّعْفِ " .
وَفِي إِسْنَاد هَذِه " أَبُو حَمْزَة الثمالِي " : وَقد ضَعَّفُوهُ .
واعلمْ : أَنه قد أسلفنا عَن الرَّافِعِي : أَنه قَالَ وَقع الِاخْتِلَاف فِي اسْم زَوْجَة أَوْس بن الصَّامِت وَفِي نَسَبهَا . فَأَما اسْمهَا فقد أسلفنا ذَلِكَ فِيهِ هَل هِي خَوْلَة أَو خُوَيْلَة بِالتَّصْغِيرِ ، أَو : جميلَة ، ورجَّح الأَوَّلَ غَيْرُ واحدٍ ، كَمَا قَالَه الْمُنْذِرِي فِي " حَوَاشِيه " وَقيل : اسْمهَا " حَبِيبَة " حَكَاهُ صَاحب " الْمطلب " ، وَذكر أَن خَوْلَة هِي بنت جميل ، وَلَا أعرف لَهُ سلفا فِي ذَلِكَ .
وَأما الِاخْتِلَاف فِي نَسَبهَا : فَقيل : خَوْلَة بنت مَالك بن ثَعْلَبَة ، وَقيل : خُوَيْلَة بنت خويلد - بِالتَّصْغِيرِ فيهمَا - وَقيل : بنت ثَعْلَبَة بن مَالك بن الأجشم ، وَقيل : بنت الصَّامِت ، وَذكر هَذَا الِاخْتِلَاف أَبُو نعيم بعد أَن قَالَ : وخَوْلَة الْأَنْصَارِيَّة ، المظاهَرُ مِنْهَا مختلفٌ فِي اسْمهَا ونسبها .
وَذكر الِاخْتِلَاف الَّذِي ذكرته أَولا فِي اسْمهَا ، خلا " جميلَة " .
تَنْبِيهَات : أَحدهَا : زَوجهَا أوسٌ أَنْصَارِي خزرجي ، وَهُوَ أَخُو عبَادَة بن الصَّامِت .
[8/151] الثَّانِي : قَالَ ابْن عَبَّاس : وَكَانَ ذَلِكَ أول ظِهَار جَرَى فِي الْإِسْلَام ، كَمَا سَاقه الطَّبَرَانِي بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ السالف عَنهُ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِي أَيْضا فِي " سنَنه " من حَدِيث : الْأَصَم نَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد ، ثَنَا عبيد الله بن مُوسَى ، ثَنَا أَبُو حَمْزَة الثمالِي ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " وَكَانَ أوَّل مَنْ ظاهَرَ فِي الْإِسْلَام : أَوْس " فَذكره .
الثَّالِث : اللمم : طرق من الْجُنُون ، قَالَه ابْن الْأَثِير فِي " جَامعه " ، وَنقل النَّوَوِي فِي " تهذيبه " عَن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الْمروزِي : أَن المُرَاد باللمم : الْإِلْمَام بِالنسَاء وَشدَّة الشوق إلَيْهِنَّ
.