الحَدِيث الرَّابِع
" أَن رجلا أَتَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : إِن امْرَأَتي لَا ترد يَد لامس . قَالَ : طَلقهَا . قَالَ : إِنِّي أحبها ، قَالَ : أمْسكهَا " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سُفْيَان ، عَن هَارُون بن رِئَاب ، عَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر ، قَالَ : " أَتَى رجل رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِن امْرَأَتي لَا ترد يَد لامس . فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : طَلقهَا . فَقَالَ : إِنِّي أحبها قَالَ : أمْسكهَا إِذا " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " سنَنه " فِي بَاب تَزْوِيج الْأَبْكَار فَقَالَ : كتب إلي حُسَيْن بن حُرَيْث الْمروزِي : ثَنَا الْفضل بن مُوسَى ، عَن الْحُسَيْن بن وَاقد ، عَن عمَارَة بن أبي حَفْصَة ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : إِن امْرَأَتي لَا تمنع يَد لامس . قَالَ : غربها . قَالَ : أَخَاف أَن تتبعها نَفسِي . قَالَ : فاستمتع بهَا " .
وَرَوَاهُ النَّسَائِي فِي بَاب تَزْوِيج الزَّانِيَة ، عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ، ثَنَا يزِيد ، ثَنَا حَمَّاد بن سَلمَة وَغَيره ، عَن هَارُون بن رِئَاب ، عَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر . وَعبد الْكَرِيم ، عَن عبد الله بن عبيد ، عَن ابْن عَبَّاس - رَفعه إِلَى ابْن عَبَّاس ، وَهَارُون لم يرفعهُ - قَالَ : " جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إِن عِنْدِي امْرَأَة من أحب النَّاس إِلَي ، وَهِي لَا [8/178] تمنع يَد لامس . قَالَ : طَلقهَا . قَالَ : لَا أَصْبِر عَنْهَا . قَالَ : استمتع بهَا " .
وَهَذِه الْأَسَانِيد كل رجالها ثِقَات : سُفْيَان لَا يسْأَل عَن مثله ، وَهَارُون من رجال م ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره . وَعبد الله بن عبيد الله من رِجَاله أَيْضا ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم . وَقَالَ النَّسَائِي : لَا بَأْس بِهِ .
وَإسْنَاد رِوَايَة الشَّافِعِي هَذِه غير مُتَّصِلَة ، وحسين بن حُرَيْث من رجال الصَّحِيحَيْنِ ، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِي وَغَيره .
وَالْفضل بن مُوسَى هُوَ السينَانِي - بسين مُهْملَة مَكْسُورَة ، ثمَّ مثناة تَحت ، ثمَّ نون ، ثمَّ ألف ، ثمَّ نون ، ثمَّ مثناة تَحت - نِسْبَة إِلَى سينان - قَرْيَة من قرَى مرو - من رجال الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَالنَّاس .
وَالْحُسَيْن بن وَاقد ، أخرجَا لَهُ أَيْضا ووثق .
وَعمارَة من رجال البُخَارِي ، ووثق .
وَعِكْرِمَة أحد رِجَاله وَهُوَ أحد الْأَعْلَام .
وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل شيخ النَّسَائِي قَالَ هُوَ فِي حَقه : حَافظ ثِقَة . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِي : لَا بَأْس بِهِ .
وَيزِيد هُوَ ابْن هَارُون أحد الْأَعْلَام أخرجَا لَهُ أَيْضا .
وَكَذَا حَمَّاد بن سَلمَة إِلَّا أَن البُخَارِي أخرج لَهُ تَعْلِيقا .
وَعبد الْكَرِيم ، قَالَ النَّسَائِيّ فِي حَقه : لَيْسَ بِالْقَوِي .
[8/179] قَالَ : وَهَارُون بن رِئَاب أثبت مِنْهُ ، وَقد أرسل الحَدِيث ، وَهَارُون ثِقَة وَحَدِيثه أولَى بِالصَّوَابِ من حَدِيث عبد الْكَرِيم .
وَقَالَ فِي " سنَنه " قبل ذَلِكَ : هَذَا حَدِيث لَيْسَ بِثَابِت . يَعْنِي الرِّوَايَة المرفوعة .
وَرَوَاهُ النَّسَائِي فِي الْخلْع ، عَن الْحُسَيْن بن حُرَيْث ، ثَنَا الْفضل بن مُوسَى ، ثَنَا الْحُسَيْن بن وَاقد ، عَن عمَارَة بن أبي حَفْصَة ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : إِن امْرَأَتي لَا تمنع يَد لامس . فَقَالَ : غربها إِن شِئْت . قَالَ : إِنِّي أَخَاف أَن تتبعها نَفسِي . قَالَ : استمتع بهَا " .
ثمَّ أخرجه عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ، عَن النَّضر بن شُمَيْل ، ثَنَا حَمَّاد بن سَلمَة ، أبنا هَارُون بن رِئَاب ، عَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر ، عَن ابْن عَبَّاس " أَن رجلا قَالَ : يَا رَسُول الله ، إِن تحتي امْرَأَة لَا ترد يَد لامس . قَالَ : طَلقهَا . قَالَ : إِنِّي لَا أَصْبِر عَنْهَا . قَالَ : أمْسكهَا " ثمَّ قَالَ النَّسَائِي : هَذَا خطأ وَالصَّوَاب مُرْسل .
وَقَالَ الْمُنْذِرِي فِي " مُخْتَصر سنَن أبي دَاوُد " : رجال هَذَا الحَدِيث مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيحَيْنِ عَلَى الِاتِّفَاق والانفراد .
وَذكر الدَّارَقُطْنِي أَن الْحُسَيْن بن وَاقد تفرد بِهِ عَن عمَارَة بن أبي حَفْصَة ، وَأَن الْفضل بن مُوسَى تفرد بِهِ عَن الْحُسَيْن بن وَاقد . وَقَالَ [8/180] النَّوَوِي فِي " تهذيبه " : هَذَا حَدِيث مَشْهُور صَحِيح ، وَإسْنَاد أبي دَاوُد صَحِيح .
وَأما ابْن الْجَوْزِي فَذكره فِي " مَوْضُوعَاته " من حَدِيث عبيد الله بن عُمَيْر ، عَن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي ، عَن أبي الزبير ، قَالَ : " أَتَى رجل إِلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : إِن امْرَأَتي لَا ترد يَد لامس . قَالَ : طَلقهَا . قَالَ : إِنِّي أحبها . قَالَ : فاستمتع بهَا " .
ثمَّ قَالَ : وَقد رَوَاهُ عبيد بن عُمَيْر ، وَحسان بن عَطِيَّة كِلَاهُمَا عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ نقل عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ : هَذَا الحَدِيث لَا يثبت عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَلَيْسَ لَهُ أصل .
قلت : وَهَذَا لَا يقْدَح فِيمَا أسلفناه من الطّرق .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سَأَلت أبي عَن حَدِيث معقل ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ... فَذكره ، فَقَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بن كثير ، عَن سُفْيَان ثَنَا عبد الْكَرِيم : حَدَّثَني أَبُو الزبير ، عَن مولَى لبني هَاشم ، قَالَ : " جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - ... " فَذكره .
وَرَوَاهُ غَيره ، عَن الثَّوْري هَكَذَا، فَسَمَّى هَذَا الرجل هشامًا مولَى لبني هَاشم قيل لأبي : [8/181] أَيهمَا أشبه ؟ قَالَ : الثَّوْري أحفظ . ثمَّ تنبه بعد ذَلِكَ لأمر غَرِيب وَقع لصَاحب " التنقيب " فَإِنَّهُ عزا هَذَا الحَدِيث إِلَى البُخَارِي ، وَهُوَ من الْعجب العجاب .
فَائِدَة : اخْتلف فِي مَعْنَى قَوْله : " لَا ترد يَد لامس " عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحدهمَا : أَن المُرَاد بِهِ الْفُجُور . مِنْهُم النَّسائي ، وَقد بوب عَلَيْهِ كَمَا سلف تَزْوِيج الزَّانِيَة .
وَمِنْهُم ابْن الْأَعرَابِي ، فَإِنَّهُ لما سُئِلَ عَنهُ قَالَ : إِنَّه من الْفُجُور .
وَمِنْهُم الْخطابِي فَإِنَّهُ قَالَ : فِي معالمه مَعْنَاهُ الرِّيبَة ، وَأَنَّهَا مطاوعة لمن أرادها لَا ترد يَده . قَالَ : وَقَوله : " غربها " أَي أبعدها بِالطَّلَاق ، وأصل الغرب الْبعد . قَالَ : وَفِيه دلَالَة جَوَاز نِكَاح الْفَاجِرَة . قَالَ : وَقَوله " فاستمتع بهَا " أَي : لَا تمسكها إِلَّا بِقدر مَا تقضي مُتْعَة النَّفس مِنْهَا وَمن وطرها ، والاستمتاع بالشَّيْء الِانْتِفَاع بِهِ مُدَّة ، وَمِنْه نِكَاح الْمُتْعَة ، وَمِنْه قَوْله - تعالى - : إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ .
وَمِنْهُم ابْن الْأَثِير فَإِنَّهُ قَالَ فِي " جَامعه " : مَعْنَى " لَا ترد يَد لامس " أَي أَنَّهَا مطاوعة لمن طلب مِنْهَا الرِّيبَة والفاحشة .
وَمِنْهُم الْغَزالِي فَإِنَّهُ اسْتدلَّ بِهِ عَلَى الْمَرْأَة إِذا لم تصن فرجهَا .
وَقَالَ النَّوَوِي فِي " تهذيبه " بعد مَا أسلفناه عَن الْخطابِي : احْتج بالْخبر الْمَذْكُور جماعات من الْعلمَاء عَلَى [8/182] أَن الْمَرْأَة إِذا لم تكن عفيفة يُستحب للزَّوْج طَلاقهَا ، وَاحْتج بِهِ بَعضهم عَلَى صِحَة نِكَاح الزَّانِيَة ، وَعَلَى أَن الزَّوْجَة إِذا زنت لَا يَنْفَسِخ نِكَاحهَا . قَالَ : وَهَذَا كُله مصير مِنْهُم عَلَى أَن المُرَاد باللمس : الزِّنَا .
قَالَ النَّوَوِي : فَكَأَنَّهُ - عليه السلام - أَشَارَ عَلَيْهِ أَولا بفراقها نصيحة لَهُ وشفقة عَلَيْهِ فِي تنزهه من معاشرة من هَذَا حَالهَا ، فَأعْلم الرجل شدَّة محبته لَهَا وخوفه فتْنَة بِسَبَب فراقها ، فَرَأَى - عليه السلام - الْمصلحَة لَهُ فِي هَذَا الْحَال بإمساكها خوفًا من مفْسدَة عَظِيمَة تترتب عَلَى فراقها ، وَدفع أعظم الضررين بأخفهما مُتَعَيّن ، ولَعَلَّه يُرْجَى الصّلاح بعد ، ثمَّ شرع النَّوَوِي بعد فِي تَضْعِيف مَا سُوَى هَذَا القَوْل .
وَالْقَوْل الثَّانِي : إِن المُرَاد أَنَّهَا لَا ترد يَد من يلمس مِنْهَا مَالا . يَقُول : هِي سخية تضع مَا كَانَ عِنْدهَا .
قَالَ ابْن الْجَوْزِي فِي " مَوْضُوعَاته " : هَذَا الحَدِيث حمله أَبُو بكر الْخلال عَلَى الْفُجُور وَلَا يجوز هَذَا ، إِنَّمَا يحمل عَلَى تفريطها فِي المَال لَو صَحَّ الحَدِيث .
ثمَّ نقل كَلَام الإِمَام أَحْمد السالف فِيهِ .
وَقَالَ الْأَصْمَعِي - عَلَى مَا نَقله ابْن صَخْر فِي فَوَائده - : إِنَّمَا كنى عَن [8/183] بذلها الطَّعَام ، وَمَا يدْخلهُ عَلَيْهَا لَا غير .
وأوضح ابْن نَاصِر الْحَافِظ ذَلِكَ فِي جُزْء لَهُ مُفْرد وصوبَ هَذَا القَوْل وَخطأ الأول .
وَنقل الْمُنْذِرِي عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ : مَعْنَاهُ تُعطي من مَاله . فَقيل لَهُ : إِن أَبَا عبيد يَقُول : من الْفُجُور . فَقَالَ : لَيْسَ عندنَا إِلَّا أَنَّهَا تُعْطِي من مَاله ، وَلم يكن - عليه السلام - يَأْمر أَن يمْسِكهَا وَهِي تفجر . وَمَا حَكَاهُ عَن أبي عبيد خَالفه فِيهِ الْحَافِظ ابْن نَاصِر فَإِنَّهُ حَكَى عَنهُ أَنه قَالَ : إِنَّه من التبذير .
قَالَ : وَكَذَا ذكر غَيره من عُلَمَاء الْإِسْلَام ، وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين : مَعْنَاهُ : أمْسكهَا عَن الزِّنَا إِمَّا بمراقبتها وَإِمَّا بِكَثْرَة جِمَاعهَا . وَهُوَ حسن بَالغ .
تَنْبِيه : هَذَا الحَدِيث احْتج بِهِ الرَّافِعِي عَلَى أَن الزَّوْج إِذا تَيَقّن زنا زَوجته أَو ظَنّه ظنًّا مؤكدًا وَلم يكن ثمَّ ولد أَنه لَا يجب عَلَيْهِ الْقَذْف ، بل يجوز أَن يستر عَلَيْهَا ويفارقها بِغَيْر طَرِيق اللّعان ، وَلَو أمْسكهَا لم يحرم .
وَفِيه مُوَافقَة القَوْل الأول أَن المُرَاد بِهِ الْفُجُور ، وَلَكِن فِيهِ مُخَالفَة لما ذكر الْحَافِظ ابْن نَاصِر فَإِنَّهُ ذكر لروايته لهَذَا الحَدِيث أَن لَهُ مِنْهَا ولد فَإِنَّهُ قَالَ : " شكى هَذَا الرجل إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهَا تعري طَعَامه ، وتمره ، ولبنه ، وَأَنَّهَا تعطيه للسؤال ، وَأَنَّهَا لَا تبقي فِي بَيت زَوجهَا شَيْئا من الطَّعَام ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : طَلقهَا . قَالَ : إِنِّي أحبها ولي مِنْهَا ولد . فَقَالَ - عليه السلام - : فاستمتع بهَا " . ثمَّ نَفَى - صلى الله عليه وسلم - بعد ذَلِكَ أَن يُعْطين من أبيتهن [8/184] شَيْئا إِلَّا بِإِذن أَزوَاجهنَّ ثمَّ رخص لَهُنَّ بعد ذَلِكَ فِي الصَّدَقَة فَقَالَ : " إِذا أنفقت الْمَرْأَة من بَيت زَوجهَا بِالْمَعْرُوفِ بِغَيْر إِذْنه فالأجر بَينهمَا نِصْفَانِ للزَّوْج بِمَا كسب وللمرأة مَا أنفقت " وَرخّص لَهُنَّ فِي إطْعَام الْأَشْيَاء الرّطبَة الَّتِي إِذا تركت فَسدتْ وحُمَّت وَلم تُؤْكَل .