الحَدِيث الْخَامِس
عَن أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - " أَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - خيَّرَ غُلامًا بَين أَبِيه وَأمه " . وَعنهُ : " أَنه اخْتصم رجل وَامْرَأَة فِي وَلَده مِنْهَا إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَت الْمَرْأَة : يَا رَسُول الله ، إِن ابْني هَذَا قد نَفَعَنِي وسقاني من بِئْر أبي عنبة ، وَإِن أَبَاهُ يُرِيد أَن يَأْخُذهُ مني . فَقَالَ الْأَب : لَا أحد يحاقني فِي ابْني . فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : يَا غُلَام ، هَذِه أمك وَهَذَا أَبوك ، فَاتبع أَيهمَا شِئْت . فَاتبع أمه " . وَيروَى " أَن رجلا وَامْرَأَة أَتَيَا أَبَا هُرَيْرَة يختصمان فِي ابْن لَهما ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : لأقضين بَيْنكُمَا بِمَا شهِدت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقْضِي بِهِ ، يَا غُلَام ، هَذَا أَبوك وَهَذِه أمك ، فاختر أَيهمَا شِئْت " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الأول أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِي من حَدِيث هِلَال بن أبي مَيْمُونَة ، عَن أَبِيه ، عَن [8/328] أبي هُرَيْرَة وَقَالَ : حسن . وَنقل ابْن عَسَاكِر فِي " أَطْرَافه " عَنهُ تَصْحِيحه وَتَبعهُ صَاحب " الْمُنْتَقَى " نعم صَححهُ ابْن حبَان فَإِنَّهُ أخرجه فِي " صَحِيحه " من حَدِيث هِلَال بن أبي مَيْمُونَة ، وَأَيْضًا عَن أبي مَيْمُونَة " أَنه شهد أَبَا هُرَيْرَة خير غُلَاما بَين أَبِيه وَأمه ، وَقَالَ : إِن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - خير غُلَاما بَين أَبَوَيْهِ " . وَرَوَاهُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي من حَدِيث هِلَال بن أبي مَيْمُونَة - وَقيل : أُسَامَة - أَن أَبَا مَيْمُونَة سليما - من أهل الْمَدِينَة رجل صدق - قَالَ : " بَيْنَمَا أَنا جَالس مَعَ أبي هُرَيْرَة جَاءَتْهُ امْرَأَة فارسية مَعهَا ابْن لَهَا وَقد طَلقهَا زَوجهَا فادعياه ، فَقَالَت : يَا أَبَا هُرَيْرَة - رطنت بِالْفَارِسِيَّةِ - زَوجي يُرِيد أَن يذهب بِابْني . فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : اسْتهمَا عَلَيْهِ - رطن لَهَا بذلك - فجَاء زَوجهَا فَقَالَ : من يحاقني فِي وَلَدي ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : اللَّهُمَّ إِنِّي لأقول هَذَا لِأَنِّي سَمِعت امْرَأَة جَاءَت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَأَنا قَاعد عِنْده فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، إِن زَوجي يُرِيد أَن يذهب بِابْني ، وَقد سقاني من بِئْر أبي عنبة وَقد نَفَعَنِي . فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : اسْتهمَا عَلَيْهِ . فجَاء زَوجهَا فَقَالَ : من يحاقني فِي وَلَدي ؟ فَقَالَ - عليه السلام - : هَذَا أَبوك وَهَذِه أمك . فَأخذ بيد أمه فَانْطَلَقت بِهِ " .
وَرَوَاهُ النَّسَائِي بِنَحْوِهِ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي كتاب الْأَحْكَام فِي " مُسْتَدْركه " بِلَفْظ أبي دَاوُد ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح [8/329] الْإِسْنَاد .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِي فِي " سنَنه " أَيْضا بِلَفْظ أبي دَاوُد رَوَاهُ مُخْتَصرا أَيْضا . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي " مُسْنده " أَيْضا ، عَن وَكِيع ، عَن ابْن الْمُبَارك ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي مَيْمُونَة ، عَن أبي هُرَيْرَة ، قَالَ : " جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ - عليه السلام - : اسْتهمَا فِيهِ وَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : تخير أَيهمَا شِئْت . قَالَ : فَاخْتَارَ أمه فَذَهَبت بِهِ " .
وَلما أخرجه ابْن حزم فِي " محلاه " عَنهُ أعله بِأبي مَيْمُونَة هَذَا ، فَقَالَ : أَبُو مَيْمُونَة هَذَا مَجْهُول لَيْسَ هُوَ وَالِد هِلَال الَّذِي رَوَى عَنهُ .
قلت : هُوَ سليم كَمَا سلف فِي رِوَايَة أبي دَاوُد ، وَكَذَا سَمَّاهُ التِّرْمِذِي أَيْضا بعد إِيرَاده الحَدِيث ، وَكَذَا سَمَّاهُ البُخَارِي ، قَالَ ابْن عَسَاكِر : وَيُقَال : " سلمَان " رَوَى عَن جمَاعَة ، وَعنهُ جمَاعَة ، وَوَثَّقَهُ الْعجلِي وَالنَّسَائِي ، وَالصَّحِيح أَنه لَيْسَ بوالد هِلَال .
وَقَالَ عبد الْحق : يرويهِ هِلَال بن أُسَامَة ، عَن أبي مَيْمُونَة سلْمَى - من أهل الْمَدِينَة رجل صدق - عَن أبي هُرَيْرَة
.
قَالَ ابْن الْقطَّان : لَا يفهم من هَذَا الْكَلَام تَصْحِيح [8/330] الحَدِيث وَلَا توهِينه وَذَلِكَ أَن أَبَا مَيْمُونَة هَذَا إِن لم يكن رَوَى عَنهُ غير هِلَال بن أُسَامَة فَيَنْبَغِي أَن يكون عَلَى مذْهبه مَجْهُولا ، وَلَا يَنْفَعهُ قَول هِلَال بن أُسَامَة فِيهِ : رجل صدق . وَإِن كَانَ لَا يعرف ، وَأَيْضًا إِنَّه لم يثن عَلَيْهِ إِلَّا بالصلاح وَذَلِكَ لَا يقْضِي لَهُ بالثقة وَلَا بِالصّدقِ الَّذِي نبتغيه فِي الرِّوَايَة ، قيل : لم نر الصَّالِحين فِي شَيْء أكذب مِنْهُم فِي الحَدِيث .
فَأَما هِلَال بن أُسَامَة فقد كنى من حَدثهُ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أَبَا مَيْمُونَة وَسَماهُ " سلْمَى " ، وَذكر أَنه مولَى من أهل الْمَدِينَة وَوَصفه بِأَنَّهُ رجل صدق ، وَهَذَا الْقدر كَاف فِي الرَّاوِي مَا لم يتَبَيَّن خِلَافه ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قد رَوَى عَن أبي مَيْمُونَة الْمَذْكُور أَبُو النَّضر ، قَالَه أَبُو حَاتِم ، ثمَّ رَوَى عَنهُ يَحْيَى بن أبي كثير هَذَا الحَدِيث نَفسه ، ثمَّ سَاق الحَدِيث من " مُسْند ابْن أبي شيبَة " ثمَّ قَالَ : فجَاء من هَذَا جودة هَذَا الحَدِيث وَصِحَّته ، وَلَعَلَّه مَقْصُود عبد الْحق .
فَائِدَة : قَوْلهَا : " نَفَعَنِي وسقاني " مَعْنَاهُ بلغ حدًّا لينْتَفع بِهِ بِحمْل مَاء أَو مَتَاع . كَمَا نبه عَلَيْهِ الرَّافِعِي ، والبئر الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث عَلَى ميلين من الْمَدِينَة كَذَا ذكره أَبُو عبيد الْبكْرِي . قَالَ : وَهِي مَعْرُوفَة ولفظها عَلَى لفظ الْمَأْكُول .
والرطانة - بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا - : الْكَلَام بالأعجمية .
[8/331] والاستهام : المقارعة .
ويحاقني : أَي يُنَازعنِي فِي حَقي مِنْهُ .
تَنْبِيه : قيل هَذَا فِي الْغُلَام الَّذِي عقل وَاسْتَغْنَى عَن الْحَضَانَة ، فَإِذا كَانَ كَذَلِك خير بَين وَالِديهِ ، وللعلماء خلاف فِي ذَلِك . قَالَ الْخطابِي : وَإِن صَحَّ الحَدِيث فَلَا مَذْهَب عَنهُ . قلت : قد صُحح كَمَا سلف . هَذَا آخر مَا ذكر فِيهِ من الْأَحَادِيث .
وَأما الأثران ، أَحدهمَا : " أَن عمر - رضي الله عنه - خيَّر غُلَاما بَين أَبَوَيْهِ " وَهَذَا الْأَثر ذكره الشَّافِعِي فِي " الْمُخْتَصر " بِغَيْر إِسْنَاد فَقَالَ : جَاءَ عَن عمر - رضي الله عنه - " أَنه خيرَّ غُلَاما بَين أَبَوَيْهِ " . وأسنده فِي الْقَدِيم عَلَى مَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِي فِي " سنَنه " عَنهُ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن يزِيد بن يزِيد بن جَابر ، عَن إِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر ، عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم " أَن عمر بن الْخطاب خير غُلَاما بَين أَبِيه وَأمه " .
الْأَثر الثَّانِي : عَن عمَارَة الْجرْمِي قَالَ : " خيرَّني عَلي - رضي الله عنه - بَين أُمِّي وَعمي وَأَنا ابْن سبع سِنِين أَو ثَمَان " .
هَذَا الْأَثر ذكره الشَّافِعِي فِي " الْمُخْتَصر " بِغَيْر إِسْنَاد فَقَالَ : وَعَن عمَارَة قَالَ : " خيرَّني عَلي بَين أُمِّي وَعمي ، ثمَّ قَالَ لأخ أَصْغَر مني : وَهَذَا أَيْضا لَو قد بلغ خيرته " وَقَالَ فِي الحَدِيث : " وَكنت ابْن سبع سِنِين أَو ثَمَان [8/332] سِنِين " وَذكره فِي " الْأُم " مُسْندًا من طَرِيقين : أَحدهمَا : عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن يُونُس بن عبد الله الْجرْمِي ، عَن عمَارَة الْجرْمِي قَالَ : " خيرَّني عَلّي بَين أُمِّي وَعمي ، وَقَالَ لأخ لي أَصْغَر مني : وَهَذَا لَو بلغ مبلغ هَذَا خيرته " .
وَذكره الْبَيْهَقِي فِي " سنَنه " من هَذَا الْوَجْه ، ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي : قَالَ إِبْرَاهِيم ، عَن يُونُس ، عَن عمَارَة ، عَن عَلّي ، مثله وَقَالَ فِي الحَدِيث : " وَكنت ابْن سبع سِنِين أَو ثَمَان " .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، عَن يُونُس بن عبد الله ، عَن عمَارَة ، وَذكر نَحوه ، وَفِيه : " وَقَالَ لأخ لي أَصْغَر مني : وَهَذَا لَو بلغ لخيرته " . قَالَ إِبْرَاهِيم : وَفِي الحَدِيث : " وَكنت ابْن سبع سِنِين أَو ثَمَان سِنِين " .
وَفِي " علل ابْن أبي حَاتِم " : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث حَيْثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِي ، عَن شُعْبَة ، عَن يُونُس الْجرْمِي ، عَن عَلّي بن ربيعَة ، قَالَ : " شهِدت عليًّا ... " فَذكر الحَدِيث ، فَقَالَ : هَذَا خطأ إِنَّمَا هُوَ عَن يُونُس الْجرْمِي ، عَن عمَارَة ، عَن عَلي . قلت لأبي : الْخَطَأ من أبي دَاوُد أَو من شُعْبَة ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . وَكَانَ أَكثر خطأ شُعْبَة فِي أَسمَاء الرِّجَال .