|
[8/353] بَاب مَا يجب بِهِ الْقصاص ذكر فِيهِ - رحمه الله - أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا : أَحدهَا " أَن الرّبيع بنت النَّضر - عمَّة أنس بن مَالك - كسرت ثنية جَارِيَة فَأمر النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - بِالْقصاصِ ، فَقَالَ أَخُوهَا أنس بن النَّضر : أتكسر ثنية الرّبيع ! لَا وَالله . فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : كتاب الله الْقصاص " . هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِي فِي الْبَاب ، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِي من حَدِيث أنس - رضي الله عنه - " أَن الرُّبَيع كسرت ثنية جَارِيَة ، فطلبوا إِلَيْهَا الْعَفو فَأَبَوا ، فعرضوا الأَرْش فَأَبَوا ، فَأتوا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَأَبَوا إِلَّا الْقصاص ، فَأمر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بِالْقصاصِ ، فَقَالَ أنس بن النَّضر : أتكسر ثنية الرُّبَيع ! لَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ ، لَا تكسر ثنيتها . فَقَالَ - عليه السلام - : يَا أنس ، كتاب الله الْقصاص . فَرضِي الْقَوْم فعفوا ، فَقَالَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - : إِن من عباد الله من لَو أقسم عَلَى الله لَأَبَره " . وَأخرجه مُسلم عَلَى وَجه آخر عَن أنس أَيْضا " أَن أُخْت الرُّبيع أم حَارِثَة جرحت إنْسَانا فاختصموا إِلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : الْقصاص [8/354] الْقصاص . فَقَالَت أم الرّبيع : يَا رَسُول الله ، أيقتص من فُلَانَة ! وَالله لَا يقْتَصّ مِنْهَا . فَقَالَ - عليه السلام - : سُبْحَانَ الله يَا أم الرّبيع ! الْقصاص كتاب الله . قَالَت : وَالله لَا يقْتَصّ مِنْهَا أبدا . قَالَ : فَمَا زَالَت حَتَّى قبلوا ، فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : إِن من عباد الله من لَو أقسم عَلَى الله لأبرَّه " . فَائِدَتَانِ : الأولَى : رجح بَعضهم رِوَايَة البُخَارِي " أَن الرّبيع كسرت ثنية جَارِيَة " عَلَى رِوَايَة مُسلم " أَن أُخْت الرّبيع جرحت إنْسَانا " وَقَالَ ... الثَّانِيَة : فِي رِوَايَة البُخَارِي أَن الْحَالِف أنس بن النَّضر ، وَفِي مُسلم أم الرّبيع وَهِي بِفَتْح الرَّاء وَكسر ... النَّوَوِي فِي " شَرحه لمُسلم " ، وَإِن كَانَ الدمياطي والمزي ضما الرَّاء وفتحا الْبَاء للجارحة ، وَجمع الرَّافِعِي فِي " أَحْكَامه " أَن كلًّا مِنْهُمَا حلف عَلَى أَنه لَا يقْتَصّ مِنْهَا ، وَأَن الْجراحَة [8/355] نسبت إِلَى إِحْدَاهمَا بِالْمُبَاشرَةِ ، وَإِلَى الْأُخْرَى بِالسَّبَبِ ، وَنسب الْقصاص إِلَى إِحْدَاهمَا من جِهَة أَنَّهَا الْمُبَاشرَة للجناية ، وَإِلَى الْأُخْرَى من جِهَة تأثرها بالاقتصاص من هَذِه فَكل مَا نيل مِنْهَا نيل من أُخْتهَا . فَائِدَة ثَالِثَة : قَوْله : " كتاب الله الْقصاص " المُرَاد بهَا قَوْله - تعالى - : وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا إِلَّا أَنه فِي نقل الرَّافِعِي عَن الْأَصْحَاب أَن هَذَا وَإِن كَانَ خَبرا مَا فِي التَّوْرَاة ، لَكِن شرع من قبلنَا شرع لنا إِذا لم يرد نَاسخ لَهُ عَلَى رَأْي الْأُصُولِيِّينَ ، وَبِتَقْدِير أَن لَا يكون كَذَلِك ، فَإِن ورد مَا يقرره فَهُوَ شرع لنا لَا محَالة ثمَّ ذكر الحَدِيث ، وَمَا ذكره من أَن قَوْله : " كتاب الله الْقصاص " تَقْرِير لشرع من قبلنَا غَرِيب ، فَإِنَّهُ إِخْبَار عَمَّا فِي كتاب الله - تعالى - لَا إنْشَاء حكم ، بل الْجَواب عِنْد من لَا يَقُول بِأَنَّهُ شرع لنا ، أَن ذَلِك إِشَارَة إِلَى آيَات تدل عَلَيْهَا بِالْعُمُومِ لقَوْله - تعالى - : وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا وَقَوله : فَمن اعْتَدَى عَلَيْكُم الْآيَة ، وَقَوله : وَإِن عَاقَبْتُمْ الْآيَة ، وَهَذِه الْآيَات وَإِن طرقها التَّخْصِيص إِلَّا أَن دلالتها بَاقِيَة عَلَى مَا لم يثبت تَخْصِيصه .
|