|
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " لَا يُقَاد الْوَالِد بِالْوَلَدِ " . هَذَا الحَدِيث مروي من طرق : أَحدهَا : من حَدِيث عمر بن الْخطاب - رضي الله عنه - قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُول : " لَا يُقَاد الْوَالِد بِالْوَلَدِ " . رَوَاهُ التِّرْمِذِي من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَنهُ رَوَاهُ ابْن مَاجَه [8/373] أَيْضا وعلته الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، وَقَالَ الْبَيْهَقِي فِي " سنَنه " : رَوَاهُ حجاج بن أَرْطَاة ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : " حضرت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقيد الْأَب من ابْنه وَلَا يُقيد الابْن من أَبِيه . ثَانِيهَا : من حَدِيث سراقَة بن مَالك - رضي الله عنه - قَالَ : " حضرت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقيد الْأَب من ابْنه وَلَا يُقيد الابْن من أَبِيه " . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِي أَيْضا ، من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَنهُ بِهِ . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا نعرفه من حَدِيث سراقَة إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَلَيْسَ إِسْنَاده بِصَحِيح ، رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش والْمثنى بن الصَّباح ، والمثنى يضعف فِي الحَدِيث . قلت : وَإِسْمَاعِيل هَذَا ضَعِيف عَن غير الشاميين ، وَهُوَ هَا هُنَا رَوَى عَن الْمثنى بن الصَّباح وَلَيْسَ بشامي . قَالَ : وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث أَبُو خَالِد الْأَحْمَر ، عَن الْحجَّاج ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن عمر ، عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - . ثمَّ سَاق الحَدِيث السالف ، ثمَّ قَالَ : وَقد رُوِي هَذَا الحَدِيث عَن عَمْرو بن شُعَيْب مُرْسلا ، وَهَذَا حَدِيث فِيهِ اضْطِرَاب . [8/374] ثَالِثهَا : من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، رَفعه : " لَا تُقَام الْحُدُود فِي الْمَسَاجِد ، وَلَا يقتل الْوَالِد بِالْوَلَدِ " . رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِي أَيْضا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن مُسلم الْمَكِّي ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس ، مَرْفُوعا بِهِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيث لَا نعرفه بِهَذَا الْإِسْنَاد مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن مُسلم ، وَقد تكلم فِيهِ بعض أهل الْعلم من قبل حفظه . قلت : وَقد تَابعه عَلَى رِوَايَته الْحسن بن عبيد الله الْعَنْبَري ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، أَفَادَهُ الْبَيْهَقِي فِي " سنَنه " ، و" مَعْرفَته " قَالَ التِّرْمِذِي : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أهل الْعلم أَن الْأَب إِذا قتل ابْنه لَا يقتل بِهِ ، وَإِذا قذفه لَا يُحد . وَقَالَ عبد الْحق فِي " أَحْكَامه : هَذِه الْأَحَادِيث كلهَا معلولة لَا يَصح مِنْهَا شَيْء . وبيَّن ذَلِك ابْن الْقطَّان كَمَا بَيناهُ . رَابِعهَا : من حَدِيث ابْن لَهِيعَة ، ثَنَا عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده مَرْفُوعا : " لَا يُقَاد وَالِد من وَلَده ، وَيَرِث المَال من يَرث الْوَلَاء " . رَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده من هَذَا الْوَجْه عَن ابْن لَهِيعَة بِالتَّحْدِيثِ ، وَقد قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِي : لم يسمع ابْن لَهِيعَة من عَمْرو بن شُعَيْب شَيْئا . [8/375] وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي فِي " الْأَفْرَاد " من حَدِيث مُحَمَّد بن جَابر اليمامي ، عَن يَعْقُوب بن عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن عَمْرو . وَمُحَمّد وَيَعْقُوب لَا يحْتَج بهما . قلت : وَلِحَدِيث عمر السالف طَرِيق آخر ، رَوَاهُ أَحْمد ، عَن أسود بن عَامر ، أَنا جَعْفَر الْأَحْمَر ، عَن مطرف ، عَن الحكم ، عَن مُجَاهِد قَالَ : " حذف رجل ابْنا لَهُ بِسيف فَقتله فرُفع إِلَى عمر فَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُول : لَا يُقَاد الْوَالِد من وَلَده . لقتلتك قبل أَن تَبْرَح " . وَطَرِيق آخر رَوَاهُ الْبَيْهَقِي من حَدِيث مطرف بن طريف ، عَن الحكم بن عتيبة ، عَن رجل يُقَال لَهُ : عرْفجَة ، عَن عمر بن الْخطاب - رضي الله عنه - قَالَ : سَمِعت رَسُول - صلى الله عليه وسلم - يَقُول : " لَيْسَ عَلَى الْوَالِد قَود من وَلَده " . وَرَوَى الْبَيْهَقِي أَيْضا من طَرِيق الشَّافِعِي ، عَن مَالك ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب " أَن رجلا من بني مُدْلِج يُقَال لَهُ : قَتَادَة ، حذف ابْنه بِسيف فَأصَاب سَاقه ، فنزا فِي جرحه فَمَاتَ ، فَقدم سراقَة بن جعْشم عَلَى عمر بن الْخطاب - رضي الله عنه - فَذكر ذَلِك لَهُ ، فَقَالَ عمر : أعدد لي عَلَى قديد عشْرين ومائة بعير حَتَّى أقدم عَلَيْهِ . فَلَمَّا قدم عمر أَخذ [8/376] من تِلْكَ الْإِبِل ثَلَاثِينَ حقة وَثَلَاثِينَ جَذَعَة وَأَرْبَعين خلفة ، ثمَّ قَالَ : أَيْن أَخ الْمَقْتُول ؟ قَالَ : هَا أَنا ذَا . قَالَ : خُذْهَا فَإِن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : لَيْسَ لقَاتل شَيْء " . قَالَ الشَّافِعِي : وَقد حفظته عَن عدد من أهل الْعلم لقيتهم أَن لَا يقتل الْوَالِد بِالْوَلَدِ ، وَبِذَلِك أَقُول . قَالَ الْبَيْهَقِي : هَذَا الحَدِيث مُنْقَطع ، فأكده الشَّافِعِي بِأَن عددا من أهل الْعلم يَقُول بِهِ . قَالَ : وَقد رُوِي مَوْصُولا فساقه من حَدِيث مُحَمَّد بن عجلَان ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ : " نحلت لرجل من بني مُدْلِج جَارِيَة فَأصَاب مِنْهَا ابْنا ، فَكَانَ يستخدمها ، فَلَمَّا شب الْغُلَام دَعَاهَا يَوْمًا فَقَالَ : اصنعي كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ : لَا تَأْتِيك حَتَّى مَتى تستأمي أُمِّي . قَالَ : فَغَضب فَحَذفهُ بِسيف فَأصَاب رجله ، فنزف الْغُلَام فَمَاتَ ، فَانْطَلق فِي رهطٍ من قومه إِلَى عمر - رضي الله عنه - فَقَالَ : يَا عَدو نَفسه ، أَنْت الَّذِي قتلت ابْنك ، لَوْلَا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُول : " لَا يُقَاد الْأَب من ابْنه " . لقتلتك ، هَلُمَّ دِيَته . فَأَتَاهُ بِعشْرين أَو ثَلَاثِينَ ومائة بعير ، فَخير مِنْهَا مائة فَدَفعهَا إِلَى ورثته وَترك أَبَاهُ " . وَقَالَ الْبَيْهَقِي فِي " الْمعرفَة إِسْنَاده صَحِيح . وَنقل هَذِه القولة عَن الْبَيْهَقِي أَيْضا صَاحب " الْإِلْمَام " وَأقرهُ عَلَيْهَا . [8/377] قلت : وَهَذِه الطَّرِيق هِي الْعُمْدَة وَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمهَا ، وَالْأول شَاهد لَهَا .
|