الحَدِيث الثَّالِث
أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " إِن أَعْتَى النَّاس عَلَى الله ثَلَاثَة : رجل قتل فِي الْحرم ، وَرجل قتل غير قَاتله ، وَرجل قتل بذحل الجاهليَّة " .
لما ذكر الرَّافِعِي أَنه لم يرد فِي الْإِحْرَام من التَّغْلِيظ مَا ورد فِي الْقَتْل فِي الْحرم قَالَ : وَرُوِي الحَدِيث من أوجه أخر .
أَحدهَا : من طَرِيق عبد الله بن عَمْرو - رضي الله عنهما - رَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ : " أعدى " بِالدَّال الْمُهْملَة بدل " أَعْتَى " بِالتَّاءِ ، وَقَالَ : " بذحُول " بدل " بذحل " .
ثَانِيهَا : من طَرِيق عبد الله بن عمر فِي حَدِيث طَوِيل بِلَفْظ : " وَإِن أَعْتَى النَّاس عَلَى الله ثَلَاثَة : من قتل فِي حرم الله ، أَو قتل غير قَاتله لذحل الْجَاهِلِيَّة " .
رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي " صَحِيحه " كَذَلِك سَوَاء وَمن هَذِه الطَّرِيق ، وَيجوز أَن يكون هُوَ عبد الله بن عَمْرو فَسَقَطت الْوَاو ، وَالله أعلم .
[8/426] ثَالِثهَا : من طَرِيق أبي شُرَيْح الْخُزَاعِي - رضي الله عنه - أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " من أَعْتَى النَّاس عَلَى الله من قتل غير قَاتله ، أَو طلب بِدَم الْجَاهِلِيَّة ، وَمن بصر عَيْنَيْهِ فِي النّوم مَا لم تبصر " .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي فِي " سنَنه " كَذَلِك ، وَالطَّبَرَانِي فِي " أكبر معاجمه " بِلَفْظ : " وَإِن أعدى النَّاس عَلَى الله ثَلَاثَة : رجل قتل فِيهَا - يَعْنِي مَكَّة - وَرجل قتل غير قَاتله بذحل الْجَاهِلِيَّة " . وَلم يذكر الثَّالِثَة ، وَرَوَاهُ فِي مَوضِع آخر بِلَفْظ : " أَعْتَى النَّاس عَلَى الله رجل قتل غير قَاتله ، أَو طلب بِدَم الْجَاهِلِيَّة من أهل الْإِسْلَام ، وَمن بصر عَيْنَيْهِ فِي النّوم مَا لم تبصره " وَرَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " بِلَفْظ : " وَإِن أَعْتَى النَّاس عَلَى الله ثَلَاثَة : رجل قتل فِيهَا - يَعْنِي مَكَّة - وَرجل قتل غير قَاتله ، وَرجل طلب بذحل فِي الْجَاهِلِيَّة " . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " بِلَفْظ الدَّارَقُطْنِي ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وخُولِفَ ، عَن الزُّهْرِي ، عَن عَطاء بن يزِيد ، [8/427] عَن أبي شُرَيْح مَرْفُوعا . وَرَوَاهُ عقيل وَيُونُس وَغَيرهمَا عَن الزُّهْرِيّ عَن مُسلم بن يزِيد ، عَن أبي شُرَيْح مَرْفُوعا وَهُوَ الصَّحِيح ، وَأَخْطَأ عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق . قلت : وَمَعَ خطئه فَفِيهِ مقَال . قَالَ الْعجلِي : يكْتب حَدِيثه ، وَلَيْسَ بِالْقَوِي . وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم وَقَالَ البُخَارِي : لَيْسَ مِمَّن يعْتَمد عَلَى حفظه ، وَإِن كَانَ مِمَّن يحْتَمل فِي بعض . وَقَالَ النَّسَائِي وَابْن خُزَيْمَة : لَيْسَ بِهِ بَأْس .
رَابِعهَا : من طَرِيق عَائِشَة - رضي الله عنها - قَالَت : " وجد فِي قَائِم سيف رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كِتَابَانِ : إِن أَشد النَّاس عتوًّا رجل ضرب غير ضاربه ، وَرجل قتل غير قَاتله ، وَرجل تولى غير أهل نعْمَته ، فَمن فعل ذَلِك فقد كفر بِاللَّه وَرَسُوله ، لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا " .
رَوَاهُ الْحَاكِم ، ثمَّ الْبَيْهَقِي . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي " الْأُم " عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه ، عَن جده ، قَالَ : " وجد فِي قَائِم سيف رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاب : إِن أعدى النَّاس عَلَى الله - سُبْحَانَهُ وَتعالى - الْقَاتِل غير قَاتله ، والضارب غير ضاربه ، وَمن تولى غير [8/428] موَالِيه ، فقد كفر بِمَا أنزل الله عَلَى مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - " . وَفِي " صَحِيح البُخَارِيّ " عَن ابْن عَبَّاس - رضي الله عنه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أبْغض النَّاس إِلَى الله ثَلَاثَة : ملحد فِي الْحرم ، ومبتغ فِي الْإِسْلَام سنة الْجَاهِلِيَّة ، ومطلب دم امْرئٍ بِغَيْر حقٍّ ليهريق دَمه " .
فَائِدَة :
العتو - بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة - : التكبر والتجبر . يُقَال : عتا يعتو عُتوًّا ، وعُتيًّا - بِضَم الْعين وَكسرهَا - فَهُوَ عَاتٍ ، وَأما عثا - بالثاء الْمُثَلَّثَة - يعثو فَمَعْنَاه : أفسد وَكَذَلِكَ عَثِي - بِكَسْر الثَّاء - يعثى بِفَتْحِهَا - قَالَ - تعالى - : وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ .
وَقَوله : " غير قَاتله " هُوَ مجَاز جعل قَاتل مُوَرِثه قَاتلا لَهُ ، وَمِنْه : " وتستحقون دم صَاحبكُم - أَو قَالَ : قاتلكم " . وَأما " الذحْل " فبذال مُعْجمَة وحاء مُهْملَة سَاكِنة ، وَهُوَ الحقد والعداوة ، يُقَال : طلب بذحله أَي بثأره . وَالْجمع ذحول . قَالَه الْجَوْهَرِي
.