الحَدِيث الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ
أَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : " الْبِئْر جَبَّار " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي " صَحِيحَيْهِمَا " من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - مطولا : " العجماء جرحها جُبَار ، والبئر جُبَار ، والمعدن جُبَار ، وفِي الرِّكَاز الْخمس " .
فَائِدَة : فِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالنَّسَائِي وَابْن مَاجَه : " وَالنَّار جُبَار " . لَكِنَّهَا وهيت ، قَالَ أَحْمد - فِيمَا نَقله الْبَيْهَقِي - : هَذِه الرِّوَايَة لَيست بِشَيْء ، لم تكن فِي الْكتب وَهِي بَاطِلَة لَيست صَحِيحَة . وَقَالَ الْخطابِي : لم أزل أسمع أهل الحَدِيث ، يَقُولُونَ : غلط فِيهِ [8/464] عبد الرَّزَّاق ، إِنَّمَا هُوَ " الْبِئْر جُبَار " حَتَّى وجدته لأبي دَاوُد ، عَن عبد الْملك الصَّنْعَانِي ، عَن معمر ، فَدلَّ أَن الحَدِيث لم ينْفَرد بِهِ عبد الرَّزَّاق .
قلت : وَعبد الْملك هَذَا ضعفه همام بن يُوسُف وَأَبُو الْفَتْح الْأَزْدِي . وَقَالَ بَعضهم : هُوَ تَصْحِيف " الْبِئْر " فَإِن أهل الْيمن يميلون الْيَاء ويكسرون النُّون ، فَسَمعهُ بَعضهم عَلَى الإمالة فَكَتبهُ بِالْيَاءِ فنقلوه مُصحفا . فعلَى هَذَا ، الَّذِي ذكره هُوَ عَلَى الْعَكْس مِمَّا قَالَه ، فَإِن صَحَّ نَقله فَهِي النَّار يوقدها الرجل فِي ملكه لأربٍ فيطيرها الرّيح فتتلف مَتَاعا لغيره بِحَيْثُ لَا يملك ردهَا فَيكون هدرا .
وَكَذَا قَالَ ابْن معِين عَلَى مَا حَكَاهُ صَاحب " التَّمْهِيد " أَصله " الْبِئْر جَبَّار " وَلكنه صحفه معمر
. ثمَّ قَالَ أَبُو عمر : فِي قَوْله نظر ، وَلَا يسلم لَهُ حَتَّى يَتَّضِح . وَقَالَ فِي " الاستذكار " : لم يَأْتِ ابْن معِين عَلَى ذَلِك بِدَلِيل ، وَلَيْسَ هَكَذَا ترد أَحَادِيث الثِّقَات . وَخَالف أَبُو مُحَمَّد بن حزم فَقَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح تقوم بِهِ الْحجَّة .
فَائِدَة ثَانِيَة : فِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالنَّسَائِي : " وَالرجل جُبَار " وَهِي واهية أَيْضا . قَالَ الشَّافِعِي : هَذِه الرِّوَايَة غلط ؛ لِأَن الْحفاظ لم يحفظوها هَكَذَا . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِي وَالْبَيْهَقِي : لم يروها غير سُفْيَان [8/465] ابن حُسَيْن وَخَالفهُ الْحفاظ عَن الزُّهْرِي فَلم يذكرُوا هَذِه الزِّيَادَة وَبسط الْبَيْهَقِي القَوْل فِي تضعيفها فِي " خلافياته " و" سنَنه " . وَقَالَ الْخطابِي : تكلم النَّاس فِي هَذَا الحَدِيث ، وَقيل : إِنَّه غير مَحْفُوظ وسُفْيَان بن حُسَيْن مَعْرُوف بِسوء الْحِفْظ .
فَائِدَة ثَالِثَة : فِي رِوَايَة للطبراني فِي " أكبر معاجمه " من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا : " والسائمة جُبَار " وَفِي إسنادها الْحسن بن عمَارَة أحد الهلكى ، وَرَوَاهَا أَحْمد فِي " مُسْنده " عَن خلف بن الْوَلِيد ، ثَنَا عباد بن عباد ، عَن مجَالد ، عَن الشّعبِي ، عَن جَابر رَفعه : " السَّائمة جَبَّار والمعدن جَبَّار ، وَفِي الرِّكَاز الْخمس " .
فَائِدَة رَابِعَة : " العجماء " مَمْدُود : الْبَهِيمَة ، سميت بذلك لِأَنَّهَا لَا تنطق و" الجُبَار " : الهدر ، وَقد رَأَيْت هَذَا التَّفْسِير فِي آخر الحَدِيث . قَالَ عبد الله بن أَحْمد فِي " الْمسند " : ثَنَا أَبُو كَامِل الجحدري حَدثنَا الْفضل بن سُلَيْمَان ، حَدثنِي مُوسَى بن عقبَة ، عَن إِسْحَاق بن يَحْيَى بن الْوَلِيد بن عبَادَة بن الصَّامِت أَنه ، قَالَ : [8/466] " إِن من قَضَاء رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن الْبِئْر جُبار ، والمعدن جُبَار ، والعجماء جرحها جَبَّار " والعجماء : الْبَهِيمَة من الْأَنْعَام وَغَيرهَا ، والجبار : هُوَ الهدر الَّذِي لَا يغرم ثمَّ ذكره مطولا ، كَذَا رَأَيْت فِي " الْمسند " إِسْحَاق بن يَحْيَى بن الْوَلِيد بن عبَادَة بن الصَّامِت ، وَلَعَلَّه عَن عبَادَة ، فَإِن الْمَعْرُوف أَنه يروي عَن جد أَبِيه عبَادَة كَمَا هُوَ فِي ابْن مَاجَه ، وَقَالَ التِّرْمِذِي : لم يُدْرِكهُ . قَالَ الذَّهَبِي : وَعنهُ مُوسَى بن عقبَة فَقَط وقَالَ ابْن الْجَوْزِي : إِسْحَاق بن يَحْيَى بن أخي عبَادَة بن الصَّامِت . وَقَالَ الذَّهَبِي فِي " الْمِيزَان " : إِسْحَاق بن يَحْيَى ، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن عبَادَة بن الصَّامِت ، قَالَ ابْن عدي : أَحَادِيثه غير مَحْفُوظَة . وَقَوله : " جرحها " : قَالَ بَعضهم هُوَ هُنَا بِفَتْح الْجِيم عَلَى الْمصدر لَا غير قَالَ : فَأَما الجُرح بِالضَّمِّ فالاسم . قَالَ الْمُنْذِرِي : وَأكْثر مَا يقْرَأ هَذَا بِالضَّمِّ
.