[8/687] كتاب قطاع الطَّرِيق
[8/688] [8/689] كتاب قطاع الطَّرِيق
ذكر فِيهِ - رحمه الله - حَدِيث " لَا يقطع إِلَّا فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا " .
وَقد سلف بَيَانه فِي الْبَاب قبله .
وَحَدِيث " نهَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن تَعْذِيب الْحَيَوَان " .
وَهُوَ حَدِيث صَحِيح فَفِي " صَحِيح البُخَارِيّ " من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - قَالَ : " بعثنَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي بعث فَقَالَ : إِن وجدْتُم فلَانا وَفُلَانًا - لِرجلَيْنِ من قُرَيْش سماهما - فأحرقوهما بالنَّار . ثمَّ قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - حِين أردنَا الْخُرُوج : إِنِّي كنت أَمرتكُم أَن تحرقوا فلَانا وَفُلَانًا ، وَإِن النَّار لَا يعذب بهَا إِلَّا الله ، فَإِن وجدتموهما فاقتلوهما " .
فَائِدَة : الرّجلَانِ هَبَّار بن الْأسود ، وَنَافِع بن عبد عَمْرو ، وَذكره الْبَزَّار فِي " مُسْنده " وَفِي سيرة ابْن إِسْحَاق : نَافِع بن عبد قيس الفِهري ، وَفِي " سنَن أبي دَاوُد " بِإِسْنَاد صَحِيح من حَدِيث ابْن مَسْعُود - رضي الله عنه - قَالَ : " كُنَّا مَعَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي سفر فَانْطَلق لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حمَّرة مَعهَا فرخان فأخذنا فرخيها ، فَجَاءَت الحمَّرة فَجعلت تعرِّس ، فجَاء النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - [8/690] فَقَالَ : من فجع هَذِه فِي وَلَدهَا ؟ ردوا وَلَدهَا إِلَيْهَا ، وَرَأَى قَرْيَة نمل قد أحرقناها فَقَالَ : من حرق هَذِه ؟ قُلْنَا : نَحن . قَالَ : إِنَّه لَا يَنْبَغِي أَن يعذّب بالنَّار إِلَّا رب النَّار " . وَأخرجه الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " ، وَقَالَ : " فَجعلت تصيح " وانتهت رِوَايَته إِلَى عِنْد قَوْله : " ردوا وَلَدهَا إِلَيْهَا . قَالَ : فردوهما " ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد .
فَائِدَة : قَرْيَة النَّمْل مَعْنَاهُ مَوضِع النَّمْل مَعَ النَّمْل .
وَذكر الرَّافِعِي فِي الْبَاب من الْآثَار أثر ابْن عَبَّاس - رضي الله عنهما - " أَنه قَالَ فِي قَوْله - تعالى – ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ) أَنَّهَا وَارِدَة فِي حق قطاع الطَّرِيق من الْمُسلمين دون أهل الْكفْر والمرتدين ، وَكَذَلِكَ هِي عِنْد أَكثر الْعلمَاء ، وَاحْتَجُّوا لذَلِك بقوله - تعالى - : ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) الْآيَة ، وتوبة الْكَافِر فِي أَنَّهَا تسْقط الْعقُوبَة عَنهُ لَا يخْتَلف بَين أَن يُوجد قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ أَو بعْدهَا ، وَلم يقيموا وزنا لقَوْل من قَالَ : إِن الْمُؤمن لَا يحارب الله وَرَسُوله . فَقَالُوا : لفظ الْمُحَاربَة يَنْتَظِم عِنْد الجرأة بالمخالفة والعصيان ، أَلا ترَى أَن الله - تعالى - يَقُول للْمُؤْمِنين ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) . قَالَ [8/691] الرَّافِعِي : وَفسّر ابْن عَبَّاس - رضي الله عنه - فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي - الْآيَة ، عَلَى مَرَاتِب وَالْمعْنَى أَن يُقتلوا إنَ قتلوا ، أَو يصلبوا إِن أخذُوا المَال وَقتلُوا ، أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف إِن اقتصروا عَلَى أَخذ المَال ، وَكلمَة " أَو " للتنويع لَا للتَّخْيِير ، كَمَا يُقَال : الزَّانِي يجلد أَو يرْجم . قَالَ ابْن عَبَّاس : وَمَعْنى نفيهم من الأَرْض أَنهم إِذا هربوا من حبس الإِمَام يتبعُون ليرُدوا ويتفرق جمعهم ، وَتبطل شوكتهم ، من ظفر نابه نُقِيم عَلَيْهِ مَا تُؤَدِّيه جِنَايَته من الْحَد أَو التَّعْزِير . هَذَا آخر مَا ذكره الرَّافِعِي وَهُوَ كَمَا قَالَ .
وَأما الْآيَة فلأهل التَّفْسِير فِي سَبَب نُزُولهَا خلاف كَبِير لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره ، وَفِي " سنَن أبي دَاوُد " و" النَّسَائِيّ " : أَنَّهَا نزلت فِي الْمُشْركين فَمن تَابَ مِنْهُم قبل أَن يقدر عَلَيْهِ لم يمنعهُ ذَلِك أَن يُقَام فِيهِ الْحَد الَّذِي أَصَابَهُ . وَفِي " سنَن أبي دَاوُد " أَنَّهَا نزلت فِي العرنيين .
وَأما الْأَثر فَرَوَاهُ الشَّافِعِي كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّافِعِي فَقَالَ : أبنا إِبْرَاهِيم - هُوَ ابْن أبي يَحْيَى - عَن صَالح مولَى التوءمة ، عَن ابْن عَبَّاس " فِي قطاع الطَّرِيق : إِذا قتلوا وَأخذُوا المَال قتلوا وصلبوا ، وَإِذا قتلوا وَلم [8/692] يَأْخُذُوا المَال قتلوا وَلم يصلبوا ، وَإِذا أخذُوا المَال وَلم يقتلُوا قطعت أَيْديهم وأرجلهم من خلاف ، وَإِذا أخافوا السَّبِيل وَلم يَأْخُذُوا مَالا نفوا من الأَرْض " . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِي عَن الشَّافِعِي قَالَ : وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم عَن دَاوُد ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " نزلت هَذِه الْآيَة فِي الْمُحَارب ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) إِذا عدى فَقطع الطَّرِيق فَقتل وَأخذ المَال صلب ، فَإِن قتل وَلم يَأْخُذ مَالا قتل ، فَإِن أَخذ المَال وَلم يقتل قطع من خلاف ، فَإِن هرب وأعجزهم فَذَلِك نَفْيه " ثمَّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِي من حَدِيث مُحَمَّد بن سعد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عَطِيَّة ، ثَنَا أبي ، حَدثنِي عمي ، حَدثنِي أبي ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس " فِي قَوْله - تعالى – ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) الْآيَة ، قَالَ : إِذا حَارب فَقتل فَعَلَيهِ الْقَتْل إِذا ظهر عَلَيْهِ قبل تَوْبَته ، وَإِذا حَارب وَأخذ المَال وَقتل فَعَلَيهِ الصلب وَإِن ظهر عَلَيْهِ قبل تَوْبَته ، وَإِذا حَارب وَأخذ المَال وَلم يقتل فَعَلَيهِ قطع الْيَد وَالرجل من خلاف إِن ظهر عَلَيْهِ قبل تَوْبَته ، وَإِذا حَارب وأخاف السَّبِيل فَإِنَّمَا عَلَيْهِ النَّفْي ، ونفيه أَن يطْلب " . قَالَ الشَّافِعِي : وَاخْتِلَاف حدودهم باخْتلَاف أفعالهم عَلَى مَا قَالَ ابْن عَبَّاس إِن شَاءَ الله .
[8/693] قلت : وَرَوَاهُ ابْن الْمُغلس عَن عبد الله بن أَحْمد ، عَن أَبِيه ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة ، ثَنَا حجاج ، عَن عَطِيَّة الْعَوْفِي ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " إِذا خرج الرجل مُحَاربًا فَأَخَاف الطَّرِيق وَأخذ المَال قطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ من خلاف ، وَإِذا أَخذ المَال وَقتل قطعت يَده وَرجله وصلب ، وَإِذا قتل وَلم يَأْخُذ المَال قتل ، وَإِذا أَخَاف الطَّرِيق وَلم يَأْخُذ مَالا وَلم يقتل نفي " .
ثمَّ اعْلَم أَن الْغَزالِي فِي " وسيطه " جعل التَّفْسِير الْمَذْكُور عَن ابْن عَبَّاس من قَوْله مَرْفُوعا ، وَهُوَ غَرِيب ، وَقد أنكر عَلَيْهِ ابْن الصّلاح فِي " مشكله " فَقَالَ : إِنَّمَا يعرف ذَلِك من تَفْسِير ابْن عَبَّاس . كَذَلِك ذكره الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِي وَالنَّاس ، وَكَذَلِكَ ذكره شَيْخه ، وَجعله إِيَّاه مَرْفُوعا قَالَ : وَتَفْسِير ابْن عَبَّاس أرجح من تَفْسِير غَيره ؛ لِأَنَّهُ ترجمان الْقُرْآن ، وَالْمعْنَى يعضده
.
[8/694]