الحَدِيث السَّادِس
قَالَ الرَّافِعِي : وَمَا لَا يسكر من الأنبذة لَا يحرم ، لَكِن يكره شرب المنَصَّف والخليطين لوُرُود النَّهْي عَنْهُمَا فِي الحَدِيث .
كَمَا قَالَ فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " من حَدِيث جَابر - رضي الله عنه - " أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - نهَى أَن ينْبذ التَّمْر وَالزَّبِيب جَمِيعًا ، وَنَهَى أَن ينْبذ الرطب والبسر جَمِيعًا " وَفِي لفظ " أَن يخلط الزَّبِيب وَالتَّمْر ، والبسر ، وَالتَّمْر " وَفِي مُسلم [8/707] من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وَابْن عمر ، وَأبي سعيد ، وَابْن عَبَّاس مثله ، وَفِي " سنَن النَّسَائِيّ " من حَدِيث أنس - رضي الله عنه - قَالَ : " نهَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن يجمع شَيْئَيْنِ فينبذا يَبْغِي أَحدهمَا عَلَى صَاحبه ، قَالَ : وَسَأَلته عَن الفضيخ فنهاني عَنهُ . قَالَ : وَكَانَ يكره المذنب من الْبُسْر مَخَافَة أَن يَكُونَا شيئيين فَكُنَّا نقطعه " وَرَوَى الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ : " نهَى عَن المُزَّاء - قَالَ : يَعْنِي : خلط الْبُسْر وَالتَّمْر " وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِي بِلَفْظ " نهَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الْقَيْس عَن المُزَّاء " رَوَاهُ بِإِسْنَاد صَحِيح وَفِيه زِيَادَة ، قَالَ صَاحب " الاقتراح " : عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِي من حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة " أَنه - عليه السلام - نهَى عَن الخليطين " .
قَالَ ابْن حزم فِي " محلاه " : لم يسمعهُ يَحْيَى بن أبي كثير من [8/708] أبي سَلمَة عَن عَائِشَة إِنَّمَا سَمعه من أبي سَلمَة عَن أبي قَتَادَة - أَي : كَمَا هُوَ فِي " صَحِيح مُسلم " وَغَيره - وَقد رَوَاهُ أَحْمد بن شُعَيْب - يَعْنِي : النَّسَائِي - من بَينهمَا كلاب بن عَلّي ، وَمرَّة ثُمَامَة بن كلاب ، وَلَا يُدْرَى من مِنْهُمَا فَسقط . قَالَ ابْن حزم : وَلَو صَحَّ لما كَانَ فِيهِ حجَّة ؛ لِأَن الخليطين هَكَذَا مُطلقًا لَا نَدْرِي مَا هما ، أَهما الخليطان فِي الزَّكَاة أم فِي مَاذَا ، وَأَيْضًا فَإِن ثريد اللَّحْم وَالْخبْز خليطان ، وَاللَّبن وَالْمَاء خليطان ، فلابد من بَيَان مُرَاده - عليه السلام - بذلك ، وَلَا يُؤْخَذ بَيَان مُرَاده إِلَّا من لَفظه ، فَبَطل تعلقهم بِهَذَا الْأَثر .
قلت : قد رُوِي هَذَا أَولا من حَدِيث جَابر " أَنه - عليه السلام - نهَى عَن الخليطين أَن يشربا ، قُلْنَا : يَا رَسُول الله ، وَمَا الخليطين ؟ قَالَ : التَّمْر وَالزَّبِيب " .
فَائِدَة : الفضيخ شراب يتَّخذ من التَّمْر وَحده من غير أَن تمسه النَّار ، فَإِن كَانَ مَعَه زبيب فَهُوَ الخليط .
قَالَ الرَّافِعِي : وَالْمنصف مَا عمل من تمر وَرطب ، وشراب الخليطين مَا عمل من نَبِيذ وَرطب ، وَقيل : مَا عمل من التَّمْر وَالزَّبِيب ، وَسبب النَّهْي أَن الشدَّة والإسكار تتسارع إِلَيْهِ بِسَبَب الْخَلْط قبل أَن يتَغَيَّر الطّعْم ، فيظن الشَّارِب أَنه لَيْسَ بمسكر وَهُوَ مُسكر قَالَ : وَهَذَا كالنهي عَن الظروف الَّتِي كَانُوا ينتبذون فِيهَا كالدَّباء : وَهُوَ [8/709] القرع ، والحنتم : وَهُوَ الجرار الْخضر ، والنقير : وَهُوَ أصل الْجذع ينقر ويتخذ مِنْهُ الْإِنَاء ، والمزفت : وَهُوَ المطلي بالزفت وَهُوَ القار ، وَيُقَال لَهُ : المُقَيّْر أَيْضا . قَالَ : هَذِه الظروف أَيْضا لَا تَعَلُّق وَلَا يضْربهَا الْهَوَاء ، فقد يشْتَد مَا فِيهَا وَلَا يطلع عَلَيْهِ ، بِخِلَاف الأسقية الَّتِي يضْربهَا الْهَوَاء ، وَتعلق . هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِي ، وَالنَّهْي الْمَذْكُور ثَابت ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس - رضي الله عنه - " نهَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن الدُبَّاء والمزفَّت أَن ينْبذ فِيهِ " وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَفعه : " لَا تنتبذوا فِيهَا " وَعنهُ - عليه السلام - " نهَى عَن المزفت والحنتم والنقير " . وَأخرجه البُخَارِي مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث ابْن أبي أَوْفَى " نهَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن الْجَرّ الْأَخْضَر " قلت : أخرجه مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة " أَنه - عليه السلام - قَالَ لوفد عبد الْقَيْس : أنهاكم عَن الدُّبَّاء والحنتم والنقير والمقيرَّ " وَأخرجه البُخَارِي بِمثلِهِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَله غير ذَلِك من الطّرق ، فَادَّعَى ابْن حزم فِي " محلاه " فِي هَذَا الحَدِيث دَعْوَى فِيهَا وَقْفَة فَإِنَّهُ قَالَ : فَإِن قَالُوا : قد صَحَّ عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - نسخ النَّهْي عَن نَبِيذ الْجَرّ قُلْنَا : النَّهْي وَالله عَن خليط [8/710] الزَّبِيب وَالتَّمْر أصح عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسخ النَّهْي عَن نَبِيذ الْجَرّ فَكَانَ النَّهْي فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخ بِحَدِيث بُرَيْدَة الثَّابِت فِي الصَّحِيح أَنه - عليه السلام - قَالَ : " كنت نَهَيْتُكُمْ عَن الانتباذ فِي الأسقية أَلا فانتبذوا فِي كل وعَاء وَلَا تشْربُوا مُسكرا " قَالَ الجبائي : وَالْقَوْل بالنسخ هُوَ أصح الْأَقَاوِيل . قَالَ : وَقَالَ قوم : التَّحْرِيم بَاقٍ وكرهوا الانتباذ فِي هَذِه الأوعية وَإِلَيْهِ ذهب مَالك ، وَأحمد ، وَإِسْحَاق ، وَهُوَ مَرْوِي عَن عمر ، وَابْن عَبَّاس .
فَائِدَة : الدُبَّاء - بدال مُهْملَة مَضْمُومَة ، وهمزة آخِره - مفرده دباءة ، وَوزن الدُّبَّاء فُعَّال ، ولامه همزَة لَازِمَة ؛ لِأَنَّهُ لم يعرف هَل انقلبت همزته عَن وَاو أَو يَاء . كَذَا قَالَه الزَّمَخْشَرِي ، وَأخرجه الْجَوْهَرِي فِي المعتل فَإِنَّهُ جعله من مَادَّة " دبي " فَيكون وَزنه فعالاً أَيْضا إِلَّا أَن همزته منقلبة ، قَالَ ابْن الْأَثِير : وَهَذَا أشبه . وَقَالَ الْهَرَوِي : همزته زَائِدَة ، ووزنه فعلا .