الحَدِيث الرَّابِع
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْمُقدمَة الَّتِي افْتتح بهَا هَذَا الْكتاب : وَلما هَاجر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْمَدِينَة وَجَبت الْهِجْرَة إِلَيْهَا عَلَى من قدر قَالَ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى قَوْله : وَالْوِلْدَانِ ، فَلَمَّا فتحت مَكَّة ارْتَفَعت الْهِجْرَة مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَة ، وَعَلَى ذَلِك جَرَى حَدِيث : " لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح " ، وَبَقِي وجوب الْهِجْرَة عَن دَار الْكفْر فِي الْجُمْلَة ، انْتَهَى .
[9/27] أما الحَدِيث الصَّحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي " صَحِيحَيْهِمَا " ، كَذَلِك بِزِيَادَة : " وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة ، وَإِذا استنفرتم فانفروا " ، وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (كَمَا عزاهُ إِلَيْهِمَا) الْحميدِي فِي جمعه بَين الصَّحِيحَيْنِ فِي قسم الْمُتَّفق عَلَيْهِ ، وَأما عبد الْحق فَقَالَ : لم يخرج البُخَارِيّ عَن عَائِشَة فِي هَذَا شَيْئا ، وَأخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث صَفْوَان بن أُميَّة ، وَأخرجه الْخَطِيب فِي " تلخيصه " من حَدِيث غزيَّة بن الْحَارِث مَرْفُوعا : " لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح ، إِنَّمَا هُوَ الْحَشْر وَالنِّيَّة وَالْجهَاد " .
وَإِنَّمَا التَّأْوِيل الذي أبداه فَهُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فِيهِ .
وَالْقَوْل الثَّانِي أَن المُرَاد : لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح كَامِلَة الْفضل كَالَّتِي قبل الْفَتْح ، وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى تَأْوِيل الحَدِيث تَوْفِيقًا بَينه وَبَين حَدِيث عبد الله بن السَّعْدِيّ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ : " لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا قوتل الْكفَّار " .
أخرجه الْبَغَوِيّ وَابْن السكن وَأَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي [9/28] " صَحِيحه " ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الْإِلْمَام " : بَعْدَمَا أخرجه : وَفِي إِسْنَاده اخْتِلَاف .