الحَدِيث الْخَامِس
عَن أبي العشراء الدَّارمِيّ ، عَن أَبِيه أَنه قَالَ : " يَا رَسُول الله ، أما تكون الذَّكَاة إِلَّا فِي الْحلق واللبة ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : وَأَبِيك لَو طعنت فِي فَخذهَا لأجزأك " ، وَيروَى " أَنه سَأَلَ عَن بعير نادٍّ - وَيروَى أَنه لَو تردى لَهُ بعير فِي بِئْر - فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : لَو طعنت فِي خاصرته لحل لَك " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الأول بِدُونِ الْقسم أَحْمد ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ؛ فَإِن أَبَا العشراء [9/246] الدَّارمِيّ - بِضَم الْعين ، وبالمد عَلَى الْهَمْز - فِيهِ جَهَالَة ، وَقد تكلم البُخَارِيّ وَغَيره فِي حَدِيثه .
قَالَ الْمَيْمُونِيّ : سَأَلت الإِمَام أَحْمد عَن حَدِيثه هَذَا فَقَالَ : هُوَ عِنْدِي غلط ، وَلَا يُعجبنِي ، وَلَا أذهب إِلَيْهِ إِلَّا فِي مَوضِع ضَرُورَة ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث حَمَّاد ، وَقَالَ البُخَارِيّ فِي " تَارِيخه " : فِي حَدِيث أبي العشراء ، واسْمه وسماعه من أَبِيه نظر .
وَأما ابْن حبَان فَذكره فِي " ثقاته " فِي التَّابِعين فَقَالَ : أَبُو العشراء الدَّارمِيّ اسْمه عَامر بن أُسَامَة بن مَالك بن قهطم ، يروي عَن أَبِيه ، وَله صُحْبَة ، رَوَى عَنهُ حَمَّاد بن سَلمَة ، وَقَالَ ابْن سعد فِي " الطَّبَقَات " : أُسَامَة بن مَالك بن قهطم أَبُو العشراء الدَّارمِيّ لَهُ حَدِيث ، رَوَى عَنهُ حَمَّاد بن سَلمَة ، وَقَالَ الْخطابِيّ : ضعفوا هَذَا الحَدِيث ؛ لِأَن رَاوِيه مَجْهُول ، وَأَبُو العشراء لَا يُدْرَى من أَبوهُ ، وَلم يروه غير حَمَّاد بن سَلمَة
.
وَكَذَا قَالَ ابْن الْقطَّان فِي كتاب " الْوَهم وَالْإِيهَام " : عِلّة هَذَا الحَدِيث أَن أَبَا العشراء لَا يعرف حَاله ، وَلَا يعرف لَهُ وَلَا لِأَبِيهِ إِلَّا هَذَا الحَدِيث ، وَلَا نَعْرِف رَوَى عَنهُ إِلَّا حَمَّاد بن سَلمَة ، وَقَالَ ابْن الصّلاح : هَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ حَمَّاد بن سَلمَة ، [9/247] عَن أبي العشراء الدَّارمِيّ ، عَن أَبِيه ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " : هَذَا الحَدِيث ضَعِيف ؛ فقد اتَّفقُوا عَلَى أَن مَدَاره عَلَى أبي العشراء ، قَالُوا : وَهُوَ مَجْهُول لَا يعرف إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث ، وَلم يرو عَنهُ غير حَمَّاد بن سَلمَة ، وَقد اتّفق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ عَلَى أَن من لم يرو عَنهُ غير وَاحِد فَهُوَ مَجْهُول ، إِلَّا أَن يكون مَشْهُورا بِعلم أَو صَلَاح أَو شجاعة وَنَحْو ذَلِك ، وَلم يُوجد شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء فِي أبي العشراء فَهُوَ مَجْهُول ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنه لم يرو عَنهُ غير حَمَّاد بن سَلمَة .
وَأما عبد الْحق فَذكره من طَرِيق أبي دَاوُد ، وَسكت عَلَيْهِ وَهُوَ قَاض بِصِحَّتِهِ كَمَا قَرَّرَهُ فِي خطْبَة كِتَابه ، وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ ، وقولة ابْن حبَان الشائعة " تفرد بهَا " فَلَا تصلح أَن تكون سندًا لَهُ .
وَأما اللَّفْظ الثَّانِي الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ فَغَرِيب جدًّا ، ونقلها ابْن الصّلاح ، عَن الشَّيْخ أبي حَامِد أَنه قَالَ : فِي بعض الْأَخْبَار " أنه سُئِلَ عَن بعير تردى فِي بِئْر ، فَقَالَ : أما تصلح الذَّكَاة إِلَّا فِي الْحلق واللبة ؟ . . . " وَذكر الحَدِيث ، ثمَّ قَالَ ابْن الصّلاح : وَذَلِكَ بَاطِل لَا يعرف .
وَأما الرِّوَايَة الثَّالِثَة الَّتِي فِيهَا ذكر الخاصرة فتبع الرَّافِعِيّ فِي إيرادها الْغَزالِيّ فِي " وسيطه " ، وَالْغَزالِيّ تبع فِي إيرادها شَيْخه إِمَام الْحَرَمَيْنِ .
قَالَ ابْن الصّلاح فِي " مشكلات الْوَسِيط " : وَهُوَ غلط ، وَالْمَعْرُوف فِي الحَدِيث ذكر الْفَخْذ .
قَالَ : وَذكر الخاصرة ورد فِي أثر رَوَيْنَاهُ ، وَذكره الشَّافِعِي قَالَ : " تردى بعير إِلَى بِئْر فطعن فِي شاكلته ، فَسئلَ عبد الله بن عمر عَن أكله فَأمر بِهِ " .
قَالَ : والشاكلة : الخاصرة .
هَذَا آخر كَلَامه .
[9/248] وَلَيْسَ بغلط من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة ، بل هُوَ مَرْوِيّ كَمَا ذكره ، رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي جمعه لأحاديث أبي العشراء من حَدِيث حَمَّاد بن زيد ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن أبي العشراء الدَّارمِيّ ، عَن أَبِيه قَالَ : " قلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّمَا تكون الذَّكَاة إِلَّا فِي اللبة أَو الْحلق ؟ قَالَ : لَو طعنت فَخذهَا أَو شاكلتها ، وَذكر اسْم الله - تَعَالَى - لأجزأ عَنْك " ، وَورد فِي حَدِيث آخر بدل " الْحلق " : " الخاصرة " .
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي " مُعْجَمه " : ثَنَا عَلّي بن مسْهر ، وَبِه حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب ، ثَنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ، ثَنَا مَالك بن أنس ، ثَنَا حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن أبي العشراء ، عَن أَبِيه قَالَ : " قلت : يَا رَسُول الله ، أما تكون الذَّكَاة إِلَّا فِي الخاصرة واللبة ؟ قَالَ : لَو طعنت فِي فَخذهَا لأجزأت عَنْك " .
تَنْبِيهَات : أَحدهَا : وَقع غلط لإِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي هَذَا الحَدِيث فِي موضِعين ؛ أَحدهمَا : أَنه جعل أَبَا العشراء الدَّارمِيّ هُوَ الَّذِي خاطبه النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَإِنَّمَا هُوَ أَبوهُ ، وَأَبُو العشراء تَابِعِيّ مَشْهُور .
ثَانِيهَا : أَنه ذكر تردي الْبَعِير فِي متن الحَدِيث ، وَلَيْسَ ذَلِك من الحَدِيث ، وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِير من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ، قَالُوا : هَذَا عِنْد الضَّرُورَة فِي المتردي فِي الْبِئْر وأشباهه .
الثَّانِي : اخْتلف أهل الحَدِيث فِي اسْم أبي العشراء وَاسم أَبِيه ، فَقَالَ البُخَارِيّ : هُوَ أُسَامَة بن مَالك بن قحطم - يَعْنِي بحاء مُهْملَة ، وبكسر الْقَاف - وَكَذَا قَالَه أَحْمد بن حَنْبَل ، وَيَحْيَى بن معِين ، وَقيل : عُطَارِد بن برز - بِفَتْح الرَّاء وسكونها - وَقيل : عُطَارِد بن بَلْز .
وَقيل : يسَار بن بلز [9/249] ابن خولى ، نزل الجفرة (قَالَ ابْن عبد) وَقيل : اسْمه بكر بن جَهْضَم .
وَقيل : عُطَارِد بن برد . وَهُوَ من بني دارم بن مَالك بن زيد بن تَمِيم ، وَقَالَ أَبُو نعيم فِي " الْمعرفَة " : بلز ، وَقيل : برز ، وَقيل : رزن ، وَقيل : مَالك بن قحطم بن أبي العشراء الدَّارمِيّ ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : مَالك بن قهطم ، وَقيل : عُطَارِد بن بدر .
الثَّالِث : قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا نَعْرِف لأبي العشراء عَن أَبِيه غير هَذَا الحَدِيث .
وَكَذَا قَالَه الإِمَام أَحْمد : لَا نَعْرِف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث .
وَكَذَا قَالَه أَيْضا غَيرهمَا ، وَلم يذكر لَهُ [ أَبُو ] نعيم فِي كِتَابه " معرفَة الصَّحَابَة " سواهُ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا فَلهُ عدَّة أَحَادِيث .
قَالَ ابْن حبَان فِي " ثقاته " فِي تَرْجَمَة أبي العشراء : رَوَى عَنهُ حَمَّاد بن سَلمَة ثَلَاثَة أَحَادِيث الْمَشْهُور مِنْهَا هَذَا الحَدِيث . . . فَذكره .
وأفرد الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي حَدِيث جُزْء مُنْفَرد ذكر لَهُ فِيهِ خَمْسَة عشر حَدِيثا ، وَقد ذكرتها فِي " تخريجي لأحاديث الْوَسِيط " فَرَاجعهَا مِنْهُ فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات الَّتِي يرحل إِلَيْهَا
.