الحَدِيث الثَّامِن
أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " نعمت الْأُضْحِية الْجذع من الضَّأْن " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي كباش قَالَ : " جلبت غنما جذعًا إِلَى الْمَدِينَة فكسدت عليّ ، فَلَقِيت أَبَا هُرَيْرَة فَسَأَلته فَقَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : نعم - أَو نعمت - الْأُضْحِية الْجذع من الضَّأْن .
قَالَ : فانتهبه النَّاس " ، رَوَاهُ من حَدِيث عُثْمَان بن وَاقد - وَهُوَ مِمَّن اخْتلف فِي توثيقه ، وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره ، وَقَالَ أَحْمد : لَا أرَى بِهِ بَأْسا .
وَضَعفه أَبُو دَاوُد - عَن كدام - بِالدَّال - بن عبد الرَّحْمَن - وَهُوَ [9/281] السّلمِيّ - عَن أبي كباش
، وَلَا أعلم حَالهمَا فَيَأْتِي فيهمَا الْخلاف فِي الِاحْتِجَاج بالمستور .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، وَفِي بعض نسخه : حسن .
قَالَ : وَقد رُوِيَ هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا .
قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس ، وَأم بِلَال بنت هِلَال عَن أَبِيهَا ، وَجَابِر ، وَعقبَة بن عَامر ، وَغَيرهم .
وَرَوَاهُ أَبُو أَحْمد فِي " الكنى " بِالْإِسْنَادِ السالف ، لَكِن بِلَفْظ : " نعم الْأُضْحِية الْجذع السمين من الضَّأْن " ، وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي " تَارِيخه " ، والسياق لَهُ ، وَالْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " من حَدِيث هِشَام بن سعد ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : " جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم الْأَضْحَى فَقَالَ [ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا جِبْرِيل ] كَيفَ رَأَيْت نسكنا هَذَا ؟ فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، لقد باهى بِهِ أهل السَّمَاء ، وَاعْلَم يَا مُحَمَّد ، أَن الْجذع من الضَّأْن خير من الثَّنية من الْمعز وَالْإِبِل وَالْبَقر ، وَلَو علم الله - تَعَالَى - فِيهِ [ ذبحا ] أفضل مِنْهُ لفدى بِهِ إِبْرَاهِيم " قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد .
قلت : مُنكر ، إِنَّمَا فدى بِهِ ابْن إِبْرَاهِيم ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : هَذَا حَدِيث رَوَاهُ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْجَنبي ، وَقد قَالَ البُخَارِيّ : فِي حَدِيثه نظر ، وَلَا يُتَابِعه عَلَى هَذَا الحَدِيث ثِقَة .
قلت : هُوَ هَالك
، وَهِشَام بن سعد لَيْسَ بمعتمد ، قَالَ ابْن عدي : مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه .
قَالَ الْعقيلِيّ : وَيروَى من حَدِيث زِيَاد بن مَيْمُون [9/282] أَيْضا عَن أنس ، وَزِيَاد هَذَا يكذب .
وَأما أَبُو مُحَمَّد بن حزم فَإِنَّهُ ذكره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - التِّرْمِذِيّ - وَمن طَرِيق الْعقيلِيّ وَالْحَاكِم ، لَكِن أخرج هَذَا مُخْتَصرا بِلَفْظ : " إِن جِبْرِيل قَالَ لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا مُحَمَّد ، إِن الْجذع من الضَّأْن خير من المسنة من الْمعز " ، ثمَّ قَالَ : وَطَرِيق أبي هُرَيْرَة الأول أسقطها كلهَا وفضيحة الدَّهْر ؛ لِأَنَّهُ عَن عُثْمَان بن وَاقد - وَهُوَ مَجْهُول - عَن كدام بن عبد الرَّحْمَن - وَلَا نَدْرِي من هُوَ - عَن أبي كباش الَّذِي جلب الكباش الْجَذعَة إِلَى الْمَدِينَة فبارت عَلَيْهِ .
هَذَا نَص حَدِيثه ، وَهنا جَاءَ مَا جَاءَ أَبُو كباش ، وَمَا أَدْرَاك مَا [ أَبُو ] كباش
.
والطريقة الثَّانِيَة فِيهَا هِشَام بن سعد وَهُوَ ضَعِيف .
قلت : أما كدام فقد رَوَى عَنهُ أَبُو حنيفَة [ و ] ابْن وَاقد ، فارتفعت جَهَالَة عينه كَمَا سلف ، وَبقيت جَهَالَة حَاله .
وَأما عُثْمَان بن وَاقد فحاشاه من الْجَهَالَة ، وَقد علمت أَنه مِمَّن اخْتلف فِيهِ كَمَا سلف لَك ، وَقد رَوَى عَنهُ خلق .
وَأما أَبُو كباش فَلَا أعلم رَوَى عَنهُ غير كدام ، وَلَا رَوَى عَن غير أبي هُرَيْرَة .
وَأما هِشَام فَقَالَ فِيهِ هُنَا مَا عَلمته ، وَذكر عقبه أَنه ضَعِيف ضعفه أَحْمد بن حَنْبَل ، وأساء القَوْل فِيهِ جدًّا وأطرحه ، وَلم يجز الرِّوَايَة عَنهُ يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان ، وَلَا ابْن معِين وَلَا غَيرهمَا ، وَهِشَام هَذَا قَالَ ابْن معِين فِي حَقه فِي رِوَايَة صَالح : لَيْسَ بمتروك الحَدِيث . وَقَالَ فِي أُخْرَى : ضَعِيف ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة : مَحَله الصدْق ، وَقَالَ الْعجلِيّ : جَائِز [9/283] الحَدِيث حسن الحَدِيث . وَاحْتج بِهِ مُسلم ، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ ، وَقد أخرج الْحَاكِم حَدِيثه كَمَا تقدم ، وَقَالَ : صَالح الْإِسْنَاد .
وَذكر ابْن حزم هَذَا الحَدِيث مرّة وَقَالَ : إِنَّه كذب ظَاهر ، وَهُوَ قَوْله : " الَّذِي فدى الله إِبْرَاهِيم " ، وَلم يفد إِبْرَاهِيم بِلَا شكّ ، وَإِنَّمَا فدى ابْنه .
فَائِدَة : الْجذع من الضَّأْن مَا لَهُ سنة تَامَّة ، هَذَا هُوَ الْأَصَح وَالْأَشْهر فِي اللُّغَة ، وَقيل : سِتَّة أشهر . وَقيل : وَدخل فِي السَّابِعَة . وَقيل : ثَمَانِيَة . وَقيل : عشرَة . وَقيل : إِن كَانَ ابْن شابين فستة إِلَى سَبْعَة ، وَإِن كَانَ ابْن هرمين فثمانية .