|
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نستشرف الْعين وَالْأُذن ، وَأَن لَا نضحي بِمُقَابلَة ، وَلَا مدابرة ، وَلَا شرقاء ، وَلَا خرقاء " . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد ، وَالْبَزَّار فِي " مسنديهما " وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة : د ت ن ق ، وَابْن حبَان فِي " صَحِيحه " ، [9/292] وَالْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " ، وَالْبَيْهَقِيّ بأسانيد صَحِيحَة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، وَقَالَ الْبَزَّار : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ غير وَاحِد ، عَن سَلمَة بن كهيل ، عَن حجية ، عَن عَلّي ، وَلَا نعلم رَوَى أَبُو إِسْحَاق عَن سَلمَة حَدِيثا مُسْندًا سواهُ ، وَلَا [ رَوَاهُ ] عَن أبي إِسْحَاق إِلَّا جرير بن حَازِم ، وَاللَّفْظ الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ هُوَ لفظ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ، زَاد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته الْأُخْرَى : " والمقابلة : مَا قطع من طرف أذنها ، والمدابرة : مَا قطع من جَانب الْأذن ، والشرقاء : المشقوقة ، والخرقاء : المثقوبة " . وَلَفظ أبي دَاوُد ، وَإِحْدَى روايتي النَّسَائِيّ : " أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نستشرف الْعين وَالْأُذن ، وَلَا نضحي بعوراء وَلَا مُقَابلَة وَلَا مدابرة وَلَا خرقاء وَلَا شرقاء " . قَالَ أَبُو دَاوُد : قَالَ زُهَيْر : فَقلت لأبي إِسْحَاق : أَذَكر عضباء ؟ قَالَ : لَا . قلت : فَمَا الْمُقَابلَة ؟ قَالَ : يقطع طرف الْأذن . قلت : فَمَا المدابرة ؟ قَالَ : يقطع مُؤخر الْأذن . قلت : فَمَا الشرقاء ؟ قَالَ : تشق الْأذن . قلت : فَمَا الخرقاء ؟ قَالَ : تخرق أذنها للسِّمَة " . وَلَفظ ابْن مَاجَه : " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يضحى بِمُقَابلَة أَو مدابرة أَو شرقاء أَو خرقاء أَو جَدْعَاء " ، وَهَذَا لفظ أَحْمد وَهُوَ يرد عَلَى قَول ابْن حزم فِي " محلاه " : حَدِيث : " لَا تُجزئ الجدعاء " لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ من طَرِيق جَابر الْجعْفِيّ . وَهَذَا طَرِيق لَيْسَ هُوَ فِيهَا ، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَاجَه : " أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نستشرف الْعين وَالْأُذن " ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ لفظ الْبَزَّار وَابْن حبَان ، وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ كَلَفْظِ د ت ق ، وَلَفظ الْحَاكِم فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج من [9/293] " مُسْتَدْركه " كَلَفْظِ ابْن مَاجَه الْأَخير وَمن تبعه ، ثمَّ قَالَ : إِسْنَاده صَحِيح . وَلَفظه فِي كتاب الْأَضَاحِي مِنْهُ بِلَفْظ ابْن مَاجَه الأول ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . ثمَّ رَوَاهُ بِلَفْظ أبي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ إِلَّا أَنه لم يذكر فِيهِ العَوَر ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح أسانيده كلهَا ، وَلم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ لزِيَادَة ذكرهَا قيس بن الرّبيع عَن أبي إِسْحَاق ، عَلَى أَنَّهُمَا لم يحْتَجَّا بقيس . قَالَ : وَرَوَاهُ أَيْضا سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة ، عَن سَلمَة بن كهيل ، عَن حجية بن عدي ... ثمَّ ذكر ذَلِك بأسانيده عَنْهُمَا ، ثمَّ قَالَ : هَذِه الْأَسَانِيد كلهَا صَحِيحَة ، وَلم يحْتَجَّا بحجية بن عدي ، وَهُوَ من كبار أَصْحَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلّي بن أبي طَالب ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " : إرْسَال هَذَا الحَدِيث عَن عَلّي هُوَ الْأَشْبَه ، وَفِي رِوَايَة للْجَمَاعَة الْمَذْكُورين كلهم عَن عَلّي قَالَ : " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يضحى بأعضب الْقرن وَالْأُذن " ، قَالَ قَتَادَة : فَذكرت ذَلِك لسَعِيد بن الْمسيب ، فَقَالَ : العضب مَا بلغ النّصْف فَمَا فَوق ذَلِك . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح الْإِسْنَاد . وَخَالف ابْن عبد الْبر وَالْمُنْذِرِي فَقَالَا : لَا [ يحْتَج ] بِمِثْلِهَا . وَسبب مقالتهما أَن مَدَاره عَلَى جُرَي بن كُلَيْب الْبَهْزِي ، قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : مَجْهُول لَا أعلم رَوَى عَنهُ غير قَتَادَة ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم [9/294] الرَّازِيّ : لَا يحْتَج بحَديثه ، وَقَالَ الْبَزَّار : لَا نعلم روىَ قَتَادَة عَن جري غير هَذَا الحَدِيث ، وَحَدِيث النَّهْي عَن الْمُتْعَة ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لم يرو عَنهُ غير قَتَادَة ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ - يَعْنِي قَتَادَة - وَوَثَّقَهُ الْعجلِيّ فَقَالَ : بَصرِي ثِقَة . وَذكره ابْن حبَان فِي " ثقاته " ، وَيَنْبَغِي أَن نعلم أَن لَهُم آخر اسْمه جري بن كُلَيْب ، والفارق بَينهمَا أَن هَذَا بَصرِي ، وَذَاكَ كُوفِي ، وَهَذَا نهدي ، وَذَاكَ سدوسي ، كَذَا فرق بَينهمَا أَبُو دَاوُد . قَالَ الْمزي : وَرَوَى عَن هَذَا أَبُو إِسْحَاق السبيعِي ، وَابْنه يُونُس بن أبي إِسْحَاق . قلت : وَعَاصِم بن بَهْدَلَة ، كَمَا ذكره ابْن مَاكُولَا ، وَأغْرب الذَّهَبِيّ فِي " مِيزَانه " ، فَقَالَ : رَوَى [ عَنهُ ] أَبُو إِسْحَاق السبيعِي . وَأما ابْن أبي حَاتِم فَاقْتَضَى كَلَامه أَنَّهُمَا وَاحِد فَإِنَّهُ ذكر جري النَّهْدِيّ ، وَقَالَ : رَوَى عَنهُ قَتَادَة وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي . فَتنبه لَهُ ، وَأما ابْن حزم فَقَالَ فِي " محلاه " : وَرُوِيَ فِي الأعضب أَنه لَا يُجزئ وَلَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ من طَرِيق جري بن كُلَيْب وَلَيْسَ مَشْهُورا ، وَعَمن لم يسم عَن عَلّي . هَذَا كَلَامه ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة كَمَا تقدم من حَدِيث قَتَادَة عَن جري عَن عَلّي نَفسه لَيْسَ بَينه وَبَين جري أحد ، وَقد صرح جري بِالسَّمَاعِ أَنه عَن عَلّي . قَالَ ابْن مَاجَه : ثَنَا حميد بن مسْعدَة ، ثَنَا خَالِد بن الْحَارِث ، ثَنَا [9/295] سعيد [ عَن قَتَادَة ] أَنه ذكر أَنه سمع جري بن كُلَيْب يحدث أَنه سمع عليًّا عَلَيْهِ السَّلَام يحدث : " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يضحى بأغضب الْقرن أَو الْأذن " ، وَكَذَا أوردهُ ابْن الْمُغلس الظَّاهِرِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جري قَالَ : سَمِعت عليًّا يَقُول : " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يضحى بأعضب الْقرن " . فَائِدَة : فِي تَفْسِير مَا وَقع فِي هَذَا الحَدِيث من الْغَرِيب فَإِنَّهُ مُهِمّ : مَعْنَى استشراف الْأذن وَالْعين : أَن تشرف عَلَيْهِمَا ويتأملان كَيْلا يَقع فيهمَا نقص وعيب . وَقيل : إِن ذَلِك مَأْخُوذ من الشُرْف - بِضَم الشين وَإِسْكَان الرَّاء - وَهُوَ خِيَار المَال أَي أمرنَا أَن نتخيرها . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَقيل : مَعْنَى الحَدِيث أَن نضحي بواسع الْعين طَوِيل الْأُذُنَيْنِ . والمقابَلة والمدابَرة : بِفَتْح الْبَاء فيهمَا ، قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء من أهل اللُّغَة والغريب وَالْفُقَهَاء : الْمُقَابلَة هِيَ الَّتِي قطع من مقدم أذنها فلقَة وتدلت مِنْهُ وَلم تنفصل ، والمدابرة الَّتِي قطع من مُؤخر أذنها فلقَة وتدلت مِنْهُ وَلم تنفصل . والفلقة الأولَى تسمى الإقبالة ، وَالْأُخْرَى تسمى الإدبارة ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى فِي كِتَابه " غَرِيب الحَدِيث " : الْمُقَابلَة الموسومة بالنَّار فِي بَاطِن أذنها ، والمدابرة فِي ظَاهر أذنها . وَالْمَشْهُور الأول ، والشرقاء والخرقاء ممدودان ، وَالْأولَى المشقوقة ، وَالثَّانيَِة الَّتِي فِي أذنها ثقب مستدير ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَالَّذِي قَالَه جماعات ، وَمِنْهُم الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب ، وَفسّر صَاحب " الْمُهَذّب " الشرقاء بِالَّتِي ثقبت أذنها من الكي ، والخرقاء الَّتِي شقّ أذنها بالطول . وأنكروه عَلَيْهِ وغلطوه فِيهِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ ، وَالصَّوَاب الأول ، وَعَن الشَّافِعِي أَن الشرقاء : المشقوقة [9/296] الْأذن طولا - وَهُوَ الْمَذْكُور فِي " الْحَاوِي " لَا غير - ، والجدعاء : المقطوعة الْأذن كلهَا . والعضباء : الَّتِي قد ذهب مُعظم أذنها وقرنها . قَالَ ابْن عقيل الْحَنْبَلِيّ لما قَالَ : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ ، وَكَانَ شقّ الْأذن أثرا حصل من الْأَذَى بِطَاعَة الشَّيْطَان ، حسن أَن ينْهَى عَن التَّضْحِيَة بِمَا هَذِه صفته ؛ لِأَنَّهَا هَدْيه إِلَى الله .
|