وإِنْ لم يُمْكِنِ الجمعُ فلا يخْلو إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ التَّاريخُ أوْ لاَ ، فإِنْ عُرِفَ وَثَبَتَ المُتَأَخِّرُ بهِ ، أَو بأَصرحَ منهُ ؛ فهو النَّاسِخُ ، والآخَرُ المَنْسُوخُ .
[1/78] والنَّسْخُ : رفْعُ تعلُّقِ حُكمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأَخِّرٍ عنهُ .
والنَّاسخُ : ما دلُّ على الرَّفعِ المذكورِ .
وتسميتُهُ ناسِخًا مجازٌ ؛ لأنَّ النَّاسخَ في الحقيقةِ هو اللهُ تعالى .
ويُعْرَفُ النَّسخُ بأُمورٍ :
أَصرحُها : ما ورَدَ في النَّصِّ كحديثِ بُريدَةَ في صحيحِ مسلمٍ : كُنْتُ نَهَيْتُكُم عن زِيارةِ القُبورِ فزُوروها ؛ فإِنَّها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ .
ومِنها ما يجزِمُ الصَّحابيُّ بأَنَّه متأَخِّرٌ كقولِ جابرٍ : كانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تَرْكُ الوُضوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ، أَخرَجَهُ أَصحابُ السُّننِ .
ومِنْها ما يُعْرَفُ بالتَّاريخِ ، وهُو كَثيرٌ .
وليسَ مِنْها مَا يَرويهِ الصَّحابيُّ المُتأَخِّرُ الإِسلامِ مُعارِضًا لمُتَقَدِّمِ عنه لاحْتمالِ أَنْ يكونَ سَمِعَهُ مِن صَحابيٍّ آخَرَ أَقدمَ مِنَ المُتَقَدِّمِ المذكورِ أو مثلِهِ فأَرْسَلَهُ .
لكنْ إِنْ وَقَعَ التَّصريحُ بسماعِه لهُ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيَتَّجِهُ أَنْ يكونَ ناسِخًا ؛ بشَرْطِ أَنْ يكونَ لمْ يَتحمَّلْ عنَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شَيْئًا قبلَ إِسلامِهِ .
[1/79] وأَمَّا الإِجماعُ فليسَ بناسِخٍ ، بل يدُلُّ على ذلكَ .
وإِنْ لمْ يُعْرَفِ التَّاريخُ ، فلا يخلو إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ ترجيحُ أَحدِهِما على الآخَرِ بوجْهٍ مِن وجوهِ التَّرجيحِ المُتعلِّقَةِ بالمتْنِ أَو بالإِسنادِ أَوْ لاَ ، فإِنْ أَمْكَنَ التَّرجيحُ تعيَّنَ المصيرُ إِليهِ ، وإِلاَّ فلا .
فصارَ ما ظاهِرُهُ التَّعارُضُ واقِعًا على هذا التَّرتيبِ :
- الجمعُ إِنْ أَمكَنَ .
- فاعْتبارُ النَّاسِخِ والمَنْسوخِ .
- فالتَّرْجيحُ إِنْ تَعيَّنَ .
- ثمَّ التوقُّفُ عنِ العَمَلِ بأَحدِ الحَديثينِ .
والتَّعبيرُ بالتوقُّفِ أَولى مِن التَّعبيرِ بالتَّساقُطِ ؛ لأَنَّ خفاءَ ترجيحِ أَحدِهِما على الآخَرِ إِنَّما هُو بالنِّسبةِ للمُعْتَبِرِ في الحالةِ الرَّاهنةِ ، معَ احتِمالِ أَنْ يظهَرَ لغيرِهِ ما خَفِيَ عليهِ ، واللهُ أعلمُ .