[1/35] الباب الثالث
في تفسير الألفاظ التي يتكرر ذكرها في هذا الكتاب
فإن فسرناها في كل موضع تجيء فيه أطلنا ، وإن ذكرناها في موضع دون الآخر بخسنا أحدهما حقه ، ويبهم على المستفيد موضعها ، وإن ألقيناها جملة أحوجنا الناظر في هذا الكتاب إلى غيره ، فجئنا بها هاهنا مفسرة ، مبينة ، مسهلا على الطالب أمرها ، وهي البريد ، والفرسخ ، والميل ، والكورة ، والإقليم ، والمخلاف ، والإستان ، والطسوج ، والجند ، والسكة ، والمصر ، وأباذ ، والطول ، والعرض ، والدرجة ، والدقيقة ، والصلح ، والسلم ، والعنوة ، والخراج ، والفيء ، والغنيمة ، والقطيعة .
فأما البريد : ففيه خلاف ، وذهب قوم إلى أنه بالبادية اثنا عشر ميلا ، وبالشام وخراسان ستة أميال .
وقال أبو منصور : البريد الرسول ، وإبراده إرساله .
وقال بعض العرب : الحمى بريد الموت ، أي إنها رسول الموت تنذر به ، والسفر - الذي يجوز فيه قصر الصلاة - أربعة برد ، ثمانية وأربعون ميلا بالأميال الهاشمية التي في طريق مكة ، وقيل لدابة البريد بريد ، لسيرها في البريد ، قال الشاعر :
وإني أنص العيش حتى كأنني
عليها بأجواز الفـلاة بـريد

وقال ابن الأعرابي : كل ما بين المنزلين بريد .
وحكى بعضهم ما خالف به من تقدم ذكره ، فقال : من بغداد إلى مكة مائتان وخمسة وسبعون فرسخا وميلان ، ويكون أميالا ثمانمائة وسبعة وعشرين ميلا .
وهذه عدة ثمانية وخمسين بريدا وأربعة أميال .
ومن البريد عشرون ميلا . هذه حكاية قوله ، والله أعلم .
وخبرني بعض من لا يوثق به ، لكنه صحيح النظر والقياس ، أنه إنما سميت خيل البريد بهذا الاسم ، لأن بعض ملوك الفرس اعتاق عنه رسل بعض جهات مملكته ، فلما جاءته الرسل سألها عن سبب بطئها ، فشكوا من مروا به من الولاة ، وأنهم لم يحسنوا معونتهم .
فأحضرهم الملك وأراد عقوبتهم ، فاحتجوا بأنهم لم يعلموا أنهم رسل الملك ، فأمر أن تكون أذناب خيل الرسل وأعرافها مقطوعة لتكون علامة لمن يمرون به ، ليزيحوا عللهم في سيرهم فقيل : بريد ، أي قطع ، فعرب ، فقيل خيل البريد . والله أعلم .
وأما الفرسخ : فقد اختلف فيه أيضا .
فقال قوم : هو فارسي معرب وأصله فرسنك .
وقال [1/36] اللغويون : الفرسخ عربي محض .
يقال : انتظرتك فرسخا من النهار ، أي طويلا .
وقال الأزهري : أرى أن الفرسخ أخذ من هذا .
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال : سمي الفرسخ فرسخا لأنه إذا مشى صاحبه استراح وجلس .
قلت : كذا . قال : وهذا كلام لا معنى له . والله أعلم .
وقد روي في حديث حذيفة : ما بينكم وبين أن يصب عليكم الشر فراسخ ، إلا موت رجل ، فلو قيل قد مات صب عليكم الشر فراسخ .
قال ابن شميل في تفسيره : وكل شيء دائم كثير فرسخ .
قلت : أنا أرى أن الفرسخ من هذا أخذ ؛ لأن الماشي يستطيله ويستديمه ، ويجوز في رأيي أن يكون تأويل حديث حذيفة أنه يصب عليكم الشر طويلا بطول الفراسخ ، ولم يرد به نفس الطول ، وإنما يراد به مقدار طول الفرسخ الذي هو علم لهذه المسافة المحدودة . والله أعلم .
وقالت الكلابية : فراسخ الليل والنهار ساعاتهما وأوقاتهما ، ولعله من الأول ، وإن كان هذا هو الأصل ، فالفرسخ مشتق منه كأنه يراد سير ساعة أو ساعات ، هذا إن كان عربيا .
وأما حده ومعناه فلا بد من بسط يتحقق به معناه ومعنى الميل معا .
قالت الحكماء : استدارة الأرض في موضع خط الاستواء ثلاثمائة وستون درجة ، والدرجة خمسة وعشرون فرسخا ، والفرسخ ثلاثة أميال ، والميل أربعة آلاف ذراع .
فالفرسخ اثنا عشر ألف ذراع ، والذراع أربع وعشرون إصبعا ، والإصبع ست حبات شعير مصفوفة بطون بعضها إلى بعض .
وقيل : الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة ، تكون بذراع المساحة ، وهي الذراع الهاشمية ، وهي ذراع وربع بالمرسل تسعة آلاف ذراع وستمائة ذراع .
وقال قوم : الفرسخ سبعة آلاف خطوة ، ولم أر لهم خلافا في أن الفرسخ ثلاثة أميال .
وأما الميل : فقال بطليموس في المجسطِيّ : الميل ثلاثة آلاف ذراع بذراع الملك ، والذراع ثلاثة أشبار ، والشبر ست وثلاثون إصبعا ، والإصبع خمس شعيرات مضمومات بطون بعضها إلى بعض .
قال : والميل جزء من ثلاثة أجزاء من الفرسخ .
وقيل : الميل ألفا خطوة وثلاثمائة وثلاث وثلاثون خطوة .
وأما أهل اللغة فالميل عندهم مدى البصر ومنتهاه .
قال ابن السكيت : وقيل للأعلام المبنية في طريق مكة أميال لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل ، ولا نعني بمدى البصر كل مرئي ، فإنا نرى الجبل من مسيرة أيام ، إنما نعني أن ينظر الصحيح البصر ما مقداره ميل ، وهي بنية ارتفاعها عشر أذرع أو قريبا من ذلك ، وغلظها مناسب لطولها ، وهذا عندي أحسن ما قيل فيه .
وأما الإقليم : فقد تقدم من القول فيه اشتقاقا واحدا واختلافا في الباب الثاني ما أغنانا عن إعادة ذكره ، وإنما ترجمناه هاهنا لأنه حري بأن يكون فيه ، فلما تقدم ما تقدم من أمره دللنا على موضعه ليطلب .
وأما الكورة فقد ذكر حمزة الأصفهاني : الكورة اسم فارسي بحت ، يقع على قسم من أقسام الأُستان ، وقد استعارتها العرب وجعلتها اسما للأستان ، كما استعارت الإقليم من اليونانيين فجعلته اسما للكشخر ، فالكورة والأستان واحد .
قلت أنا : الكورة كل صقع يشتمل على عدة قرى ، [1/37] ولا بد لتلك القرى من قصبة أو مدينة أو نهر يجمع اسمها ذلك اسم الكورة كقولهم : دارا بجرد ، مدينة بفارس لها عمل واسع يسمى ذلك العمل بجملته كورة دارا بجرد ، ونحو نهر الملك فإنه نهر عظيم مخرجه من الفرات ، ويصب في دجلة ، عليه نحو ثلاثمائة قرية .
ويقال لذلك جميعه نهر الملك ، وكذلك ما أشبه ذلك .
وأما المخلاف : فأكثر ما يقع في كلام أهل اليمن .
وقد يقع في كلام غيرهم على جهة التبع لهم والانتقال لهم ، وهو واحد مخاليف اليمن ، وهي كورها .
ولكل مخلاف منها اسم يعرف به ، وهو قبيلة من قبائل اليمن أقامت به وعمرته ، فغلب عليه اسمها .
وفي حديث معاذ : من تحول من مخلاف إلى مخلاف فعشره وصدقته إلى مخلاف عشيرته الأول ، إذا حال عليه الحول .
وقال أبو عمرو : يقال استعمل فلان على مخاليف الطائف وعلى الأطراف والنواحي .
وقال خالد بن جنبة : في كل بلد مخلاف ، بمكة مخلاف ، والمدينة ، والبصرة ، والكوفة .
قلت : وهذا كما ذكرنا بالعادة والألف ، إذا انتقل اليماني إلى هذه النواحي سمى الكورة بما ألفه من لغة قومه ، وفي الحقيقة إنما هي لغة أهل اليمن خاصة .
وقال بعضهم : مخلاف البلد سلطانه .
وحكي عن بعض العرب قال : كنا نلقى بني نمير ونحن في مخلاف المدينة وهم في مخلاف اليمامة .
وقال أبو معاذ : المخلاف البنكرد ، وهو أن يكون لكل قوم صدقة على حدة ، فذاك بنكرده ، يؤدى إلى عشيرته التي كان يؤدى إليها .
وفي كتاب العين ، يقال فلان من مخلاف كذا وكذا ، وهو عند أهل اليمن كالرستاق ، والجمع مخاليف .
قلت : هذا الذي بلغني فيه ، ولم أسمع في اشتقاقه شيئا ، وعندي فيه ما أذكره ، وهو أن ولد قحطان لما اتخذوا أرض اليمن مسكنا وكثروا فيها لم يسعهم المقام في موضع واحد ، فجمعوا رأيهم على أن يسيروا في نواحي اليمن ليختار كل بني أب موضعا يعمرونه ويسكنونه .
وكانوا إذا ساروا إلى ناحية واختارها بعضهم تخلف بها عن سائر القبائل وسماها باسم أبي تلك القبيلة المتخلفة فيها ، فسموها مخلافا لتخلف بعضهم عن بعض فيها ، ألا تراهم سموها مخلاف زبيد ، ومخلاف سنحان ، ومخلاف همدان ، لا بد من إضافته إلى قبيلة . والله أعلم .
وأما الإستان : فقد ذكرنا عن حمزة أنه قال : إن الإستان والكورة واحد .
ثم قال : شهرستان وطبرستان وخوزستان مأخوذ من الإستان ، فخفف بحذف الألف .
ومثال ذلك أن رقعة فارس خمسة أساتين ، أحدها إستان دارا بجرد ، ثم ينقسم الإستان إلى الرساتيق ، وينقسم الرستاق إلى الطساسيج ، وينقسم كل طسوج إلى عدة من القرى ، مثال ذلك : إصطخراستان من أساتين فارس ، ويزد رستاق من رساتيق إصطخر ، ونائين وقرى معها طسوج من طساسيج رستاق يزد ، ونياستانه قرية من قرى طسوج نائين .
وزعم مؤيد الري أن معنى الإستان المأوى ، ومنه يقال : وهما إستان كرفت إذا أصاب موضعا يأوي إليه .
وأما الرستاق : فهو فيما ذكره حمزة بن الحسن مشتق من روذه فستا .
وروذه اسم [1/38] للسطر والصف والسماط ، وفستا : اسم للحال ، والمعنى أنه على التسطير والنظام ، قلت : الذي عرفناه وشاهدناه في زماننا في بلاد الفرس أنهم يعنون بالرستاق كل موضع فيه مزارع وقرى ، ولا يقال ذلك للمدن كالبصرة وبغداد ، فهو عند الفرس بمنزلة السواد عند أهل بغداد وهو أخص من الكورة والإستان .
وأما الطسوج : بوزن سبوح وقدوس ، فهو أخص وأقل من الكورة والرستاق والإستان ، كأنه جزء من أجزاء الكورة .
كما أن الطسوج جزء من أربعة وعشرين جزءا من الدينار ، لأن الكورة قد تشتمل على عدة طساسيج ، وهي لفظة فارسية أصلها تسو ، فعربت بقلب التاء طاء وزيادة الجيم في آخرها ، وزيد في تعريبها بجمعها على طساسيج .
وأكثر ما تستعمل هذه اللفظة في سواد العراق ، وقد قسموا سواد العراق على ستين طسوجا ، أضيف كل طسوج إلى اسم .
وقد ذكرت في مواضعها من كتابنا بإسقاط طسوج .
وأما الجند : فيجيء في قولهم : جند قنسرين ، وجند فلسطين ، وجند حمص ، وجند دمشق ، وجند الأردن ، فهي خمسة أجناد ، وكلها بالشام .
ولم يبلغني أنهم استعملوا ذلك في غير أرض الشام ، قال الفرزدق :
فقلت ما هو إلا الشام تركبه
كأنما الموت في أجناده البغر
قال أحمد بن يحيى بن جابر : اختلفوا في الأجناد ، فقيل : سمى المسلمون كل واحد من أجناد الشام جندا ، لأنه جمع كورا ، والتجند على هذا التجمع ، وجندت جندا أي جمعت جمعا .
وقيل : سمى المسلمون لكل صقع جندا بجند عينوا له يقبضون أعطياتهم فيه منه ، فكانوا يقولون : هؤلاء جند كذا حتى غلب عليهم وعلى الناحية .
وأما أباذ : فيكثر مجيئه في أسماء بلدان وقرى ورساتيق في هذا الكتاب ، كقولهم : أسد أباذ ، ورستماباذ ، وحصناباذ ، فأسد اسم رجل ، وأباذ اسم العمارة بالفارسية ، فمعناه عمارة أسد .
وكذلك كل ما يجيء في معناه ، وهو كثير جدا .
وأما السكة : فهي الطريق المسكوكة التي تمر فيها القوافل من بلد إلى آخر .
فإذا قيل في الكتب : من بلد كذا إلى بلد كذا كذا سكة - فإنما يعنون الطريق .
مثال ذلك أن يقال : من بغداد إلى الموصل خمس سكك ، يعنون أن القاصد من بغداد إلى الموصل يمكنه أن يأتيها من خمس طرق .
وحكي عن بعضهم أن قولهم سكك البريد ، يريدون منازل البريد في كل يوم ، والأول أظهر وأصح . والله أعلم .
وأما المصر : فيجيء في قولهم : مصرت مدينة كذا في زمن كذا ، وفي قولهم مدينة كذا مصر من الأمصار .
والمصر في الأصل : الحد بين الشيئين ، وأهل هجر يكتبون في شروطهم : اشترى [1/39] فلان من فلان هذه الدار بمصورها أي بحدودها .
قال عدي بن زيد :
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء لها
بين النهار وبين الليل قد فصـلا
وأما الطول : فيجيء في قولنا عرض البلد كذا وطوله كذا ، وهو من ألفاظ المنجمين .
فسروه فقالوا : معنى قولنا طوله أي بعده عن أقصى العمارة ، سوي آخذه في معدل النهار أو في خط الاستواء الموازي لهما ، وذلك لتشابه بينهما يقيم أحدهما مقام الآخر ، ولأن ما يستعمل من هذه الصناعة إنما هو مستنبط من آراء اليونانيين وهم ابتدأوا العمارة من أقرب نهاية العمارة إليهم وهي الغربية .
فطول البلد - على ذا - هو بعده عن المغرب ، إلا أن في هذه النهاية بينهم اختلافا ، فإن بعضهم يبتدئ بالطول من ساحل بحر أوقيانوس الغربي ، وهو البحر المحيط ، وبعضهم يبتدئ به من سمت الجزائر الواغلة في البحر المحيط قريبا من مائتي فرسخ ، تسمى جزائر السعادات ، والجزائر الخالدات ، وهي بحيال بلاد المغرب .
ولهذا ربما يوجد للبلد الواحد في الكتب نوعان من الطول بينهما عشر درج ، فيحتاج في تمييز ذلك إلى فطنة ودربة - هذا كله عن أبي الريحان .
وأما العرض : فإن عرض البلد مقابل لطوله الذي ذكر قبل .
ومعناه عند المنجمين هو بعده الأقصى عن خط الاستواء نحو الشمال ، لأن البلد والعمارة في هذه الناحية ، وتحاذيه من السماء قوس عظيمة شبيهة به واقفة بين سمت الرأس وبين معدل النهار ، ويساويه ارتفاع القطب الشمالي .
فلذلك يعبر عنه به ، وانحطاط القطب الجنوبي وإن ساواه أيضا فإنه خفي لا يشعر به .
وهذا كلام صاحب التفهيم .
وأما الدرجة والدقيقة : فهي أيضا من نصيب المنجمين يجيء ذكرها في هذا الكتاب في تحديد الطول والعرض .
قالوا : الدرجة قدر ما تقطعه الشمس في يوم وليلة من الفلك ، وفي مساحة الأرض خمسة وعشرون فرسخا .
وتنقسم الدرجة إلى ستين دقيقة ، والدقيقة إلى ستين ثانية ، والثانية إلى ستين ثالثة ، وترقى كذلك .
وأما الصلح : فيجيء في قولنا : فتح بلد كذا صلحا أو عنوة ، ومعنى الصلح من الصلاح وهو ضد الفساد ، والصلح في هذه المواضع ضد الخلف ، ومعناه أن المسلمين كانوا إذا نزلوا على حصن أو مدينة خافهم أهله فخرجوا إلى المسلمين وبذلوا لهم عن ناحيتهم مالا ، أو خراجا ، أو وظيفة يوظفونها عليهم ويؤدونها في كل عام على رؤوسهم وأرضهم ، أو مالا يعجلونه لهم ، أي إنها لم تفتح عن غلبة ، كما كانت العنوة بمعنى الغلبة .
وأما السلم : في قوله تعالى : ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ، فقالوا : أعني به الإسلام وشرائعه .
والسلم الصلح .
والسلم ، بالتحريك ، الاستسلام وإلقاء المقادة إلى إرادة المسلمين ، فكأنه والصلح [1/40] متقاربان .
وعندي أنه من السلامة ، أي إنه إذا اتفق الفريقان واصطلحا ، سلم بعضهم من بعض ، والله أعلم .
وأما العنوة : فيجيء في قولنا : فتح بلد كذا عنوة ، وهو ضد الصلح ، قالوا : العنوة أخذ الشيء بالغلبة .
قالوا : وقد يكون عن تسليم وطاعة مما يؤخذ منه الشيء .
وأنشد الفراء :
فما أخذوها عنوة من مـودة
ولكن بحد المشرفي استقالها
قالوا : وهذا على معنى التسليم والطاعة بلا قتال .
قلت : وهذا تأويل في هذا البيت على أن العنوة بمعنى الطاعة ، ويمكن أن يؤول تأويلا يخرجه عن أن يكون بمعنى الغصب والغلبة ، فيقال : إن معناه : فما أخذوها غلبة ، وهناك مودة ، بل القتال أخذها عنوة ، كما تقول : ما أساء إليك زيد عن محبة ، أي بغضة ، كما تقول : ما صدر هذا الفعل عن قلب صاف وهناك قلب صاف ، أي كدر ، ويكون قريبا في المعنى من قوله تعالى : وَقَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ .
ويصلح أن يجعل قوله أخذوها دليلا على الغلبة والقهر ، ولولا ذلك لقال : فما سلموها ، فإن قائلا لو قال : أخذ الأمير حصن كذا ، لسبق الوهم ، وكان مفهومه أنه أخذه قهرا .
ولو قال : إن أهل حصن كذا سلموه ، لكان مفهومه أنهم أذعنوا به عن إرادة واختيار ، وهذا ظاهر .
والإجماع أن العنوة الغلبة ، ومنه العاني وهو الأسير .
يقال : أخذته عنوة ، أي قسرا وقهرا ، وفتحت هذه المدينة عنوة ، أي بالقتال : قوتل أهلها حتى غلبوا عليها أو عجزوا عن حفظها فتركوها وجلوا من غير أن يجري بينهم وبين المسلمين فيها عقد صلح .
وأما الخراج : فإن الخراج والخرج بمعنى واحد ، وهو أن يؤدي العبد إليك خراجه ، أي غلته .
والرعية تؤدي الخراج إلى الولاة ، وأصله من قوله تعالى : أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا ، وقرئ " خراجا " ، معناه : أم تسألهم أجرا على ما جئت به ، فأجر ربك وثوابه خير .
وأما الخراج الذي وظفه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على السواد ، فأراضي الفيء ، فإن معناه الغلة ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : الخراج بالضمان ، قالوا : هو غلة العبد يشتريه الرجل فيستغله زمانا ، ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع ، ولم يطلعه عليه ، فله رد العبد على البائع والرجوع عليه بجميع الثمن ، والغلة التي استغلها المشتري من العبد طيبة له ، لأنه كان في ضمانه ولو هلك هلك من ماله ، وكان عمر - رضي الله عنه - أمر بمسح السواد ودفعه إلى الفلاحين الذين كانوا فيه على غلة كل سنة ، ولذلك سمي خراجا ، ثم بعد ذلك قيل للبلاد التي فتحت صلحا ووظف ما صولحوا عليه على أرضهم ، خراجية ، لأن تلك الوظيفة أشبهت الخراج الذي لزم الفلاحين ، وهو الغلة ، لأن جملة معنى الخراج الغلة ، وفي الحديث أن أبا طيبة لما حجم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر له بصاعين من طعام وكلم أهله ، فوضعوا عنه من خراجه ، أي من غلته .
وأما الفيء والغنيمة : فإن أصل الفيء في اللغة : الرجوع ، ومنه الفيء ، وهو عقيب الظل الذي [1/41] للشجرة وغيرها بالغداة ، والفيء بالعشي ، كما قال حميد بن ثور :
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه
ولا الفيء من برد العشي تـذوق
وقال أبو عبيدة : كل ما كانت الشمس عليه وزالت ، فهو فيء وظل ، وما لم تكن الشمس عليه فهو ظل ، ومنه قوله تعالى ، في قتال أهل البغي : حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ، الآية ، أي ترجع ، وسمي هذا المال فيئا ، لأنه رجع إلى المسلمين من أملاك الكفار .
وقال أبو منصور الأزهري في قوله تعالى : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الآية ، أي ما رد الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل ملته بلا قتال ، إما أن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين ، أو يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم ، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم ، فهذا المال هو الفيء في كتاب الله .
قال الله تعالى : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، أي لم توجفوا عليه خيلا ولا ركابا .
أنزلت في أموال بني النضير حين نقضوا العهد وجلوا عن أوطانهم إلى الشام ، فقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أموالهم من النخيل وغيرها في الوجوه التي أراد الله أن يقسمها فيها ، وقسمة الفيء غير قسمة الغنيمة التي أوجف عليها بالخيل والركاب .
قلت : هذه حكاية قول الأزهري ، وهو مذهب الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وإذا كان الفيء - كما قلنا - الرجوع ، فلا فرق بين أن يرجع إلى المسلمين بالإيجاف أو غير الإيجاف ، ولا فرق أن يفيء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة أو على المسلمين عامة ، وأما الآية فإنما هي حكاية الحال الواقعة في قصة بني النضير ، لا دليل فيها على أن الفيء يكون بإيجاف أو بغير إيجاف ، لأن الحال هكذا وقعت ، ولو فاء هذا المال بالإيجاف وكان للمسلمين عامة ، لجاز أن يجيء في الآية : ما أفاء الله على المؤمنين من أهل القرى ، ففي رجوع الفيء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفي الإيجاف ، دليل على أنه يفيء على غيره بوجود الإيجاف ، ولولا أنهما واحد لاستغنى عن النفي واكتفى بقوله عز وجل : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ، إذ كان الكلام بدون نفيه مفهوما .
وقد عكس قدامة قول الأزهري ، فقال : إن الفيء اسم لما غلب عليه المسلمون من بلاد العدو قسرا بالقتال والحرب ، ثم جعل موقوفا عليهم ، لأن الذي يجتبى منهم راجع إليهم في كل سنة .
قلت : فتخصيص قدامة لمال الفيء ، بأنه لا يكون إلا ما غلب عليه قسرا بالقتال ، غلط .
فإن الله سماه فيئا في قوله تعالى : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ . والذي يعتمد عليه ، أن الفيء كل ما استقر للمسلمين وفاء إليهم من الكفار ، ثم رجعت إليهم أمواله في كل عام ، مثل مال الخراج وجزية الرؤوس ، كأموال بني النضير ، ووادي القرى ، وفدك التي فتحت صلحا لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، وكأموال السواد التي فتحت عنوة ، ثم أقرت بأيدي أهلها يؤدون خراجها في كل عام .
ولا اختلاف بين أهل التحصيل ، أن الذي افتتح صلحا ، كأموال بني النضير وغيرهم ، يسمى فيئا ، وأن الذي افتتح من أراضي السواد وغيرها عنوة وأقر بأيدي أهله ، يسمى فيئا ، لكن الفرق بينهما أن ما فتح [1/42] عنوة كان فيئا للمسلمين الذين شهدوا الفتح يقسم بينهم ، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأموال خيبر ، ويسمى غنيمة أيضا ، وأما الذين رغبوا في الصلح مثل وادي القرى وفدك أو جلوا عن أوطانهم من غير أن يأتيهم أحد من المسلمين ، كأموال بني النضير ، فأمره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأئمة من بعده يقسمون أمواله على من يريدون ، كما يرون فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأموال هؤلاء .
وأما الغنيمة : فهو ما غنم من أموال المشركين من الأراضي كأرض خيبر ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسمها بين أصحابه بعد إفراد الخمس ، وصارت كل أرض لقوم مخصوصين ، وليست كأموال السواد التي فتحت أيضا عنوة ، لكن رأى عمر - رضي الله عنه - أن يجعلها لعامة المسلمين ، ولم تقسم فصارت فيئا يرجع إلى المسلمين في كل عام .
ومن الغنيمة الأموال الصامتة التي يؤخذ خمسها ويقسم باقيها على من حضر القتال ، للفارس ثلاثة أسهم ، وللراجل سهم ، فهذا شيء استنبطته أنا بالقياس ، من غير أن أقف على نص هذا حكايته ، ثم بعد وقفت على كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ، فوجدته مطابقا لما كنت قلته ومؤيدا له ، فإنه قال : الأموال التي تتولاها أئمة المسلمين ثلاثة ، وتأويلها من كتاب الله : الصدقة ، والفيء ، والخمس ، وهي أسماء مجملة يجمع كل واحد منها أنواعا من المال .
فأما الصدقة : فزكاة أموال المسلمين ، من الذهب والورق والإبل والبقر والغنم والحب والثمر ، فهذه هي الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى ، لا حق لأحد من الناس فيها سواهم .
وقال عمر - رضي الله عنه : هذه لهؤلاء ، وأما مال الفيء ، فما اجتبي من أموال أهل الذمة من جزية رؤوسهم التي بها حقنت دماؤهم وحرمت أموالهم ، بما صولحوا عليه من جزية ، ومنه خراج الأرضين التي افتتحت عنوة ثم أقرها الإمام بأيدي أهل الذمة على قسط يؤدونه في كل عام ، ومنه وظيفة أرض الصلح التي منعها أهلها حتى صولحوا عنها على خرج مسمى .
ومنه ما يأخذه العاشر من أموال أهل الذمة التي يمرون بها عليه في تجاراتهم ، ومنه ما يؤخذ من أهل الحرب إذا دخلوا بلاد الإسلام للتجارات ، فكل هذا من الفيء ، وهذا الذي يعم المسلمين ، غنيهم وفقيرهم ، فيكون في أعطية المقاتلة ، وأرزاق الذرية ، وما ينوب الإمام من أمور الناس بحسن النظر للإسلام وأهله .
وأما الخمس : فخمس غنائم أهل الحرب والركاز العادي ، وما كان من عرض ، أو معدن ، فهو الذي اختلف فيه أهل العلم ، فقال بعضهم : هو للأصناف الخمسة المسمين في الكتاب لما قال عمر - رضي الله عنه - وهذه لهؤلاء ، وقال بعضهم : سبيل الخمس سبيل الفيء ، يكون حكمه إلى الإمام ، إن رأى أن يجعله فيمن سمى الله جعله ، وإن رأى أن الأفضل للمسلمين والأوفر لحظهم أن يضعه في بيت مالهم لنائبة تنوبهم ومصلحة تعن لهم ، مثل سد ثغر ، وإعداد سلاح وخيل وأرزاق أهل الفيء من المقاتلين والقضاة وغيرهم ممن يجري مجراهم ، فعل .
وأما القطيعة : فلها معنيان : أحدهما : أن يعمد الإمام الجائز الأمر والطاعة إلى قطعة من الأرض [1/43] يفرزها عما يجاورها ، ويهبها ممن يرى ، ليعمرها وينتفع بها ، إما أن يجعلها منازل يسكنها ويسكنها من يشاء ، وإما أن يجعلها مزدرعا ينتفع بما يحصل من غلتها ، ولا خراج عليه فيها ، وربما جعل على مزدرعها خراج ، وهذه حال قطائع المنصور وولده بعده ببغداد في محالها ، فمن ذلك قطيعة الربيع ، وقطيعة أم جعفر ، وقطيعة فلان ، وقد ذكرت في مواضعها من الكتاب .
وأما القطيعة الأخرى ، فهي أن يقطع السلطان من يشاء من قواده وغيرهم ، القرى والنواحي ، ويقطع عليهم عنها شيئا معلوما يؤدونه في كل عام ، قل أو كثر ، توفر محصولها أو نزر ، لا مدخل للسلطان معه في أكثر من ذلك .