[1/114] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 1 )
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( بِسْمِ )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ أَدَّبَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَعْلِيمِهِ تَقْدِيمَ ذِكْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى أَمَامَ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ ، ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ فِي وَصْفِهِ بِهَا قَبْلَ جَمِيعِ مُهِمَّاتِهِ ، وَجَعَلَ مَا أَدَّبَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَّمَهُ إِيَّاهُ ، مِنْهُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ سُنَّةً يَسْتَنُّونَ بِهَا ، وَسَبِيلًا يَتَّبِعُونَهُ عَلَيْهَا ، فَبِهِ افْتِتَاحُ أَوَائِلِ مَنْطِقِهِمْ ، وَصُدُورُ رَسَائِلِهِمْ وَكُتُبِهِمْ وَحَاجَاتِهِمْ ، حَتَّى أَغْنَتْ دَلَالَةُ مَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " بِسْمِ اللَّهِ " ، عَلَى مَا بَطَنَ مِنْ مُرَادِهِ الَّذِي هُوَ مَحْذُوفٌ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْبَاءَ مَنْ " بِسْمِ اللَّهِ " مُقْتَضِيَةٌ فِعْلًا يَكُونُ لَهَا جَالِبًا ، وَلَا فِعْلَ مَعَهَا ظَاهِرٌ ، فَأَغْنَتْ سَامِعَ الْقَائِلِ " بِسْمِ اللَّهِ " مَعْرِفَتُهُ بِمُرَادِ قَائِلِهِ ، عَنْ إِظْهَارِ قَائِلِ ذَلِكَ مُرَادَهُ قَوْلًا إِذْ كَانَ كُلُّ نَاطِقٍ بِهِ عِنْدَ افْتِتَاحِهِ أَمْرًا ، قَدْ أُحْضِرَ مَنْطِقُهُ بِهِ - إِمَّا مَعَهُ ، وَإِمَّا قَبْلَهُ بِلَا فَصْلٍ - مَا قَدْ أَغْنَى سَامِعَهُ عَنْ دَلَالَةٍ شَاهِدَةٍ عَلَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ افْتَتَحَ قِيلَهُ بِهِ . فَصَارَ اسْتِغْنَاءُ سَامِعِ ذَلِكَ مِنْهُ عَنْ إِظْهَارِ مَا حَذَفَ مِنْهُ ، نَظِيرَ اسْتِغْنَائِهِ - إِذَا سَمِعَ قَائِلًا قِيلَ لَهُ : مَا أَكَلْتَ الْيَوْمَ ؟ فَقَالَ : " طَعَامًا " - عَنْ أَنْ يُكَرِّرَ الْمَسْئُولُ مَعَ قَوْلِهِ " طَعَامًا " ، أَكَلْتُ ، لِمَا قَدْ ظَهَرَ لَدَيْهِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، بِتَقَدُّمِ مَسْأَلَةِ السَّائِلِ إِيَّاهُ عَمَّا أَكَلَ . فَمَعْقُولٌ إِذًا أَنَّ قَوْلَ [1/115] الْقَائِلِ إِذَا قَالَ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ثُمَّ افْتَتَحَ تَالِيًا سُورَةً ، أَنَّ إِتْبَاعَهُ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " تِلَاوَةَ السُّورَةِ ، يُنْبِئُ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَمَفْهُومٌ بِهِ أَنَّهُ مُرِيدٌ بِذَلِكَ : أَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وَكَذَلِكَ قَوْلِهِ : " بِسْمِ اللَّهِ " عِنْدَ نُهُوضِهِ لِلْقِيَامِ أَوْ عِنْدَ قُعُودِهِ وَسَائِرِ أَفْعَالِهِ ، يُنْبِئُ عَنْ مَعْنَى مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ " بِسْمِ اللَّهِ " ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِقِيلِهِ " بِسْمِ اللَّهِ " ، أَقُومُ بِاسْمِ اللَّهِ ، وَأَقْعُدُ بِاسْمِ اللَّهِ . وَكَذَلِكَ سَائِرِ الْأَفْعَالِ .
وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، هُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي : -
138 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، قَالَ : " يَا مُحَمَّدُ ، قُلْ : أَسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " ثُمَّ قَالَ : " قُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " . قَالَ : قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : قُلْ بِسْمِ اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ ، يَقُولُ : اقْرَأْ بِذِكْرِ اللَّهِ رَبِّكَ ، وَقُمْ وَاقْعُدْ بِذِكْرِ اللَّهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ " بِسْمِ اللَّهِ " مَا وَصَفْتَ ، وَالْجَالِبُ الْبَاءَ فِي " بِسْمِ اللَّهِ " مَا ذَكَرْتَ ، فَكَيْفَ قِيلَ " بِسْمِ اللَّهِ " ، بِمَعْنَى أَقْرَأُ بِاسْمِ اللَّهِ " ، أَوْ أَقُومُ أَوْ أَقْعُدُ بِاسْمِ اللَّهِ ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ كُلَ قَارِئٍ كِتَابَ اللَّهِ ، فَبِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ قِرَاءَتُهُ ، وَأَنَّ كُلَّ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ أَوْ فَاعِلٍ فِعْلًا فَبِاللَّهِ قِيَامُهُ وَقُعُودُهُ وَفِعْلُهُ . وَهَلَّا - إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - قِيلَ " بِاللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَلَمْ يَقُلْ " بِسْمِ اللَّهِ " ؟ فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : أَقُومُ وَأَقْعُدُ بِاللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، أَوْ أَقْرَأُ بِاللَّهِ - أَوْضَحُ مَعْنًى لِسَامِعِهِ مِنْ قَوْلِهِ " بِسْمِ اللَّهِ " ، إِذْ كَانَ قَوْلُهُ أَقُومُ " أَقُومُ أَوْ أَقْعُدُ بِاسْمِ اللَّهِ " ، يُوهِمُ سَامِعَهُ أَنَّ قِيَامَهُ وَقُعُودَهُ بِمَعْنَى غَيْرِ اللَّهِ .
قِيلَ لَهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ : إِنَّ الْمَقْصُودَ إِلَيْهِ مِنْ مَعْنَى ذَلِكَ غَيْرُ مَا تَوَهَّمْتَهُ فِي نَفْسِكَ . وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ " باِسْمِ اللَّهِ " : أَبْدَأُ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، [1/116] أَوْ أَقْرَأُ بِتَسْمِيَتِي اللَّهَ ، أَوْ أَقُومُ وَأَقْعُدُ بِتَسْمِيَتِي اللَّهَ وَذِكْرِهِ - لَا أَنَّهُ يَعْنِي بِقِيلِهِ " بِسْمِ اللَّهِ " : أَقُومُ بِاللَّهِ ، أَوْ أَقْرَأُ بِاللَّهِ ، فَيَكُونَ قَوْلُ الْقَائِلِ : أَقْرَأُ بِاللَّهِ ، أَوْ أَقُومُ أَوْ أَقْعُدُ بِاللَّهِ - أَوْلَى بِوَجْهِ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ " بِسْمِ اللَّهِ " .
فَإِنْ قَالَ : فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْتَ ، فَكَيْفَ قِيلَ : " بِسْمِ اللَّهِ " وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الِاسْمَ اسْمٌ ، وَأَنَّ التَّسْمِيَةَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ سَمَّيْتُ ؟
قِيلَ : إِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُخْرِجُ الْمَصَادِرَ مُبْهَمَةً عَلَى أَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ ، كَقَوْلِهِمْ : أَكْرَمْتُ فُلَانًا كَرَامَةً ، وَإِنَّمَا بِنَاءُ مَصْدَرِ " أَفَعَلْتُ " - إِذَا أُخْرِجَ عَلَى فِعْلِهِ - " الْإِفْعَالُ " . وَكَقَوْلِهِمْ : أَهَنْتُ فُلَانًا هَوَانًا ، وَكَلَّمْتُهُ كَلَامًا . وَبِنَاءُ مَصْدَرِ : " فَعَّلَتُ " التَّفْعِيلُ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
أَكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ الْمَوْتِ عَنِّي
وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةَ الرِّتَاعَا

يُرِيدُ : إِعْطَائِكَ . وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ :
وَإِنْ كَانَ هَذَا الْبُخْلُ مِنْكَ سَجِيَّةً
لَقَدْ كُنْتُ فِي طُولِي رَجَاءَكَ أَشْعَبَا

يُرِيدُ : فِي إِطَالَتِي رَجَاءَكَ . وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ :
أَظُلَيْمُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلًا
أَهْدَى السَّلَامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ

يُرِيدُ : إِصَابَتَكُمْ . وَالشَّوَاهِدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَكْثُرُ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ ، لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ . [1/117]
فَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ - عَلَى مَا وَصَفْنَا ، مِنْ إِخْرَاجِ الْعَرَبِ مَصَادِرَ الْأَفْعَالِ عَلَى غَيْرِ بِنَاءِ أَفْعَالِهَا - كَثِيرًا ، وَكَانَ تَصْدِيرُهَا إِيَّاهَا عَلَى مَخَارِجِ الْأَسْمَاءِ مَوْجُودًا فَاشِيًا ، فَبَيِّنٌ بِذَلِكَ صَوَابُ مَا قُلْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ " بِسْمِ اللَّهِ " ، أَنَّ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ فِي فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ : أَبْدَأُ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ ، قَبْلَ فِعْلِي ، أَوْ قَبْلَ قَوْلِي .
وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ، إِنَّمَا مَعْنَاهُ : أَقْرَأُ مُبْتَدِئًا بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ ، أَوْ أَبْتَدِئُ قِرَاءَتِي بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ . فَجُعِلَ " الِاسْمُ " مَكَانَ التَّسْمِيَةِ ، كَمَا جُعِلَ الْكَلَامُ مَكَانَ التَّكْلِيمِ ، وَالْعَطَاءُ مَكَانَ الْإِعْطَاءِ .
وَبِمَثَلِ الَّذِي قُلْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ ، رُوِيَ الْخَبَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ .
139 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَا مُحَمَّدُ ، قُلْ : أَسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " ، ثُمَّ قَالَ : " قُلْ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " بِسْمِ اللَّهِ " ، يَقُولُ لَهُ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ، اقْرَأْ بِذِكْرِ اللَّهِ رَبِّكَ ، وَقُمْ وَاقْعُدْ بِذِكْرِ اللَّهِ .
وَهَذَا التَّأْوِيلُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يُنْبِئُ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا - مِنْ أَنَّهُ يُرَادُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ مُفْتَتِحًا قِرَاءَتَهُ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " : أَقْرَأُ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ ، وَأَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ ، بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى - وَيُوَضِّحُ فَسَادَ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ قَائِلِهِ : بِاللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَوَّلِ كُلِ شَيْءٍ ، مَعَ أَنَّ الْعِبَادَ [1/118] إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يَبْتَدِئُوا عِنْدَ فَوَاتِحِ أُمُورِهِمْ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ ، لَا بِالْخَبَرِ عَنْ عَظْمَتِهِ وَصِفَاتِهِ ، كَالَّذِي أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ ، وَعِنْدَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ ، وَسَائِرِ أَفْعَالِهِمْ . وَكَذَلِكَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ مِنْ تَسْمِيَتِهِ عِنْدَ افْتِتَاحِ تِلَاوَةِ تَنْزِيلِ اللَّهِ ، وَصُدُورِ رَسَائِلِهِمْ وَكُتُبِهِمْ .
وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْجَمِيعِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ ، أَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ عِنْدَ تَذْكِيَتِهِ بَعْضَ بَهَائِمِ الْأَنْعَامِ " بِاللَّهِ " ، وَلَمْ يَقُلْ " بِسْمِ اللَّهِ " ، أَنَّهُ مُخَالِفٌ - بِتَرْكِهِ قِيلَ : " بِسْمِ اللَّهِ " مَا سُنَّ لَهُ عِنْدَ التَّذْكِيَةِ مِنَ الْقَوْلِ . وَقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ " بِسْمِ اللَّهِ " " بِاللَّهِ " ، كَمَا قَالَ الزَّاعِمُ أَنَّ اسْمَ اللَّهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " هُوَ اللَّهُ . لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ عِنْدَ تَذْكِيَتِهِ ذَبِيحَتَهُ " بِاللَّهِ " ، قَائِلًا مَا سُنَّ لَهُ مِنَ الْقَوْلِ عَلَى الذَّبِيحَةِ . وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ تَارِكٌ مَا سُنَّ لَهُ مِنَ الْقَوْلِ عَلَى ذَبِيحَتِهِ - إِذْ لَمْ يَقُلْ " بِسْمِ اللَّهِ " - دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى فَسَادِ مَا ادَّعَى مِنَ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ : " بِسْمِ اللَّهِ " ، أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ " بِاللَّهِ " ، وَأَنَّ اسْمَ اللَّهِ هُوَ اللَّهُ .
وَلَيْسَ هَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ مَوَاضِعِ الْإِكْثَارِ فِي الْإِبَانَةِ عَنِ الِاسْمِ : أَهُوَ الْمُسَمَّى ، أَمْ غَيْرُهُ ، أَمْ هُوَ صِفَةٌ لَهُ ؟ فَنُطِيلُ الْكِتَابَ بِهِ ، وَإِنَّمَا هَذَا مَوْضِعٌ مِنْ مَوَاضِعِ الْإِبَانَةِ عَنِ الِاسْمِ الْمُضَافِ إِلَى اللَّهِ : أَهْوَ اسْمٌ ، أَمْ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّسْمِيَةِ ؟ [1/119] فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِي بَيْتِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ :
إِلَى الْحَوْلِ ، ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ،
وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ

فَقَدْ تَأَوَّلَهُ مُقَدَّمٌ فِي الْعِلْمِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ ، أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ : ثُمَّ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا ، وَأَنَّ اسْمَ السَّلَامِ هُوَ السَّلَامُ ؟
قِيلَ لَهُ : لَوْ جَازَ ذَلِكَ وَصَحَّ تَأْوِيلُهُ فِيهِ عَلَى مَا تَأَوَّلَ ، لَجَازَ أَنْ يُقَالَ : رَأَيْتُ اسْمَ زَيْدٍ ، وَأَكَلْتُ اسْمَ الطَّعَامِ ، وَشَرِبْتُ اسْمَ الشَّرَابِ; وَفِي إِجْمَاعِ جَمِيعِ الْعَرَبِ عَلَى إِحَالَةِ ذَلِكَ مَا يُنْبِئُ عَنْ فَسَادِ تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَ لَبِيدٍ : " ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ [1/120] عَلَيْكُمَا " ، أَنَّهُ أَرَادَ : ثُمَّ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا ، وَادِّعَائِهِ أَنَّ إِدْخَالَ الِاسْمِ فِي ذَلِكَ وَإِضَافَتَهُ إِلَى السَّلَامِ إِنَّمَا جَازَ ، إِذْ كَانَ اسْمُ الْمُسَمَّى هُوَ الْمُسَمَّى بِعَيْنِهِ .
وَيُسْأَلُ الْقَائِلُونَ قَوْلَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ هَذَا ، فَيُقَالُ لَهُمْ : أَتَسْتَجِيزُونَ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُقَالَ : " أَكَلْتُ اسْمَ الْعَسَلِ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : أَكَلْتُ الْعَسَلَ ، كَمَا جَازَ عِنْدَكُمْ : اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكَ ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ ؟
فَإِنْ قَالُوا : نَعَمْ ! خَرَجُوا مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ ، وَأَجَازُوا فِي لُغَتِهَا مَا تُخَطِّئُهُ جَمِيعُ الْعَرَبِ فِي لُغَتِهَا . وَإِنْ قَالُوا : لَا ؛ سُئِلُوا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا . فَلَنْ يَقُولُوا فِي أَحَدِهِمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمُوا فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَمَا مَعْنَى قَوْلِ لَبِيدٍ هَذَا عِنْدَكَ ؟
قِيلَ لَهُ : يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ ، كِلَاهُمَا غَيْرُ الَّذِي قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ .
أَحَدُهُمَا : أَنْ " السَّلَامَ " اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ لَبِيدٌ عَنَى بِقَوْلِهِ : " ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا " ، ثُمَّ الْزَمَا اسْمَ اللَّهِ وَذِكْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَدَعَا ذِكْرِي وَالْبُكَاءَ عَلَيَّ; عَلَى وَجْهِ الْإِغْرَاءِ . فَرَفَعَ الِاسْمَ ، إِذْ أَخَّرَ الْحَرْفَ الَّذِي يَأْتِي بِمَعْنَى الْإِغْرَاءِ . وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ ، إِذَا أَخَّرَتِ الْإِغْرَاءَ وَقَدَّمَتِ الْمُغْرَى بِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَنْصِبُ بِهِ وَهُوَ مُؤَخَّرٌ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
يَا أَيُّهَا الْمَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا!
إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا!

فَأَغْرَى بِ " دُونَكَ " ، وَهِيَ مُؤَخَّرَةٌ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : دُونَكَ دَلْوِي . فَذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ :
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا

يَعْنِي : عَلَيْكُمَا اسْمَ السَّلَامِ ، أَيْ : الْزَمَا ذِكْرَ اللَّهِ وَدَعَا ذِكْرِي وَالْوَجْدُ بِي ، لِأَنَّ مَنْ بَكَى حَوْلًا عَلَى امْرِئٍ مَيِّتٍ فَقَدِ اعْتَذَرَ . فَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْهِ . [1/121]
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْهُمَا : ثُمَّ تَسْمِيَتِي اللَّهَ عَلَيْكُمَا ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِلشَّيْءِ يَرَاهُ فَيُعْجِبُهُ : " اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكَ " يُعَوِّذُهُ بِذَلِكَ مِنَ السُّوءِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : ثُمَّ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكُمَا مِنَ السُّوءِ ، وَكَأَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَشْبَهُ الْمَعْنِيِّينَ بِقَوْلِ لَبِيدٍ .
وَيُقَالُ لِمَنْ وَجَّهَ بَيْتَ لَبِيدٍ هَذَا إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : ثُمَّ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا ، أَتَرَى مَا قُلْنَا - مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ - جَائِزًا ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، أَوْ غَيْرَ مَا قُلْتَ فِيهِ ؟
فَإِنْ قَالَ : لَا ! أَبَانَ مِقْدَارَهُ مِنَ الْعِلْمِ بِتَصَارِيفَ وُجُوهِ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَأَغْنَى خَصْمِهِ عَنْ مُنَاظَرَتِهِ .
وَإِنْ قَالَ : بَلَى !
قِيلَ لَهُ : فَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَيْتَ مِنَ التَّأْوِيلِ أَنَّهُ الصَّوَابُ ، دُونَ الَّذِي ذَكَرْتَ أَنَّهُ مُحْتَمِلُهُ - مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُنَا تَسْلِيمُهُ لَكَ ؟ وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ .
وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي : -
140 - حَدَّثَنَا بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ الضَّحَّاكِ وَهُوَ يُلَقَّبُ بِزِبْرِيقَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - وَمِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إِلَى الْكُتَّابِ لِيُعَلِّمَهُ ، فَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ : اكْتُبْ " بِسْمِ " فَقَالَ لَهُ عِيسَى : وَمَا " بِسْمِ " ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ : مَا أَدْرِي ! فَقَالَ عِيسَى : الْبَاءُ بَهَاءُ اللَّهِ ، وَالسِّينُ : سَنَاؤُهُ ، وَالْمِيمُ : مَمْلَكَتُهُ . [1/122]
فَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ غَلَطًا مِنَ الْمُحَدِّثِ ، وَأَنْ يَكُونَ أَرَادَ ب س م ، عَلَى سَبِيلِ مَا يُعَلَّمُ الْمُبْتَدِئُ مِنَ الصِّبْيَانِ فِي الْكُتَّابِ حُرُوفَ أَبِي جَادٍ ، فَغَلِطَ بِذَلِكَ ، فَوَصَلَهُ ، فَقَالَ : " بِسْمِ " ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا التَّأْوِيلِ إِذَا تُلِيَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ، عَلَى مَا يَتْلُوهُ الْقَارِئُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، لِاسْتِحَالَةِ مَعْنَاهُ عَلَى الْمَفْهُومِ بِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْعَرَبِ وَأَهْلِ لِسَانِهَا ، إِذَا حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلَى ذَلِكَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( اللَّهِ ) .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ " اللَّهِ " ، فَإِنَّهُ عَلَى مَعْنَى مَا رُوِيَ لَنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - : هُوَ الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ شَيْءٍ ، وَيَعْبُدُهُ كُلُّ خَلْقٍ . [1/123]
141 - وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : " اللَّهِ " ذُو الْأُلُوهِيَّةِ وَالْمَعْبُودِيَّةِ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَهَلْ لِذَلِكَ فِي " فَعَلَ وَيَفْعَلُ " أَصْلٌ كَانَ مِنْهُ بِنَاءُ هَذَا الِاسْمِ ؟
قِيلَ : أَمَّا سَمَاعًا مِنْ الْعَرَبِ فَلَا وَلَكِنِ اسْتِدْلَالًا .
فَإِنْ قَالَ : وَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأُلُوهِيَّةَ هِيَ الْعِبَادَةُ ، وَأَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَعْبُودُ ، وَأَنَّ لَهُ أَصْلًا فِي " فَعَلَ وَيَفْعَلُ " .
قِيلَ : لَا تَمَانُعَ بَيْنَ الْعَرَبِ فِي الْحُكْمِ لِقَوْلِ الْقَائِلِ - يَصِفُ رَجُلًا بِعِبَادَةٍ ، وَبِطَلَبِ مَا عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : " تَأَلَّهَ فَلَانٌ " - بِالصِّحَّةِ وَلَا خِلَافَ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ :
لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ الْمُدَّهِ
سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي

يَعْنِي : مِنْ تَعَبُّدِي وَطَلَبِي اللَّهَ بِعَمَلِي .
وَلَا شَكَّ أَنَّ " التَّأَلُّهَ " ، التَّفَعُّلَ مِنْ : " أَلَهَ يَأْلَهُ " ، وَأَنَّ مَعْنَى " أَلَهَ " - إِذَا نُطِقَ بِهِ : - عَبَدَ اللَّهَ . وَقَدْ جَاءَ مِنْهُ مَصْدَرٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ نَطَقَتْ مِنْهُ بِ " فَعَلَ يَفْعَلُ " بِغَيْرِ زِيَادَةٍ .
142 - وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ قَرَأَ " وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ " سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 127 قَالَ : عِبَادَتَكَ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ كَانَ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ . [1/124]
143 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ) ، قَالَ : إِنَّمَا كَانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ وَلَا يَعْبُدُ
وَكَذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقْرَؤُهَا وَمُجَاهِدٌ .
144 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : قَوْلُهُ " وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ " قَالَ : وَعِبَادَتَكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِلَاهَةَ - عَلَى مَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ - مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : أَلَهَ اللَّهَ فُلَانٌ إِلَاهَةً ، كَمَا يُقَالُ : عَبَدَ اللَّهَ فُلَانٌ عِبَادَةً ، وَعَبَرَ الرُّؤْيَا عِبَارَةً . فَقَدْ بَيَّنَ قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ هَذَا : أَنَّ " أَلَهَ " عَبَدَ ، وَأَنَّ " الْإِلَاهَةَ " مَصْدَرُهُ .
فَإِنْ قَالَ : فَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ يُقَالَ لِمَنْ عَبَدَ اللَّهَ : أَلَهَهُ - عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ - فَكَيْفَ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ ، إِذَا أَرَادَ الْمُخْبِرُ الْخَبَرَ عَنِ اسْتِيجَابِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِهِ ؟ [1/125]
قِيلَ : أَمَّا الرِّوَايَةُ فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ عِنْدَنَا ، وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ - عَلَى قِيَاسِ مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي : -
145 - حَدَّثَنَا بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - وَمِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ عِيسَى أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إِلَى الْكُتَّابِ لِيُعَلِّمَهُ فَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ اكْتُبْ " اللَّهَ " فَقَالَ لَهُ عِيسَى : " أَتَدْرِي مَا اللَّهُ ؟ اللَّهُ إِلَهُ الْآلِهَةِ " .
- أَنْ يُقَالَ ، اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ أَلَهَ الْعَبْدَ ، وَالْعَبْدُ أَلَهَهُ . وَأَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْقَائِلِ " اللَّهِ " - مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَصْلُهُ " الْإِلَهُ " .
فَإِنْ قَالَ : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، مَعَ اخْتِلَافِ لَفْظَيْهِمَا ؟
قِيلَ : كَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 38 ] أَصْلُهُ : لَكِنَّ أَنَا ، هُوَ اللَّهُ رَبِّي ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
وَتَرْمِينَنِي بِالطَّرْفِ ، أَيْ أَنْتَ مُذْنِبٌ
وَتَقْلِينَنِي ، لَكِنَّ إِيَّاكِ لَا أَقْلِي

يُرِيدُ : لَكِنَّ أَنَا إِيَّاكِ لَا أَقْلِي ، فَحَذَفَ الْهَمْزَةَ مِنْ " أَنَا " فَالْتَقَتْ نُونُ " أَنَا " " وَنُونُ " لَكِنْ " وَهِيَ سَاكِنَةٌ ، فَأُدْغِمَتْ فِي نُونِ " أَنَا " فَصَارَتَا نُونًا مُشَدَّدَةً . فَكَذَلِكَ " اللَّهُ " أَصْلُهُ " الْإِلَهُ " ، أُسْقِطَتِ الْهَمْزَةُ الَّتِي هِيَ فَاءُ الِاسْمِ ، فَالْتَقَتِ اللَّامُ الَّتِي هِيَ عَيْنُ الِاسْمِ ، وَاللَّامُ الزَّائِدَةُ الَّتِي دَخَلَتْ مَعَ الْأَلِفِ الزَّائِدَةِ وَهِيَ سَاكِنَةٌ ، فَأُدْغِمَتْ فِي [1/126] الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ عَيْنُ الِاسْمِ ، فَصَارَتَا فِي اللَّفْظِ لَامًا وَاحِدَةً مُشَدَّدَةً ، كَمَا وَصَفْنَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا " الرَّحْمَنُ " ، فَهُوَ فَعْلَانُ ، مِنْ رَحِمَ ، وَ " الرَّحِيمُ " فَعِيلٌ مِنْهُ . وَالْعَرَبُ كَثِيرًا مَا تَبْنِي الْأَسْمَاءَ مَنْ " فَعِلَ يَفْعَلُ " عَلَى " فَعْلَانِ " ، كَقَوْلِهِمْ مِنْ غَضِبَ : غَضْبَانُ ، وَمَنْ سَكِرَ : سَكْرَانُ ، وَمِنْ عَطِشَ : عَطْشَانُ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ " رَحْمَنُ " مِنْ رَحِمَ ، لِأَنَّ " فَعِلَ " مِنْهُ : رَحِمَ يَرْحَمُ . وَقِيلَ " رَحِيمٌ " ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُ " فَعِلَ " مِنْهَا مَكْسُورَةً ، لِأَنَّهُ مَدْحٌ . وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ يَحْمِلُوا أَبْنِيَةَ الْأَسْمَاءِ - إِذَا كَانَ فِيهَا مَدْحٌ أَوْ ذَمٌّ - عَلَى " فَعِيلٍ " ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُ " فَعِلَ " مِنْهَا مَكْسُورَةً أَوْ مَفْتُوحَةً ، كَمَا قَالُوا مِنْ " عَلِمَ " عَالِمٌ وَعَلِيمٌ ، وَمِنْ " قَدَرَ " قَادِرٌ وَقَدِيرٌ . وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهَا بِنَاءً عَلَى أَفْعَالِهَا ، لِأَنَّ الْبِنَاءَ مِنْ " فَعِلَ يَفْعَلُ " وَ " فَعَلَ يَفْعِلُ " فَاعِلٌ . فَلَوْ كَانَ " الرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ " خَارِجَيْنِ عَلَى بِنَاءِ أَفْعَالِهِمَا لَكَانَتْ صُورَتُهُمَا " الرَّاحِمَ " .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِذَا كَانَ الرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ اسْمَيْنِ مُشْتَقَّيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ ، فَمَا وَجْهُ تَكْرِيرِ ذَلِكَ ، وَأَحَدُهُمَا مُؤَدٍّ عَنْ مَعْنَى الْآخَرِ ؟
قِيلَ لَهُ : لَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ظَنَنْتَ ، بَلْ لِكُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهُمَا مَعْنًى لَا تُؤَدِّي الْأُخْرَى مِنْهُمَا عَنْهَا .
فَإِنْ قَالَ : وَمَا الْمَعْنَى الَّذِي انْفَرَدَتْ بِهِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَصَارَتْ إِحْدَاهُمَا غَيْرَ مُؤَدِّيَةٍ الْمَعْنَى عَنِ الْأُخْرَى ؟
قِيلَ : أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ ، فَلَا تَمَانُعَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ ، أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : " الرَّحْمَنُ " - عَنْ أَبْنِيَةِ الْأَسْمَاءِ [1/127] مِنْ " فَعِلَ يَفْعَلُ " - أَشَدُّ عُدُولًا مِنْ قَوْلِهِ " الرَّحِيمُ " . وَلَا خِلَافَ مَعَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ ، أَنَّ كُلَّ اسْمٍ كَانَ لَهُ أَصْلٌ فِي " فَعِلَ يَفْعَلُ " - ثُمَّ كَانَ عَنْ أَصْلِهِ مَنْ " فَعِلَ يَفْعَلُ " أَشَدَّ عُدُولًا - أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِهِ مُفَضَّلٌ عَلَى الْمَوْصُوفِ بِالِاسْمِ الْمَبْنِيِّ عَلَى أَصْلِهِ مَنْ " فَعِلَ يَفْعَلُ " ، إِذَا كَانَتِ التَّسْمِيَةُ بِهِ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا . فَهَذَا مَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ " الرَّحْمَنُ " ، مِنْ زِيَادَةِ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ " الرَّحِيمُ " فِي اللُّغَةِ .
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ وَالْخَبَرِ ، فَفِيهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ اخْتِلَافٌ : -
146 - فَحَدَّثَنِي السُّرِّيُّ بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ زُفَرَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْعَرْزَمِيَّ يَقُولُ : " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ، قَالَ : الرَّحْمَنُ بِجَمِيعِ الْخَلْقِ ، " الرَّحِيمُ " قَالَ : بِالْمُؤْمِنِينَ .
147 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - وَمِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - يَعْنِي الْخُدْرِيَّ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالَ : الرَّحْمَنُ رَحْمَنُ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا ، وَالرَّحِيمُ رَحِيمُ الْآخِرَةِ " .
فَهَذَانِ الْخَبِرَانِ قَدْ أَنْبَآ عَنْ فَرْقٍ مَا بَيْنَ تَسْمِيَةِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِاسْمِهِ الَّذِي هُوَ " رَحْمَنُ " ، وَتَسْمِيَتُهُ بِاسْمِهِ الَّذِي هُوَ " رَحِيمٌ " ، وَاخْتِلَافُ مَعْنَى الْكَلِمَتَيْنِ - وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ الْفَرْقِ ، فَدَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ، وَدَلَّ الْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ فِي الْآخِرَةِ .
فَإِنْ قَالَ : فَأَيُّ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ أَوْلَى عِنْدَكَ بِالصِّحَّةِ ؟ [1/128]
قِيلَ : لِجَمِيعِهِمَا عِنْدَنَا فِي الصِّحَّةِ مَخْرَجٌ ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ قَائِلٍ : أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي فِي تَسْمِيَةِ اللَّهِ بِالرَّحْمَنِ ، دُونَ الَّذِي فِي تَسْمِيَتِهِ بِالرَّحِيمِ : هُوَ أَنَّهُ بِالتَّسْمِيَةِ بِالرَّحْمَنِ مَوْصُوفٌ بِعُمُومِ الرَّحْمَةِ جَمِيعَ خَلْقِهِ ، وَأَنَّهُ بِالتَّسْمِيَةِ بِالرَّحِيمِ مَوْصُوفٌ بِخُصُوصِ الرَّحْمَةِ بَعْضَ خَلْقِهِ ، إِمَّا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ ، وَإِمَّا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ . فَلَا شَكَّ - إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - أَنَّ ذَلِكَ الْخُصُوصَ الَّذِي فِي وَصْفِهِ بِالرَّحِيمِ لَا يَسْتَحِيلُ عَنْ مَعْنَاهُ ، فِي الدُّنْيَا كَانَ ذَلِكَ أَوْ فِي الْآخِرَةِ ، أَوْ فِيهِمَا جَمِيعًا .
فَإِذَا كَانَ صَحِيحًا مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ - وَكَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ خَصَّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا بِمَا لَطَفَ بِهِمْ مِنْ تَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ لِطَاعَتِهِ ، وَالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرُسُلِهِ ، وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ ، مِمَّا خُذِلَ عَنْهُ مَنْ أَشْرَكَ بِهِ ، وَكَفَرَ وَخَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ ، وَرَكِبَ مَعَاصِيَهُ; وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ جَعَلَ ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، مَا أَعَدَّ فِي آجِلِ الْآخِرَةِ فِي جَنَّاتِهِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالْفَوْزِ الْمُبِينِ ، لِمَنْ آمَنَ بِهِ ، وَصَدَّقَ رُسُلَهُ ، وَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ ، خَالِصًا ، دُونَ مَنْ أَشْرَكَ وَكَفَرَ بِهِ - كَانَ بَيِّنًا أَنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ رَحْمَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، مَعَ مَا قَدْ عَمَّهُمْ بِهِ وَالْكُفَّارَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْإِفْضَالِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى جَمِيعِهِمْ ، فِي الْبَسْطِ فِي الرِّزْقِ ، وَتَسْخِيرِ السَّحَابِ بِالْغَيْثِ ، وَإِخْرَاجِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ ، وَصِحَّةِ الْأَجْسَامِ وَالْعُقُولِ ، وَسَائِرِ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُحْصَى ، الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ .
فَرَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ رَحْمَنُ جَمِيعِ خَلْقِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَرَحِيمُ الْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . فَأَمَّا الَّذِي عَمَّ جَمِيعَهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ رَحْمَتِهِ فَكَانَ رَحْمَانًا لَهُمْ بِهِ ، فَمَا ذَكَرْنَا مَعَ نَظَائِرِهِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إِلَى إِحْصَائِهَا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 34 ، وَسُورَةُ النَّحْلِ : 18 ] .
وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ ، فَالَّذِي عَمَّ جَمِيعَهُمْ بِهِ فِيهَا مِنْ رَحْمَتِهِ ، فَكَانَ لَهُمْ رَحْمَانًا ، تَسْوِيَتُهُ [1/129] بَيْنَ جَمِيعِهِمْ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي عَدْلِهِ وَقَضَائِهِ ، فَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ، وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ . فَذَلِكَ مَعْنَى عُمُومِهِ فِي الْآخِرَةِ جَمِيعَهُمْ بِرَحْمَتِهِ ، الَّذِي كَانَ بِهِ رَحْمَانًا فِي الْآخِرَةِ .
وَأَمَّا مَا خَصَّ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا مِنْ رَحْمَتِهِ ، الَّذِي كَانَ بِهِ رَحِيمًا لَهُمْ فِيهَا ، كَمَا قَالَ جُلَّ ذِكْرِهِ : وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : 43 ] فَمَا وَصَفْنَا مِنَ اللُّطْفِ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ ، فَخَصَّهُمْ بِهِ ، دُونَ مَنْ خَذَلَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ .
وَأَمَّا مَا خَصَّهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ ، فَكَانَ بِهِ رَحِيمًا لَهُمْ دُونَ الْكَافِرِينَ ، فَمَا وَصَفْنَا آنِفًا مِمَّا أَعَدَّ لَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّعِيمِ ، وَالْكَرَامَةِ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْهَا الْأَمَانِيُّ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ فِي تَأْوِيلِهِ فَهُوَ مَا : -
148 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الرَّحْمَنُ ، الْفِعْلَانُ مِنَ الرَّحْمَةِ ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ . قَالَ : الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ : الرَّقِيقُ الرَّفِيقُ بِمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْحَمَهُ ، وَالْبَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْنُفَ عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا .
وَهَذَا التَّأْوِيلُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي بِهِ رَبُّنَا رَحْمَنُ ، هُوَ الَّذِي بِهِ رَحِيمٌ ، وَإِنْ كَانَ لِقَوْلِهِ " الرَّحْمَنِ " مِنَ الْمَعْنَى ، مَا لَيْسَ لِقَوْلِهِ " الرَّحِيمِ " . لِأَنَّهُ جَعَلَ مَعْنَى " الرَّحْمَنِ " بِمَعْنَى الرَّقِيقِ عَلَى مَنْ رَقَّ عَلَيْهِ ، وَمَعْنَى " الرَّحِيمِ " بِمَعْنَى الرَّفِيقِ بِمَنْ رَفُقَ بِهِ .
وَالْقَوْلُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرْنَاهُ عَنِ الْعَرْزَمِيِّ ، أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَإِنْ [1/130] كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقًا مَعْنَاهُ مَعْنَى ذَلِكَ ، فِي أَنَّ لِلرَّحْمَنِ مِنَ الْمَعْنَى مَا لَيْسَ لِلرَّحِيمِ ، وَأَنَّ لِلرَّحِيمِ تَأْوِيلًا غَيْرَ تَأْوِيلِ الرَّحْمَنِ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا : -
149 - حَدَّثَنِي بِهِ عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الْكَلَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ نَصْرُ بْنُ عَمْرٍو اللَّخْمِيُّ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ يَقُولُ : كَانَ الرَّحْمَنُ ، فَلَمَّا اخْتَزَلَ الرَّحْمَنُ مِنِ اسْمِهِ كَانَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ .
وَالَّذِي أَرَادَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، عَطَاءٌ بِقَوْلِهِ هَذَا : أَنَّ الرَّحْمَنَ كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الَّتِي لَا يَتَسَمَّى بِهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ ، فَلَمَّا تَسَمَّى بِهِ الْكَذَّابُ مُسَيْلِمَةُ - وَهُوَ اخْتِزَالُهُ إِيَّاهُ ، يَعْنِي اقْتِطَاعَهُ مِنْ أَسْمَائِهِ لِنَفْسِهِ - أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ اسْمَهُ " الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ " لِيَفْصِلَ بِذَلِكَ لِعِبَادِهِ اسْمَهُ مِنِ اسْمِ مَنْ قَدْ تَسَمَّى بِأَسْمَائِهِ ، إِذْ كَانَ لَا يُسَمَّى أَحَدٌ " الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ " ، فَيُجْمَعُ لَهُ هَذَانِ الِاسْمَانِ ، غَيْرَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ . وَإِنَّمَا يَتَسَمَّى بَعْضُ خَلْقِهِ إِمَّا رَحِيمًا ، أَوْ يَتَسَمَّى رَحْمَنَ . فَأَمَّا " رَحْمَنُ رَحِيمٌ " ، فَلَمْ يَجْتَمِعَا قَطُّ لِأَحَدٍ سِوَاهُ ، وَلَا يُجْمَعَانِ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ . فَكَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ عَطَاءٍ هَذَا : أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا فَصَلَ بِتَكْرِيرِ الرَّحِيمِ عَلَى الرَّحْمَنِ ، بَيْنَ اسْمِهِ وَاسْمِ غَيْرِهِ مِنْ خَلْقِهِ ، اخْتَلَفَ مَعْنَاهُمَا أَوِ اتَّفَقَا .
وَالَّذِي قَالَ عَطَاءٌ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ فَاسِدِ الْمَعْنَى ، بَلْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَصَّ نَفْسَهُ بِالتَّسْمِيَةِ بِهِمَا مَعًا مُجْتَمِعَيْنَ ، إِبَانَةً لَهَا مِنْ خَلْقِهِ ، لِيَعْرِفَ عِبَادُهُ بِذِكْرِهِمَا مَجْمُوعَيْنِ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِذِكْرِهِمَا دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنْ خَلْقِهِ ، مَعَ مَا فِي تَأْوِيلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ فِي الْآخَرِ مِنْهُمَا . [1/131]
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْغَبَاءِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ " الرَّحْمَنَ " ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي لُغَتِهَا وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 60 ] ، إِنْكَارًا مِنْهُمْ لِهَذَا الِاسْمِ ، كَأَنَّهُ كَانَ مُحَالًا عِنْدَهُ أَنْ يُنْكِرَ أَهْلُ الشِّرْكِ مَا كَانُوا عَالِمِينَ بِصِحَّتِهِ ، أَوْ : لَا ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتْلُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَوْلَ اللَّهِ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ - يَعْنِي مُحَمَّدًا - كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 146 ] وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ بِهِ مُكَذِّبُونَ ، وَلِنُبُوَّتِهِ جَاحِدُونَ! فَيَعْلَمَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يُدَافِعُونَ حَقِيقَةً مَا قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ ، وَاسْتَحْكَمَتْ لَدَيْهِمْ مَعْرِفَتُهُ . وَقَدْ أُنْشِدَ لِبَعْضِ الْجَاهِلِيَّةِ الْجَهْلَاءِ :
أَلَا ضَرَبَتْ تِلْكَ الْفَتَاةُ هَجِينَهَا
أَلَا قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا

وَقَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ السَّعْدِيُّ :
عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا عَجْلَتَيْنَا عَلَيْكُمُ
وَمَا يَشَأِ الرَّحْمَنُ يَعْقِدْ وَيُطْلِقُ
[1/132]
وَقَدْ زَعَمَ أَيْضًا بَعْضُ مَنْ ضَعُفَتْ مَعْرِفَتُهُ بِتَأْوِيلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، وَقَلَّتْ رِوَايَتُهُ لِأَقْوَالِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ ، أَنَّ " الرَّحْمَنَ " مَجَازُهُ : ذُو الرَّحْمَةِ ، وَ " الرَّحِيمَ " مَجَازُهُ : الرَّاحِمُ ، ثُمَّ قَالَ : قَدْ يُقَدِّرُونَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ لَفْظٍ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَذَلِكَ لِاتِّسَاعِ الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ . قَالَ : وَقَدْ فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالُوا : نَدْمَانُ وَنَدِيمٌ ، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ بِبَيْتِ بُرْجِ بْنِ مُسْهِرٍ الطَّائِيِّ :
وَنَدْمَانٍ يَزِيدُ الْكَأَسَ طِيبًا ،
سَقَيْتُ وَقَدْ تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ

وَاسْتَشْهَدَ بِأَبْيَاتِ نَظَائِرِهِ فِي النَّدِيمِ وَالنَّدْمَانِ ، فَفَرَّقَ بَيْنَ مَعْنَى الرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ فِي التَّأْوِيلِ لِقَوْلِهِ : الرَّحْمَنُ ذُو الرَّحْمَةِ ، وَالرَّحِيمُ الرَّاحِمُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ بَيَانَ تَأْوِيلِ مَعْنَيَيْهِمَا عَلَى صِحَّتِهِ . ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِاللَّفْظَيْنِ يَأْتِيَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَعَادَ إِلَى مَا قَدْ جَعَلَهُ بِمَعْنَيَيْنِ ، فَجَعَلَهُ مِثَالَ مَا هُوَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ .
وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَا الرَّحْمَةِ هُوَ الَّذِي ثَبَتَ أَنَّ لَهُ الرَّحْمَةَ ، وَصَحَّ أَنَّهَا لَهُ صِفَةٌ; وَأَنَّ الرَّاحِمَ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ سَيَرْحَمُ ، أَوْ قَدْ رَحِمَ فَانْقَضَى ذَلِكَ مِنْهُ ، أَوْ هُوَ فِيهِ .
وَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِ حِينَئِذٍ أَنَّ الرَّحْمَةَ لَهُ صِفَةٌ ، كَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهَا لَهُ صِفَةٌ ، إِذَا وُصِفَ بِأَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ . فَأَيْنَ مَعْنَى " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " عَلَى تَأْوِيلِهِ ، مِنْ مَعْنَى الْكَلِمَتَيْنِ تَأْتِيَانِ مُقَدَّرَتَيْنِ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ وَاتِّفَاقِ الْمَعَانِي ؟ وَلَكِنَّ الْقَوْلَ إِذَا كَانَ غَيْرَ أَصْلٍ مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ ، كَانَ وَاضِحًا عَوَارُهُ .
وَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَلِمَ قَدَّمَ اسْمَ اللَّهِ الَّذِي هُوَ " اللَّهُ " ، عَلَى اسْمِهِ الَّذِي هُوَ " الرَّحْمَنُ " ، وَاسْمَهُ الَّذِي هُوَ " الرَّحْمَنُ " ، عَلَى اسْمِهِ الَّذِي هُوَ " الرَّحِيمُ " ؟
قِيلَ : لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ ، إِذَا أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْ مُخْبَرٍ عَنْهُ ، أَنْ يُقَدِّمُوا اسْمَهُ ، ثُمَّ يُتْبِعُوهُ صِفَاتِهِ وَنُعُوتَهُ . وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي الْحُكْمِ : أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ مُقَدَّمًا قَبْلَ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ ، لِيَعْلَمَ السَّامِعُ الْخَبَرَ ، عَمَّنِ الْخَبَرُ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - [1/133] وَكَانَ لِلَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ أَسْمَاءٌ قَدْ حَرَّمَ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يَتَسَمَّوْا بِهَا ، خَصَّ بِهَا نَفْسَهُ دُونَهُمْ ، وَذَلِكَ مِثْلُ " اللَّهِ " وَ " الرَّحْمَنِ " وَ " الْخَالِقِ " ; وَأَسْمَاءٌ أَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يُسَمِّيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِهَا ، وَذَلِكَ : كَالرَّحِيمِ وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ وَالْكَرِيمِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ - كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تُقَدَّمَ أَسْمَاؤُهُ الَّتِي هِيَ لَهُ خَاصَّةً دُونَ جَمِيعِ خَلْقِهِ ، لِيَعْرِفَ السَّامِعُ ذَلِكَ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْحَمْدُ وَالتَّمْجِيدُ ، ثُمَّ يُتْبِعُ ذَلِكَ بِأَسْمَائِهِ الَّتِي قَدْ تَسَمَّى بِهَا غَيْرُهُ ، بَعْدَ عِلْمِ الْمُخَاطَبِ أَوِ السَّامِعِ مَنْ تُوَجَّهُ إِلَيْهِ مَا يَتْلُو ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي . فَبَدَأَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ لِأَنَّ الْأُلُوهِيَّةَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، لَا مِنْ جِهَةِ التَّسَمِّي بِهِ ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى . وَذَلِكَ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى " اللَّهِ " تَعَالَى ذِكْرُهُ الْمَعْبُودُ ، وَلَا مَعْبُودَ غَيْرُهُ جَلَّ جَلَالُهُ ، وَأَنَّ التَّسَمِّيَ بِهِ قَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَإِنْ قَصَدَ الْمُتَسَمِّي بِهِ مَا يَقْصِدُ الْمُتَسَمِّي بِسَعِيدٍ وَهُوَ شَقِيٌّ ، وَبِحَسَنٍ وَهُوَ قَبِيحٌ .
أَوَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ قَالَ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ : أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ فَاسْتَكْبَرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُقِرِّ بِهِ ، وَقَالَ تَعَالَى فِي خُصُوصِهِ نَفْسَهُ بِاللَّهِ وَبِالرَّحْمَنِ : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 110 ] . ثُمَّ ثَنَّى بِاسْمِهِ ، الَّذِي هُوَ الرَّحْمَنُ ، إِذْ كَانَ قَدْ مَنَعَ أَيْضًا خَلْقَهُ التَّسَمِّيَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ قَدْ يَسْتَحِقُّ تَسْمِيَتَهُ بِبَعْضِ مَعَانِيهِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ وَصْفُ كَثِيرٍ مِمَّنْ هُوَ دُونَ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ ، بِبَعْضِ صِفَاتِ الرَّحْمَةِ . وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَسْتَحِقَّ بَعْضَ الْأُلُوهِيَّةِ أَحَدٌ دُونَهُ . فَلِذَلِكَ جَاءَ الرَّحْمَنُ ثَانِيًا لِاسْمِهِ الَّذِي هُوَ " اللَّهِ " .
وَأَمَّا اسْمُهُ الَّذِي هُوَ " الرَّحِيمِ " فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مِمَّا هُوَ جَائِزٌ وَصْفُ غَيْرِهِ بِهِ . وَالرَّحْمَةُ مِنْ صِفَاتِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ، فَكَانَ - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - وَاقِعًا مَوَاقِعَ نُعُوتِ الْأَسْمَاءِ اللَّوَاتِي هُنَّ تَوَابِعُهَا ، بَعْدَ تَقَدُّمِ الْأَسْمَاءِ عَلَيْهَا . فَهَذَا وَجْهُ تَقْدِيمِ اسْمِ اللَّهِ [1/133] الَّذِي هُوَ " اللَّهِ " ، عَلَى اسْمِهِ الَّذِي هُوَ " الرَّحْمَنِ " ، وَاسْمِهِ الَّذِي هُوَ " الرَّحْمَنِ " عَلَى اسْمِهِ الَّذِي هُوَ " الرَّحِيمِ " .
وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ فِي " الرَّحْمَنِ " مِثْلَ مَا قُلْنَا ، أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الَّتِي مَنَعَ التَّسَمِّيَ بِهَا الْعِبَادَ .
150 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : " الرَّحْمَنِ " اسْمٌ مَمْنُوعٌ .
مَعَ أَنَّ فِي إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مِنْ مَنْعِ التَّسَمِّي بِهِ جَمِيعَ النَّاسِ ، مَا يُغْنِي عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ