|
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( 153 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ " ، يَعْنِي : فَجَازَاكُمْ بِفِرَارِكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ ، وَفَشَلِكُمْ عَنْ عَدُوِّكُمْ ، وَمَعْصِيَتِكُمْ رَبَّكُمْ " غَمًّا بِغَمٍّ " ، يَقُولُ : غَمًّا عَلَى غَمٍّ . [7/304] وَسَمَّى الْعُقُوبَةَ الَّتِي عَاقَبَهُمْ بِهَا مِنْ تَسْلِيطِ عَدُّوِّهِمْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَالَ مِنْهُمْ مَا نَالَ " ثَوَابًا " ، إِذْ كَانَ عِوَضًا مِنْ عَمَلِهِمُ الَّذِي سَخِطَهُ وَلَمْ يَرْضَهُ مِنْهُمْ ، فَدَلَّ بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ كُلَّ عِوَضٍ كَانَ لِمُعَوَّضٍ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْعَمَلِ ، خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا أَوِ الْعِوَضِ الَّذِي بَذَلَهُ رَجُلٌ لِرَجُلٍ ، أَوْ يَدٍ سَلَفَتْ لَهُ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ اسْمَ " ثَوَابٍ " ، كَانَ ذَلِكَ الْعِوَضُ تَكْرِمَةً أَوْ عُقُوبَةً ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
| أَخَافُ زِيَادًا أَنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ | | أَدَاهِمَ سُودًا أَوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرَا | فَجَعَلَ " الْعَطَاءَ " الْقُيُودَ . وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِآخَرَ سَلَفَ إِلَيْهِ مِنْهُ مَكْرُوهٌ : " لَأُجَازِيَنَّكَ عَلَى فِعْلِكَ ، وَلَأُثِيبَنَّكَ ثَوَابَكَ " . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " غَمًّا بِغَمٍّ " ، فَإِنَّهُ قِيلَ : " غَمًّا بِغَمٍّ " ، مَعْنَاهُ : غَمًّا عَلَى غَمٍّ ، كَمَا قِيلَ : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [ سُورَةُ طَهَ : 71 ] ، بِمَعْنَى : وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ . وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ : " أَثَابَكَ اللَّهُ غَمًّا عَلَى غَمٍّ " ، جَزَاكَ اللَّهُ [7/305] غَمًّا بَعْدَ غَمٍّ تَقَدَّمَهُ ، فَكَانَ كَذَلِكَ مَعْنَى : " فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ " ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ : فَجَزَاكُمُ اللَّهُ غَمًّا بِعَقِبِ غَمٍّ تَقَدَّمَهُ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " نَزَلْتُ بِبَنِي فُلَانٍ ، وَنَزَلْتُ عَلَى بَنِي فُلَانٍ " ، " وَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ وَعَلَى السَّيْفِ " . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْغَمِّ الَّذِي أُثِيبَ الْقَوْمُ عَلَى الْغَمِّ ، وَمَا كَانَ غَمُّهُمُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : " أَمَّا الْغَمُّ الْأَوَّلُ ، فَكَانَ مَا تَحَدَّثَ بِهِ الْقَوْمُ أَنَّ نَبِيَّهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ . وَأَمَّا الْغَمُّ الْآخَرُ ، فَإِنَّهُ كَانَ مَا نَالَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ " . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8059 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ " ، كَانُوا تَحَدَّثُوا يَوْمَئِذٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُصِيبَ ، وَكَانَ الْغَمُّ الْآخَرُ قَتْلَ أَصْحَابِهِمْ وَالْجِرَاحَاتِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سِتَّةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَقَوْلُهُ : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ يَقُولُ : مَا فَاتَكُمْ مِنْ غَنِيمَةِ الْقَوْمِ " وَلَا مَا أَصَابَكُمْ " ، فِي أَنْفُسِكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحَاتِ . 8060 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ " ، قَالَ : فَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ : الْأُولَى حِينَ سَمِعُوا الصَّوْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ ، وَالثَّانِيَةُ حِينَ رَجَعَ الْكُفَّارُ ، فَضَرَبُوهُمْ مُدْبِرِينَ ، حَتَّى قَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا ثُمَّ انْحَازُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلُوا يُصْعِدُونَ فِي الْجَبَلِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ . [7/306] 8061 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، نَحْوَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : " بَلْ غَمُّهُمُ الْأَوَّلُ كَانَ قَتْلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ وَجَرْحَ مَنْ جُرِحَ مِنْهُمْ . وَالْغَمُّ الثَّانِي كَانَ مِنْ سَمَاعِهِمْ صَوْتَ الْقَائِلِ : " قُتِلَ مُحَمَّدٌ " ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8062 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " غَمًّا بِغَمٍّ " ، قَالَ : الْغَمُّ الْأَوَّلُ : الْجِرَاحُ وَالْقَتْلُ ، وَالْغَمُّ الثَّانِي حِينَ سَمِعُوا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ . فَأَنْسَاهُمُ الْغَمُّ الْآخَرُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ ، وَمَا كَانُوا يَرْجُونَ مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : " لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ " . 8063 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ " ، قَالَ : الْغَمُّ الْأَوَّلُ الْجِرَاحُ وَالْقَتْلُ ، وَالْغَمُّ الْآخَرُ حِينَ سَمِعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ . فَأَنْسَاهُمُ الْغَمُّ الْآخَرُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ ، وَمَا كَانُوا يَرْجُونَ مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ " . وَقَالَ آخَرُونَ : " بَلِ الْغَمُّ الْأَوَّلُ مَا كَانَ فَاتَهُمْ مِنَ الْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ ، وَالثَّانِي إِشْرَافُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَيْهِمْ فِي الشِّعْبِ . وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ - فِيمَا زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ - لَمَّا أَصَابَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابَ ، وَهَرَبَ الْمُسْلِمُونَ ، جَاءَ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَفِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِعْبِ أُحُدٍ ، الَّذِي كَانُوا وَلَّوْا إِلَيْهِ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ ، فَخَافُوا أَنْ يَصْطَلِمَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ . [7/307] ذِكْرُ الْخَبَرِ بِذَلِكَ : 8064 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ يَدْعُو النَّاسَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَصْحَابِ الصَّخْرَةِ . فَلَمَّا رَأَوْهُ ، وَضْعَ رَجُلٌ سَهْمًا فِي قَوْسِهِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْمِيَهُ ، فَقَالَ : " أَنَا رَسُولُ اللَّهِ! " ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ حِينَ وَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيًّا ، وَفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ رَأَى أَنَّ فِي أَصْحَابِهِ مَنْ يَمْتَنِعُ . فَلَمَّا اجْتَمَعُوا وَفِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ ذَهَبَ عَنْهُمُ الْحُزْنُ ، فَأَقْبَلُوا يَذْكُرُونَ الْفَتْحَ وَمَا فَاتَهُمْ مِنْهُ ، وَيَذْكُرُونَ أَصْحَابَهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا . فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ ، نَسُوا ذَلِكَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ ، وَهَمَّهُمْ أَبُو سُفْيَانَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا ، اللَّهُمَّ إِنْ تَقْتُلْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدُ " ! ثُمَّ نَدَبَ أَصْحَابَهُ فَرَمَوْهُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أَنْزَلُوهُمْ ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَئِذٍ : " اعْلُ هُبَلُ! حَنْظَلَةُ بِحَنْظَلَةَ ، وَيَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ " ! وَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ ، وَكَانَ جُنُبًا فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ، وَكَانَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : " لَنَا الْعُزَّى ، وَلَا عُزَّى لَكُمْ " ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعُمَرَ : " قُلِ اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ " ! فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : فِيكُمْ مُحَمَّدٌ؟ قَالُوا : نَعَمْ! قَالَ : " أَمَا إِنَّهَا قَدْ كَانَتْ فِيكُمْ مُثْلَةٌ ، مَا أَمَرْتُ بِهَا ، وَلَا نَهَيْتُ عَنْهَا ، وَلَا سَرَّتْنِي ، وَلَا سَاءَتْنِي " ! فَذَكَرَ اللَّهُ إِشْرَافَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : " فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ " ، الْغَمُّ الْأَوَّلُ : مَا فَاتَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَتْحِ ، وَالْغَمُّ الثَّانِي : [7/308] إِشْرَافُ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ " لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ " ، مِنَ الْغَنِيمَةِ " وَلَا مَا أَصَابَكُمْ " مِنَ الْقَتْلِ حِينَ تَذْكُرُونَ . فَشَغَلَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ . 8065 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا ، فِيمَا ذَكَرُوا مِنْ حَدِيثِ أُحُدٍ ، قَالُوا : كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ - لِمَا أَصَابَهُمْ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ - أَثْلَاثًا ، ثُلُثٌ قَتِيلٌ ، وَثُلُثٌ جَرِيحٌ ، وَثُلُثٌ مُنْهَزِمٌ ، وَقَدْ بَلَغَتْهُ الْحَرْبُ حَتَّى مَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ وَحَتَّى خَلَصَ الْعَدُوُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدُثَّ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى وَقَعَ لِشِقِّهِ ، وَأُصِيبَتْ رَبَاعِيَتُهُ ، وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ ، وَكُلِمَتْ شَفَتُهُ ، وَكَانَ الَّذِي أَصَابَهُ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍّ . وَقَاتَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ لِوَاؤُهُ حَتَّى قُتِلَ ، وَكَانَ الَّذِي أَصَابَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ اللَّيْثِيُّ ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ : " قَتَلْتُ مُحَمَّدًا " . 8066 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ وَقَوْلِ النَّاسِ : " قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ [7/309] إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو بَنِي سَلَمَةَ قَالَ : عَرَفْتُ عَيْنَيْهِ تُزْهِرَانِ تَحْتَ الْمِغْفَرِ ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي : " يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ : أَبْشِرُوا ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ! فَأَشَارَ إِلَيَّ رُسُولُ اللَّهِ أَنْ أَنْصِتْ . فَلَمَّا عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَضُوا بِهِ ، وَنَهَضَ نَحْوَ الشِّعْبِ ، مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ ، فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . . قَالَ : فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْبِ وَمَعَهُ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِهِ ، إِذْ عَلَتْ عَالِيَةٌ مَنْ قُرَيْشٍ الْجَبَلَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا " ! فَقَاتَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَرَهْطٌ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، حَتَّى أَهْبَطُوهُمْ عَنِ الْجَبَلِ . وَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَخْرَةٍ مِنَ الْجَبَلِ لِيَعْلُوَهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَدَّنَ ، فَظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَنْهَضَ ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ ، جَلَسَ تَحْتَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، فَنَهَضَ حَتَّى اسْتَوَى عَلَيْهَا . . ثُمَّ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ حِينَ أَرَادَ الِانْصِرَافَ ، أَشْرَفَ عَلَى الْجَبَلِ ثُمَّ صَرَخَ بِأَعْلَى [7/310] صَوْتِهِ : " أَنْعَمْتَ فَعَالِ! إِنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ ، يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ ، اعْلُ هُبَلُ " ، أَيْ : أَظْهِرْ دِينَكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ : " قُمْ فَأَجِبْهُ ، فَقُلِ : اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ! لَا سَوَاءٌ! قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ " ! فَلَمَّا أَجَابَ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبَا سُفْيَانَ ، قَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ : " هَلُمَّ إِلَيَّ يَا عُمْرُ " ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ائْتِهِ فَانْظُرْ مَا شَأْنُهُ " ؟ فَجَاءَهُ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عُمْرُ ، أَقَتَلْنَا مُحَمَّدًا؟ فَقَالَ عُمْرُ : اللَّهُمَّ لَا وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ كَلَامَكَ الْآنَ! . فَقَالَ : أَنْتَ أَصْدَقُ عِنْدِي مِنِ ابْنِ قَمِيئَةَ وَأَبَرُّ! لِقَوْلِ ابْنِ قَمِيئَةَ لَهُمْ : إِنِّي قَتَلْتُ مُحَمَّدًا ثُمَّ نَادَى أَبُو سُفْيَانَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِي قَتْلَاكُمْ مُثْلَةٌ ، وَاللَّهِ مَا رَضِيتُ وَلَا سَخِطْتُ ، وَلَا نَهَيْتُ وَلَا أَمَرْتُ . [7/311] 8067 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ : " فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ " ، أَيْ : كَرْبًا بَعْدَ كَرْبٍ ، قَتْلُ مَنْ قُتِلَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ ، وَعُلُوُّ عَدُوِّكُمْ عَلَيْكُمْ ، وَمَا وَقَعَ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : " قُتِلَ نَبِيُّكُمْ " ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَتَابَعَ عَلَيْكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ " لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ " ، مِنْ ظُهُورِكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُمُوهُ بِأَعْيُنِكُمْ " وَلَا مَا أَصَابَكُمْ " مِنْ قَتْلِ إِخْوَانِكُمْ ، حَتَّى فَرَّجْتُ بِذَلِكَ الْكَرْبِ عَنْكُمْ " وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " ، وَكَانَ الَّذِي فَرَّجَ بِهِ عَنْهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْكَرْبِ وَالْغَمِّ الَّذِي أَصَابَهُمْ ، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَدَّ عَنْهُمْ كِذْبَةَ الشَّيْطَانِ بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ . فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، هَانَ عَلَيْهِمْ مَا فَاتَهُمْ مِنَ الْقَوْمِ بَعْدَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ ، وَالْمُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ فِي إِخْوَانِهِمْ ، حِينَ صَرَفَ اللَّهُ الْقَتْلَ عَنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 8068 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : " فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ " ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : أَصَابَ النَّاسَ حُزْنٌ وَغَمٌّ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ فِي أَصْحَابِهِمُ الَّذِينَ قُتِلُوا . فَلَمَّا تَوَلَّجُوا فِي الشِّعْبِ وَهُمْ مُصَابُونَ ، وَقَفَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ بِبَابِ الشِّعْبِ ، فَظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ أَنَّهُمْ سَوْفَ يَمِيلُونَ عَلَيْهِمْ [7/312] فَيَقْتُلُونَهُمْ أَيْضًا ، فَأَصَابَهُمْ حُزْنٌ فِي ذَلِكَ أَيْضًا أَنْسَاهُمْ حُزْنَهُمْ فِي أَصْحَابِهِمْ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَوْلُهُ : " عَلَى مَا فَاتَكُمْ " ، يَقُولُ : عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ غَنَائِمِ الْقَوْمِ " وَلَا مَا أَصَابَكُمْ " ، فِي أَنْفُسِكُمْ . 8069 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ . قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَمَنْ مَعَهُ ، حَتَّى وَقَفَ بِالشِّعْبِ ، ثُمَّ نَادَى : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ؟ فَسَكَتُوا ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : قُتِلَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! ثُمَّ قَالَ : أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ فَسَكَتُوا ، فَقَالَ : قُتِلَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! ثُمَّ قَالَ : أَفِي الْقَوْمِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؟ فَسَكَتُوا ، فَقَالَ : قُتِلَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : اعْلُ هُبَلُ ، يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ ، وَحَنْظَلَةُ بِحَنْظَلَةَ ، وَأَنْتُمْ وَاجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثَلًا لَمْ يَكُنْ عَنْ رَأْيِ سَرَاتِنَا وَخِيَارِنَا ، وَلَمْ نَكْرَهْهُ حِينَ رَأَيْنَاهُ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : قُمْ فَنَادِ فَقُلِ : اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ! نَعَمْ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ ، وَهَا أَنَا ذَا! لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ ! . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : - [7/313] 8070 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ " ، فَرَجَعُوا فَقَالُوا : وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ ، ثُمَّ لَنَقْتُلَنَّهُمْ! قَدْ جَرَحُوا مِنَّا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْلًا; فَإِنَّمَا أَصَابَكُمُ الَّذِي أَصَابَكُمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمْ عَصَيْتُمُونِي ! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمُ الْقَوْمُ قَدِ ائْتَشَبُوا وَقَدِ اخْتَرَطُوا سُيُوفَهُمْ ، فَكَانَ غَمُّ الْهَزِيمَةِ وَغَمُّهُمْ حِينَ أَتَوْهُمْ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ " وَلَا مَا أَصَابَكُمْ " ، مِنَ الْجِرَاحَةِ " فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا " الْآيَةَ ، وَهُوَ يَوْمُ أُحُدٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : " مَعْنَى قَوْلِهِ : " فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ " أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، بِحِرْمَانِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ غَنِيمَةَ الْمُشْرِكِينَ وَالظَّفَرَ بِهِمْ ، وَالنَّصْرَ عَلَيْهِمْ ، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ يَوْمَئِذٍ - بَعْدَ الَّذِي كَانَ قَدْ أَرَاكُمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَا تُحِبُّونَ - بِمَعْصِيَتِكُمْ رَبَّكُمْ وَخِلَافِكُمْ أَمْرَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، غَمَّ ظَنِّكُمْ أَنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ ، وَمَيْلِ الْعَدُوِّ عَلَيْكُمْ بَعْدَ فُلُولِكُمْ مِنْهُمْ . . وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مِمَّا خَالَفَهُ ، قَوْلُهُ : [7/314] " لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ " ، وَالْفَائِتُ ، لَا شَكَّ أَنَّهُ هُوَ مَا كَانُوا رَجَوُا الْوُصُولَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِمْ ، إِمَّا مِنْ ظُهُورٍ عَلَيْهِمْ بِغَلَبِهِمْ ، وَإِمَّا مِنْ غَنِيمَةٍ يَحْتَازُونَهَا وَأَنَّ قَوْلَهُ : " وَلا مَا أَصَابَكُمْ " ، هُوَ مَا أَصَابَهُمْ : إِمَّا فِي أَبْدَانِهِمْ ، وَإِمَّا فِي إِخْوَانِهِمْ . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ " الْغَمَّ " الثَّانِيَ هُوَ مَعْنًى غَيْرُ هَذَيْنِ . لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ أَثَابَهُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِئَلَّا يُحْزِنَهُمْ مَا نَالَهُمْ مِنَ الْغَمِّ النَّاشِئِ عَمَّا فَاتَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَلَا مَا أَصَابَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَهُوَ الْغَمُّ الْأَوَّلُ ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَاهُ قَبْلُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ " ، فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ ، مِنْ أَنَّهُ : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ " ، فَلَمْ تُدْرِكُوهُ مِمَّا كُنْتُمْ تَرْجُونَ إِدْرَاكَهُ مِنْ عَدُوِّكُمْ بِالظَّفَرِ عَلَيْهِمْ وَالظُّهُورِ ، وَحِيَازَةِ غَنَائِمِهِمْ " وَلَا مَا أَصَابَكُمْ " ، فِي أَنْفُسِكُمْ . مِنْ جُرْحِ مَنْ جُرِحَ وَقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ قَبْلُ عَلَى السَّبِيلِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ، كَمَا : - 8071 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ " ، قَالَ : عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ الَّتِي كُنْتُمْ تَرْجُونَ " وَلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا أَصَابَكُمْ " ، مِنَ الْهَزِيمَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاللَّهُ بِالَّذِي تَعْمَلُونَ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ - مِنْ إِصْعَادِكُمْ فِي الْوَادِي هَرَبًا مِنْ عَدُوِّكُمْ ، وَانْهِزَامِكُمْ [7/315] مِنْهُمْ ، وَتَرْكِكُمْ نَبِيَّكُمْ وَهُوَ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ، وَحُزْنِكُمْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَمَا أَصَابَكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ذُو خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ ، وَهُوَ مُحْصٍ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَيْكُمْ ، حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ : الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ ، أَوْ يَعْفُوَ عَنْهُ .
|
|
|