[7/424] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ( 179 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ " ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَدَعَ الْمُؤْمِنِينَ " عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ " مِنَ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِ مِنْكُمْ بِالْمُنَافِقِ ، فَلَا يُعْرَفُ هَذَا مِنْ هَذَا " حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ " ، يُعْنَى بِذَلِكَ : " حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ " وَهُوَ الْمُنَافِقُ الْمُسْتَسِرُّ لِلْكُفْرِ " مِنَ الطَّيِّبِ " ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الْمُخْلِصُ الصَّادِقُ الْإِيمَانِ ، بِالْمِحَنِ وَالِاخْتِبَارِ ، كَمَا مَيَّزَ بَيْنَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ إِلَيْهِمْ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي " الْخَبِيثِ " الَّذِي عَنَى اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ ، مِثْلَ قَوْلِنَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
8268 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : [7/425] " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ " ، قَالَ : مَيَّزَ بَيْنَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ ، الْمُنَافِقَ مِنَ الْمُؤْمِنِ .
8269 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ " ، قَالَ : ابْنُ جُرَيْجٍ ، يَقُولُ : لِيُبَيِّنَ الصَّادِقَ بِإِيمَانِهِ مِنَ الْكَاذِبِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : يَوْمَ أُحُدٍ ، مَيَّزَ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، الْمُنَافِقَ عَنِ الْمُؤْمِنِ .
8270 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ " ، أَيِ : الْمُنَافِقِينَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : حَتَّى يَمِيزَ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
8271 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ " ، يَعْنِي الْكُفَّارَ . يَقُولُ : لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَدَعَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ : " حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ " ، يَمِيزَ بَيْنَهُمْ فِي الْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ .
8272 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ " ، قَالَ : حَتَّى يَمِيزَ الْفَاجِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ .
8273 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ " [7/426] قَالُوا : " إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا ، فَلْيُخْبِرْنَا بِمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَنْ يَكْفُرُ " !! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ " ، حَتَّى يُخْرِجَ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، لِأَنَّ الْآيَاتِ قَبْلَهَا فِي ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ ، وَهَذِهِ فِي سِيَاقَتِهَا . فَكَوْنُهَا بِأَنْ تَكُونَ فِيهِمْ ، أَشْبَهُ مِنْهَا بِأَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِهِمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : -
8274 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ " ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَ مُحَمَّدًا عَلَى الْغَيْبِ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ اجْتَبَاهُ فَجَعَلَهُ رَسُولًا .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
8275 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حَمِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ " ، أَيْ : فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ بِهِ ، لِتَحْذَرُوا مَا يَدْخُلُ [7/427] عَلَيْكُمْ فِيهِ " وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ " ، يَعْلَمُهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِتَأْوِيلِهِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ضَمَائِرِ قُلُوبِ عِبَادِهِ ، فَتَعْرِفُوا الْمُؤْمِنَ مِنْهُمْ مَنِ الْمُنَافِقِ وَالْكَافِرِ ، وَلَكِنَّهُ يُمَيِّزُ بَيْنَهُمْ بِالْمِحَنِ وَالِابْتِلَاءِ كَمَا مَيَّزَ بَيْنَهُمْ بِالْبَأْسَاءِ يَوْمَ أُحُدٍ وَجِهَادِ عَدُوِّهِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ الْمِحَنِ ، حَتَّى تَعْرِفُوا مُؤْمِنَهُمْ وَكَافِرَهُمْ وَمُنَافِقَهُمْ . غَيْرَ أَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَيَصْطَفِيهِ ، فَيُطْلِعُهُ عَلَى بَعْضِ مَا فِي ضَمَائِرِ بَعْضِهِمْ ، بِوَحْيِهِ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَرِسَالَتِهِ ، كَمَا : -
8276 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ " ، قَالَ : يُخَلِّصُهُمْ لِنَفْسِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا التَّأْوِيلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، لِأَنَّ ابْتِدَاءَهَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ تَارِكٍ عِبَادَهُ - يَعْنِي بِغَيْرِ مِحَنٍ - حَتَّى يُفَرِّقَ بِالِابْتِلَاءِ بَيْنَ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ وَأَهْلِ نِفَاقِهِمْ . ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ " ، فَكَانَ فِيمَا افْتُتِحَ بِهِ مِنْ صِفَةِ إِظْهَارِ اللَّهِ نِفَاقَ الْمُنَافِقِ وَكُفْرَ الْكَافِرِ ، دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَلِيَ ذَلِكَ هُوَ الْخَبَرُ عَنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُطْلِعَهُمْ عَلَى مَا يَخْفَى عَنْهُمْ مِنْ بَاطِنِ سَرَائِرِهِمْ ، إِلَّا بِالَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ مُمَيِّزٌ بِهِ نَعْتَهُمْ إِلَّا مَنِ اسْتَثْنَاهُ مِنْ رُسُلِهِ الَّذِي خَصَّهُ بِعِلْمِهِ .
[7/428] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 179 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " وَإِنْ تُؤْمِنُوا " ، وَإِنْ تُصَدِّقُوا مَنِ اجْتَبَيْتُهُ مِنْ رُسُلِي بِعِلْمِي وَأَطْلَعْتُهُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْكُمْ " وَتَتَّقُوا " رَبَّكُمْ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ نَبِيُّكُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ " فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ " ، يَقُولُ : فَلَكُمْ بِذَلِكَ مِنْ إِيمَانِكُمْ وَاتِّقَائِكُمْ رَبَّكُمْ ، ثَوَابٌ عَظِيمٌ ، كَمَا : -
8277 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : " فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا " ، أَيْ : تَرْجِعُوا وَتَتُوبُوا " فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ " .