الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ ( 16 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا ، يَقُولُ : يَأْتِيَانِ الْفَاحِشَةَ . وَ " الْهَاءُ " وَ " الْأَلْفُ " فِي قَوْلِهِ : " يَأْتِيَانِهَا " عَائِدَةٌ عَلَى " الْفَاحِشَةِ " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ وَالْمَعْنَى : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِ مِنْكُمُ الْفَاحِشَةَ فَآذُوهُمَا .

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ : " وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُمَا الْبِكْرَانِ اللَّذَانِ لَمْ يُحْصَنَا ، وَهُمَا غَيْرُ اللَّاتِي عُنِينَ بِالْآيَةِ قَبْلَهَا . وَقَالُوا : قَوْلُهُ : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ مَعْنِيٌّ بِهِ الثَّيِّبَاتُ الْمُحْصَنَاتُ بِالْأَزْوَاجِ - وَقَوْلُهُ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ يُعْنى بِهِ الْبِكْرَانِ غَيْرُ الْمُحْصَنَينِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
8812 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ حَدَّثَنَا [8/82] أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ذَكَرَ الْجَوَارِيَ وَالْفِتْيَانَ الَّذِينَ لَمْ يَنْكِحُوا فَقَالَ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا
8813 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ الْبِكْرَيْنِ فَآذُوهُمَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِقَوْلِهِ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ الرَّجُلَانِ الزَّانِيَانِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
8814 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا قَالَ : الرَّجُلَانِ الْفَاعِلَانِ لَا يُكَنِّي .
8815 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ الزَّانِيَانِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ بَكْرٌ دُونَ ثَيِّبٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
8816 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا قَالَ : الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ .
8817 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ إِلَى قَوْلِهِ : أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا فَذَكَرَ الرَّجُلَ بَعْدَ [8/83] الْمَرْأَةِ ، ثُمَّ جَمَعَهُمَا جَمِيعًا فَقَالَ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا
8818 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ ، قَوْلَهُ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ قَالَ : هَذِهِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ قَوْلُ مَنْ قَالَ : " عُنِيَ بِهِ الْبِكْرَانِ غَيْرُ الْمُحْصَنَيْنِ إِذَا زَنَيَا ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا رَجُلًا وَالْآخَرُ امْرَأَةً " لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْصُودًا بِذَلِكَ قَصْدُ الْبَيَانِ عَنْ حُكْمِ الزُّنَاةِ مِنَ الرِّجَالِ ، كَمَا كَانَ مَقْصُودًا بِقَوْلِهِ : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ قَصْدُ الْبَيَانِ عَنْ حُكْمِ الزَّوَانِي ، لَقِيلَ : " وَالَّذِينَ يَأْتُونَهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمْ " أَوْ قِيلَ : " وَالَّذِي يَأْتِيهَا مِنْكُمْ " كَمَا قِيلَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ فَأَخْرَجَ ذِكْرَهُنَّ عَلَى الْجَمِيعِ ، وَلَمْ يَقُلْ : " وَاللَّتَانِ يَأْتِيَانِ الْفَاحِشَةَ " .
وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ إِذَا أَرَادَتِ الْبَيَانَ عَلَى الْوَعِيدِ عَلَى فِعْلٍ أَوِ الْوَعْدِ عَلَيْهِ ، أَخْرَجَتْ أَسْمَاءَ أَهْلِهِ بِذِكْرِ الْجَمِيعِ أَوِ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاحِدَ يَدُلُّ عَلَى جِنْسِهِ وَلَا تُخْرِجُهَا بِذِكْرِ اثْنَيْنِ . فَتَقُولُ : " الَّذِينَ يَفْعَلُونَ كَذَا فَلَهُمْ كَذَا " " وَالَّذِي يَفْعَلُ كَذَا فَلَهُ كَذَا " وَلَا تَقُولُ : " اللَّذَانِ يَفْعَلَانِ كَذَا فَلَهُمَا كَذَا " إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلًا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، كَالزِّنَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ زَانٍ وَزَانِيَةٍ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ قِيلَ بِذِكْرِ الِاثْنَيْنِ ، يُرَادُ بِذَلِكَ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ . فَأَمَّا أَنْ يُذْكَرَ بِذِكْرِ الِاثْنَيْنِ ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ شَخْصَانِ فِي فِعْلٍ قَدْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهِ ، أَوْ فِي فِعْلٍ لَا يَكُونَانِ فِيهِ مُشْتَرِكِينَ ، فَذَلِكَ مَا لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِهَا .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَبَيِّنٌ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : " عُنِيَ بِقَوْلِهِ : " وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمُ الرَّجُلَانِ " وَصِحَّةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ .
[8/84] وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمَا غَيْرُ اللَّوَاتِي تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِهِنَّ فِي قَوْلِهِ : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ لِأَنَّ هَذَيْنَ اثْنَانِ ، وَأُولَئِكَ جَمَاعَةٌ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَبْسَ كَانَ لِلثَّيِّبَاتِ عُقُوبَةً حَتَّى يَتَوَفَّيْنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا لِأَنَّهُ أَغْلَظُ فِي الْعُقُوبَةِ مِنَ الْأَذَى الَّذِي هُوَ تَعْنِيفٌ وَتَوْبِيخٌ أَوْ سَبٌّ وَتَعْيِيرٌ ، كَمَا كَانَ السَّبِيلُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُنَّ مِنَ الرَّجْمِ ، أَغْلَظُ مِنَ السَّبِيلِ الَّتِي جُعِلَتْ لِلْأَبْكَارِ مِنْ جَلْدِ الْمِائَةِ وَنَفْيِ السَّنَةِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ( 16 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي " الْأَذَى " الَّذِي كَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَهُ عُقُوبَةً لِلَّذِينِ يَأْتِيَانِ الْفَاحِشَةَ ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمَا سَبِيلًا مِنْهُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ الْأَذَى ، أَذًى بِالْقَوْلِ وَاللِّسَانِ ، كَالتَّعْيِيرِ وَالتَّوْبِيخِ عَلَى مَا أَتَيَا مِنَ الْفَاحِشَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
8819 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " فَآذُوهُمَا " قَالَ : كَانَا يؤذَيَانِ بِالْقَوْلِ جَمِيعًا .
8820 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا فَكَانَتِ الْجَارِيَةُ وَالْفَتَى إِذَا زَنَيَا يُعَنَّفَانِ وَيُعَيَّرَانِ حَتَّى يَتْرُكَا ذَلِكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ ذَلِكَ الْأَذَى ، أَذَى اللِّسَانِ ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ سَبًّا .
[8/85] ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
8821 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَآذُوهُمَا " يَعْنِي : سَبًّا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ الْأَذَى بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
8822 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَنَى أُوذِيَ بِالتَّعْيِيرِ وَضُرِبَ بِالنِّعَالِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ كَانَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَذَى الزَّانِيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، إِذَا أَتَيَا ذَلِكَ وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ . وَ " الْأَذَى " قَدْ يَقَعُ لِكُلِّ مَكْرُوهٍ نَالَ الْإِنْسَانَ ، مِنْ قَوْلٍ سَيِّئٍ بِاللِّسَانِ أَوْ فِعْلٍ . وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ بَيَانُ أَيِّ ذَلِكَ كَانَ أُمِرَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ ، وَلَا خَبَرَ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَقْلِ الْوَاحِدِ وَلَا نَقْلِ الْجَمَاعَةِ الْمُوجِبُ مَجِيئُهُمَا قَطْعَ الْعُذْرِ .
وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَذًى بِاللِّسَانِ أَوِ الْيَدِ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ أَذًى بِهِمَا . وَلَيْسَ فِي الْعِلْمِ بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَيٍّ - نَفْعٌ [8/86] فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا ، وَلَا فِي الْجَهْلِ بِهِ مَضَرَّةٌ ، إِذْ كَانَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - قَدْ نَسَخَ ذَلِكَ مِنْ مُحْكَمِهِ بِمَا أَوْجَبَ مِنَ الْحُكْمِ عَلَى عِبَادِهِ فِيهِمَا وَفِي اللَّاتِي قَبْلَهُمَا . فَأَمَّا الَّذِي أَوْجَبَ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ فِيهِمَا ، فَمَا أَوْجَبَ فِي " سُورَةِ النُّورِ : 2 " بِقَوْلِهِ : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ . وَأَمَّا الَّذِي أَوْجَبَ فِي اللَّاتِي قَبْلَهُمَا ، فَالرَّجْمُ الَّذِي قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ فِيهِمَا . وَأَجْمَعَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْفَاحِشَةِ مِنَ الزُّنَاةِ وَالزَّوَانِي سَبِيلًا بِالْحُدُودِ الَّتِي حَكَمَ بِهَا فِيهِمْ .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ نَسَخَ بِقَوْلِهِ : " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [ سُورَةُ النُّورِ : 2 ] ، قَوْلَهُ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
8823 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا قَالَ : كُلُّ ذَلِكَ نَسَخَتْهُ الْآيَةُ الَّتِي فِي " النُّورِ " بِالْحَدِّ الْمَفْرُوضِ .
8824 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا الْآيَةَ ، قَالَ : هَذَا نَسَخَتْهُ الْآيَةُ فِي " سُورَةِ النُّورِ " بِالْحَدِّ الْمَفْرُوضِ .
8825 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو تَمِيلَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ . عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَا : فِي قَوْلِهِ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا الْآيَةَ ، نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْجَلَدِ فَقَالَ : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [8/87] ) .
8826 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ، فَإِنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ رُجِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
8827 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ الْآيَةَ ، جَاءَتِ الْحُدُودُ فَنَسَخَتْهَا .
8828 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ : نَسَخَ الْحَدُّ هَذِهِ الْآيَةَ .
8829 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ الْآيَةَ ، قَالَ : نَسَخَتْهَا الْحُدُودُ ، وَقَوْلُهُ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ نَسَخَتْهَا الْحُدُودُ .
8830 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا الْآيَةَ ، ثُمَّ نُسِخَ هَذَا ، وَجُعِلَ السَّبِيلُ لَهَا إِذَا زَنَتْ وَهِيَ مُحْصَنَةٌ ، رُجِمَتْ وَأُخْرِجَتْ ، وَجَعَلَ السَّبِيلَ لِلذَّكَرِ جَلْدُ مِائَةٍ .
8831 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ قَالَ : نَسَخَتْهَا الْحُدُودُ .
[8/88] وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَإِنْ تَابَا مِنَ الْفَاحِشَةِ الَّتِي أَتَيَا فَرَاجَعَا طَاعَةَ اللَّهِ بَيْنَهُمَا " وَأَصْلَحَا " يَقُولُ : وَأَصْلَحَا دِينَهُمَا بِمُرَاجَعَةِ التَّوْبَةِ مِنْ فَاحِشَتِهِمَا ، وَالْعَمَلِ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا يَقُولُ : فَاصْفَحُوا عَنْهُمَا ، وَكُفُّوا عَنْهُمَا الْأَذَى الَّذِي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُؤْذُوهُمَا بِهِ عُقُوبَةً لَهُمَا عَلَى مَا أَتَيَا مِنَ الْفَاحِشَةِ ، وَلَا تُؤْذُوهُمَا بَعْدَ تَوْبَتِهِمَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا فَإِنَّهُ يَعْنِي : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ رَاجِعًا لِعَبِيدِهِ إِلَى مَا يُحِبُّونَ إِذَا هُمْ رَاجَعُوا مَا يُحِبُّ مِنْهُمْ مِنْ طَاعَتِهِ " رَحِيمًا " بِهِمْ ، يَعْنِي : ذَا رَحْمَةٍ وَرَأْفَةٍ .