الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ( 10 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مُعْتَدِلٌ عِنْدَ اللَّهِ مِنْكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، الَّذِي أَسَرَّ الْقَوْلَ ، وَالَّذِي جَهَرَ بِهِ ، وَالَّذِي هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ فِي ظُلْمَتِهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ يَقُولُ : وَظَاهِرٌ بِالنَّهَارِ فِي ضَوْئِهِ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . سَوَاءٌ عِنْدَهُ سِرُّ خَلْقِهِ وَعَلَانِيَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَسِرُّ عِنْدَهُ شَيْءٌ وَلَا يَخْفَى . [16/367]
يُقَالُ مِنْهُ : " سَرَبَ يَسْرُبُ سُرُوبًا " إِذَا ظَهَرَ ، كَمَا قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخُطَيْمِ :
أَنَّى سَرَيْتِ وَكُنْتِ غَيْرَ سَرُوبِ
وَتُقَرِّبُ الْأَحْلامُ غَيْرَ قَرِيبِ
يَقُولُ : كَيْفَ سَرَيْتِ بِاللَّيْلِ [ عَلَى ] بُعْدِ هَذَا الطَّرِيقِ ، وَلَمْ تَكُونِي تَبْرُزِينَ وَتَظْهَرِينَ؟
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : هُوَ السَّالِكُ فِي سِرْبِهِ : أَيْ فِي مَذْهَبِهِ وَمَكَانِهِ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي " السِّرْبِ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : " هُوَ آمِنٌ فِي سَرْبِهِ " بِفَتْحِ السِّينِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : " هُوَ آمِنٌ فِي سِرْبِهِ " بِكَسْرِ السِّينِ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
20202 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ) ، يَقُولُ : هُوَ صَاحِبُ رِيبَةٍ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ . وَإِذَا خَرَجَ بِالنَّهَارِ أَرَى النَّاسَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْإِثْمِ .
20203 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ، ظَاهِرٌ .
20204 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، فِي قَوْلِهِ : سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [16/368] قَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِهِمْ ، سَوَاءٌ مَنَ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ .
20205 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ : سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ قَالَ : مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ فِي بَيْتِهِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ، ذَاهِبٌ عَلَى وَجْهِهِ . عِلْمُهُ فِيهِمْ وَاحِدٌ .
20206 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ، يَقُولُ : السِّرُّ وَالْجَهْرُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ أَمَّا " الْمُسْتَخْفِي " فَفِي بَيْتِهِ ، وَأَمَّا " السَّارِبُ " الْخَارِجُ بِالنَّهَارِ حَيْثُمَا كَانَ . الْمُسْتَخْفِي غَيْبُهُ الَّذِي يَغِيبُ فِيهِ وَالْخَارِجُ ، عِنْدَهُ سَوَاءٌ .
20207 - . . . قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، فِي قَوْلِهِ : مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ قَالَ : رَاكِبٌ رَأْسَهُ فِي الْمَعَاصِي وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ قَالَ : ظَاهِرٌ بِالنَّهَارِ .
20208 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَوَاءٌ ، السِّرُّ عِنْدَهُ عَلَانِيَةٌ قَوْلُهُ : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ، أَيْ : فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ ، وَ " سَارِبٌ " أَيْ : ظَاهِرٌ بِالنَّهَارِ .
20209 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ : وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ قَالَ : ظَاهِرٌ بِالنَّهَارِ .
وَ " مَنْ " فِي قَوْلِهِ : مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ رَفْعُ الْأُولَى مِنْهُنَّ بِقَوْلِهِ : " سَوَاءٌ " . وَالثَّانِيَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْأُولَى ، وَالثَّالِثَةُ عَلَى الثَّانِيَةِ .