الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ( 52 )
[17/221] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلِلَّهِ مُلْكُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي يَرْزُقُهُمْ ، وَبِيَدِهِ حَيَاتُهُمْ وَمَوْتُهُمْ . وَقَوْلُهُ : وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَهُ الطَّاعَةُ وَالْإِخْلَاصُ دَائِمًا ثَابِتًا وَاجِبًا ، يُقَالُ مِنْهُ : وَصَبَ الدِّينُ يَصِبُ وُصُوبًا وَوَصْبًا كَمَا قَالَ الدِّيلِيُّ :
لَا أَبْتَغِي الْحَمْدَ الْقَلِيلَ بَقَاؤُهُ
يَوْمًا بِذَمِّ الدَّهْرِ أَجْمَعَ وَاصِبًا
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ، وَقَوْلُ حَسَّانَ :
غَيَّرَتْهُ الرِّيحُ تَسْفِي بِهِ
وَهَزِيمٌ رَعْدُهُ وَاصِبُ
فَأَمَّا مِنَ الْأَلَمِ ، فَإِنَّمَا يُقَالُ : وَصَبَ الرَّجُلُ يُوصِبُ وَصْبَا ، وَذَلِكَ إِذَا أَعْيَا وَمَلَّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
لَا يَغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أَيْنٍ وَلَا وَصَبٍ
وَلَا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ
[17/222] وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْوَاصِبِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ ، مَا قُلْنَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ قَيْسٍ عَنِ الْأَغَرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا قَالَ : دَائِمًا .
حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، فِي قَوْلِهِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا قَالَ : دَائِمًا .
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ النُّعْمَانِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : دَائِمًا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ وَرْقَاءَ وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : ثَنَا شِبْلٌ جَمِيعًا ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا قَالَ : دَائِمًا .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا قَالَ : دَائِمًا .
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا قَالَ : دَائِمًا .
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، مِثْلَهُ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا : أَيْ دَائِمًا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا عَبَدَهُ طَائِعًا أَوْ كَارِهًا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ( وَاصِبًا ) قَالَ : دَائِمًا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ عَذَابٌ وَاصِبٌ أَيْ دَائِمٌ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ [17/223] وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا قَالَ : دَائِمًا ، وَالْوَاصِبُ : الدَّائِمُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْوَاصِبُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْوَاجِبُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ يَعَلَى بْنِ النُّعْمَانِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا قَالَ : وَاجِبًا .
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ : مَعْنَى الدِّينِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْإِخْلَاصُ . وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى الدِّينِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : ثَنَا عِيسَى ، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ ، قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : ثَنَا شِبْلٌ وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ وَرْقَاءَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا قَالَ : الْإِخْلَاصُ .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : الدِّينُ : الْإِخْلَاصُ .
وَقَوْلُهُ : أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَيُّهَا النَّاسُ تَتَّقُونَ ، أَيْ تَرْهَبُونَ وَتَحْذَرُونَ أَنْ يَسْلُبَكُمْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِإِخْلَاصِكُمُ الْعِبَادَةَ لِرَبِّكُمْ ، وَإِفْرَادِكُمُ الطَّاعَةَ لَهُ ، وَمَا لَكُمْ نَافِعٌ سِوَاهُ .