[24/265] [24/266] [24/267] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ( 1 ) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ( 2 ) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ( 3 ) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ( 4 ) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ( 5 ) .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ انْشَقَّتْ ، وَإِذَا كَوَاكِبُهَا انْتَثَرَتْ مِنْهَا فَتَسَاقَطَتْ ، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ يَقُولُ : فُجِّرَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ ، فَمَلَأَ جَمِيعَهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلَيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ يَقُولُ : بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ فُجِّرَ عَذْبُهَا فِي مَالِحِهَا ، وَمَالِحُهَا فِي عَذْبِهَا .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ قَالَ : فُجِّرَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ ، فَذَهَبَ مَاؤُهَا . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : مُلِئَتْ .
وَقَوْلُهُ : وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ يَقُولُ : وَإِذَا الْقُبُورُ أُثِيرَتْ فَاسْتُخْرِجَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى أَحْيَاءً ، يُقَالُ : بَعْثَرَ فَلَانٌ حَوْضَ فُلَانٍ : إِذَا جَعَلَ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ ، يُقَالُ : بَعْثَرَةً وَبَحْثَرَةً : لُغَتَانِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي عَلَيٌّ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، [24/268] فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ يَقُولُ : بُحِثَتْ .
وَقَوْلُهُ : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : عَلِمَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا قَدَّمَتْ لِذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ يَنْفَعُهُ ، وَأَخَّرَتْ وَرَاءَهُ مِنْ شَيْءٍ سَنَّهُ فَعُمِلَ بِهِ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : ثَنِي عَنِ الْقُرَظِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ فِي : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قَالَ : مَا قَدَّمَتْ مِمَّا عَمِلَتْ ، وَأَمَّا مَا أَخَّرَتْ فَالسُّنَّةُ يَسُنُّهَا الرَّجُلُ يُعْمَلُ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ مَا قَدَّمَتْ مِنَ الْفَرَائِضِ الَّتِي أَدَّتْهَا ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنَ الْفَرَائِضِ الَّتِي ضَيَّعَتْهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ قَالَ : مَا افْتُرِضَ عَلَيْهَا ( وَأَخَّرَتْ ) قَالَ : مِمَّا افْتُرِضَ عَلَيْهَا .
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنِي عَمِّي ، قَالَ : ثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قَالَ : تَعْلَمُ مَا قَدَّمَتْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ ، وَمَا أَخَّرَتْ مِمَّا أُمِرَتْ بِهِ مِنْ حَقٍّ لِلَّهِ عَلَيْهِ لَمْ تَعْمَلْ بِهِ .
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قَالَ : مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ ، وَأَخَّرَتْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قَالَ : مَا قَدَّمَتْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ .
حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قَالَ : مَا قَدَّمَتْ : عَمِلَتْ ، وَمَا أَخَّرَتْ : تَرَكَتْ وَضَيَّعَتْ ، وَأَخَّرَتْ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي دَعَاهَا اللَّهُ إِلَيْهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، وَأَخَّرَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ . [24/269]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، قَالَ : ذَكَرُوا عِنْدَهُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ قَالَ : أَنَا مِمَّا أَخَّرَ الْحِجَاجَ .
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، لِأَنَّ كُلَّ مَا عَمِلَ الْعَبْدُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَهُوَ مِمَّا قَدَّمَهُ ، وَأَنَّ مَا ضَيَّعَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ وَفَرَّطَ فِيهِ فَلَمْ يَعْمَلْهُ ، فَهُوَ مِمَّا قَدْ قَدَّمَ مِنْ شَرٍّ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا أَخَّرَ مِنَ الْعَمَلِ ، لِأَنَّ الْعَمَلَ هُوَ مَا عَمِلَهُ . فَأَمَّا مَا لَمْ يَعْمَلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ سَيِّئَةٌ قَدَّمَهَا ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا : مَا أَخَّرَ : هُوَ مَا سَنَّهُ مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ ، مِمَّا إِذَا عَمِلَ بِهِ الْعَامِلُ ، كَانَ لَهُ مِثْلَ أَجْرِ الْعَامِلِ بِهَا أَوْ وِزْرِهِ .