20 - بَاب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَقَالَ عُمَرُ : وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ
6470 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ : " أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ : مَا يَكُونْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ " .


قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ ) يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمُوَاظَبَةُ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَالْكَفُّ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَذَلِكَ يَنْشَأُ عَنْ عِلْمِ الْعَبْدِ بِقُبْحِهَا ، وَأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا صِيَانَةً لِعَبْدِهِ عَنِ الرَّذَائِلِ ، فَيَحْمِلُ ذَلِكَ الْعَاقِلَ عَلَى تَرْكِهَا وَلَوْ لَمْ يَرِدْ عَلَى فِعْلِهَا وَعِيدٌ ، وَمِنْهَا الْحَيَاءُ مِنْهُ وَالْخَوْفُ مِنْهُ أَنْ يُوقِعَ وَعِيدَهُ فَيَتْرُكُهَا لِسُوءِ عَاقِبَتِهَا ، وَأَنَّ الْعَبْدَ مِنْهُ بِمَرْأًى وَمَسْمَعٍ فَيَبْعَثُهُ ذَلِكَ عَلَى الْكَفِّ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ ، وَمِنْهَا مُرَاعَاةُ النِّعَمِ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ غَالِبًا تَكُونُ سَبَبًا لِزَوَالِ النِّعْمَةِ ، وَمِنْهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ ، فَإِنَّ الْمُحِبَّ يُصَيِّرُ نَفْسَهُ عَلَى مُرَادِ مَنْ يُحِبُّ ، وَأَحْسَنُ مَا وُصِفَ بِهِ الصَّبْرُ أَنَّهُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الْمَكْرُوهِ ، وَعَقْدُ اللِّسَانِ عَنِ الشَّكْوَى وَالْمُكَابَدَةُ فِي تَحَمُّلِهِ وَانْتِظَارُ الْفَرَجِ ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّابِرِينَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ حَدِيثُ : الصَّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ مُعَلَّقًا .
قَالَ الرَّاغِبُ : الصَّبْرُ الْإِمْسَاكُ فِي ضِيقٍ ، صَبَرْتُ الشَّيْءَ حَبَسْتُهُ ، فَالصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ أَوِ الشَّرْعُ ، وَتَخْتَلِفُ مَعَانِيهِ بِتَعَلُّقَاتِهِ فَإِنْ كَانَ عَنْ مُصِيبَةٍ سُمِّيَ صَبْرًا فَقَطْ ، وَإِنْ كَانَ فِي لِقَاءِ عَدُوٍّ سُمِّيَ شَجَاعَةً ، وَإِنْ كَانَ عَنْ كَلَامٍ سُمِّيَ كِتْمَانًا ، وَإِنْ كَانَ عَنْ تَعَاطِي مَا نُهِيَ عَنْهُ سُمِّيَ عِفَّةً قُلْتُ : وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا .
قَوْلُهُ : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرٍّ : " وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - " ، وَفِي نُسْخَةٍ " عَزَّ وَجَلَّ " وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهَا صَدَرَتْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَمَنِ اتَّقَى رَبَّهُ كَفَّ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَفَعَلَ الْوَاجِبَاتِ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : بِغَيْرِ حِسَابٍ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّكْثِيرِ .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُمَرُ : وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ ، وَالْأَصْلُ فِي الصَّبْرِ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى فِي ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ فِي " كِتَابِ الزُّهْدِ " بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : " وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا الصَّبْرَ " ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " الْحِلْيَةِ " مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ كَذَلِكَ [11/310] وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي " كِتَابِ الزُّهْدِ " مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ ، وَالصَّبْرُ إِنْ عُدِّيَ بِعَنْ كَانَ فِي الْمَعَاصِي ، وَإِنْ عُدِّيَ بِعَلَى كَانَ فِي الطَّاعَاتِ ، وَهُوَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَفِي أَثَرِ عُمَرَ شَامِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ ، وَالتَّرْجَمَةُ لِبَعْضِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ :
قَوْلُهُ : ( أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى أَسْمَائِهِمْ ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مِنْهُمْ أَبَا سَعِيدٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : " إِنَّ رَجُلًا كَانَ ذَا حَاجَةٍ فَقَالَ لَهُ أَهْلُهُ : ائْتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْأَلْهُ فَأَتَاهُ " ، فَذَكَرَ نَحْوَ الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ هُنَا ، وَمِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : " سَرَّحَتْنِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْأَلُهُ فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ " الْحَدِيثَ ، فَعُرِفَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : " أَهْلُهُ " وَمِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ " نَزَلْتُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ فَحَدَّثَ أَنَّهُ أَصْبَحَ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَوْ أُمُّهُ : ائْتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْأَلْهُ ، فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ " الْحَدِيثَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ نَحْوُ مَا وَقَعَ لِأَبِي سَعِيدٍ ، وَأَنَّ ذَلِكَ حِينَ افْتُتِحَتْ قُرَيْظَةُ .
قَوْلُهُ : ( أَنَّ نَاسًا ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ " أَنَّ أُنَاسًا " وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ .
قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَلِغَيْرِهِ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ بِلَفْظِ : " سَأَلُوا فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ " ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ : " فَجَعَلَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ " .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى نَفِدَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ اسْتِئْنَافِيَّةً . وَالْبَاءُ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ : " شَيْءٍ " وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ : " أَنْفَقَ " ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ : " فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدِهِ " ، وَسَقَطَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ .
قَوْلُهُ : ( مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ ) ؛ أَيْ مَالٍ وَمَا مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنَى الشَّرْطِ ، وَفِي رِوَايَةٍ صَوَّبَهَا الدِّمْيَاطِيُّ " مَا يَكُنْ " ، وَمَا حِينَئِذٍ شَرْطِيَّةٌ وَلَيْسَتِ الْأُولَى خَطَأً .
قَوْلُهُ : ( لَا أَدَّخِرُهُ عَنْكُمْ ) بِالْإِدْغَامِ وَبِغَيْرِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ " فَلَمْ " ، وَعَنْهُ " فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ " ؛ أَيْ أَجْعَلَهُ ذَخِيرَةً لِغَيْرِكُمْ مُعْرِضًا عَنْكُمْ ، وَدَالُهُ مُهْمَلَةٌ ، وَقِيلَ : مُعْجَمَةٌ .
قَوْلُهُ : ( وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ " يَسْتَعْفِفْ " بِفَاءَيْنِ ، وَقَوْلُهُ : " يُعِفَّهُ اللَّهُ " بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ .
قَوْلُهُ : ( وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ) قُدِّمَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الِاسْتِغْنَاءُ عَلَى التَّصَبُّرِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ بَدَلَ التَّصَبُّرِ : " وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّهُ " ، وَزَادَ " وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ " ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ هِلَالٍ : " وَمَنْ سَأَلَنَا إِمَّا أَنْ نَبْذُلَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ نُوَاسِيَهُ ، وَمَنْ يَسْتَعِفَّ أَوْ يَسْتَغْنِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّنْ يَسْأَلُنَا " .
قَوْلُهُ : ( وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : " وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً " وَأُعْطِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ .
قَوْلُهُ : ( خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ ) كَذَا بِالنَّصْبِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ " هُوَ خَيْرٌ " بِالرَّفْعِ ، وَلِمُسْلِمٍ : " عَطَاءُ خَيْرٍ " قَالَ النَّوَوِيُّ : كَذَا فِي نُسَخِ مُسْلِمٍ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَالتَّقْدِيرُ هُوَ خَيْرٌ كَمَا فِي [11/311] رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَعْنِي مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ . وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ النَّاسِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ سُؤَالِهِمْ بِالصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَانْتِظَارُ مَا يَرْزُقُهُ اللَّهُ ، وَأَنَّ الصَّبْرَ أَفْضَلُ مَا يُعْطَاهُ الْمَرْءُ لِكَوْنِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَلَا مَحْدُودٍ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " مَنْ يَسْتَعِفَّ " أَيْ يَمْتَنِعُ عَنِ السُّؤَالِ ، وَقَوْلُهُ : " يُعِفَّهُ اللَّهُ " ؛ أَيْ إِنَّهُ يُجَازِيهِ عَلَى اسْتِعْفَافِهِ بِصِيَانَةِ وَجْهِهِ وَدَفْعِ فَاقَتِهِ ، وَقَوْلُهُ : " وَمَنْ يَسْتَغْنِ " ؛ أَيْ بِاللَّهِ عَمَّنْ سِوَاهُ ، وَقَوْلُهُ : " يُغْنِهِ " ؛ أَيْ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ السُّؤَالِ ، وَيَخْلُقْ فِي قَلْبِهِ الْغِنَى ؛ فَإِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَقَوْلُهُ : " وَمَنْ يَتَصَبَّرْ " ، أَيْ يُعَالِجْ نَفْسَهُ عَلَى تَرْكِ السُّؤَالِ وَيَصْبِرْ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الرِّزْقُ وَقَوْلُهُ : " يُصَبِّرْهُ اللَّهُ " ؛ أَيْ فَإِنَّهُ يُقَوِّيهِ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى تَنْقَادَ لَهُ وَيُذْعِنَ لِتَحَمُّلِ الشِّدَّةِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ اللَّهُ مَعَهُ فَيُظْفِرَهُ بِمَطْلُوبِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَمَّا كَانَ التَّعَفُّفُ يَقْتَضِي سَتْرَ الْحَالِ عَنِ الْخَلْقِ وَإِظْهَارِ الْغِنَى عَنْهُمْ فَيَكُونُ صَاحِبُهُ مُعَامِلًا لِلَّهِ فِي الْبَاطِنِ فَيَقَعُ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الصِّدْقِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الصَّبْرُ خَيْرَ الْعَطَاءِ ؛ لِأَنَّهُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ فِعْلِ مَا تُحِبُّهُ ، وَإِلْزَامُهَا بِفِعْلِ مَا تَكْرَهُ فِي الْعَاجِلِ مِمَّا لَوْ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ لَتَأَذَّى بِهِ فِي الْآجِلِ .
وَقَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ " مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ " ؛ أَيْ إِنْ عَفَّ عَنِ السُّؤَالِ وَلَوْ لَمْ يُظْهِرْ الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ النَّاسِ ، لَكِنَّهُ إِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا لَمْ يَتْرُكْهُ يَمْلَأِ اللَّهُ قَلْبَهُ غِنًى بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى سُؤَالٍ ، وَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَأَظْهَرَ الِاسْتِغْنَاءَ فَتَصَبَّرَ وَلَوْ أُعْطِيَ لَمْ يَقْبَلْ فَذَاكَ أَرْفَعُ دَرَجَةً ، فَالصَّبْرُ جَامِعٌ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَى قَوْلِهِ : يُعِفَّهُ اللَّهُ " إِمَّا أَنْ يَرْزُقَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ السُّؤَالِ ، وَإِمَّا أَنْ يَرْزُقَهُ الْقَنَاعَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .