51 - بَاب صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ
عَدْنٌ : خُلْدٌ . عَدَنْتُ بِأَرْضٍ : أَقَمْتُ . وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ . فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ
6546 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، عَنْ عِمْرَانَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ .


[11/424] [11/425] [11/426] قَوْلُهُ : بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ تَقَدَّمَ هَذَا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ فِي تَرْجَمَتَيْنِ ، وَوَقَعَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا " وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ " وَأَوْرَدَ فِيهِمَا أَحَادِيثَ فِي تَثْبِيتِ كَوْنِهِمَا مَوْجُودَتَيْنِ ، وَأَحَادِيثَ فِي صِفَتِهِمَا أَعَادَ بَعْضَهَا فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ .
قَوْلُهُ : وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ : " كَبِدُ الْحُوتِ " وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِي " بَابُ يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَهُوَ مَذْكُورٌ هُنَا بِالْمَعْنَى ، وَتَقَدَّمَ بِلَفْظِهِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ لَكِنْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي سُؤَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ .
قَوْلُهُ : عَدْنٍ : خُلْدٍ ؛ عَدَنْتُ بِأَرْضٍ أَقَمْتُ ، تَقَدَّمَ هَذَا فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ ، وَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : مَعْنَى قَوْلِهِ : جَنَّاتُ عَدْنٍ " أَيِ الِاسْتِقْرَارُ ، وَعَدَنَ بِمَكَانِ كَذَا إِذَا اسْتَقَرَّ بِهِ ، وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ لِكَوْنِهِ مُسْتَقِرَّ الْجَوَاهِرِ .
قَوْلُهُ : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ " فِي مَعْدِنٍ " بَدَلَ " مَقْعَدٍ " وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَكَأَنَّ سَبَبَ الْوَهْمِ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ ، وَأَنَّ مِنْ أَوْصَافِهَا مَقْعَدَ صِدْقٍ كَمَا فِي آخِرِ سُورَةِ الْقَمَرِ ظَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِلَفْظِ : " مَعْدِنِ صِدْقٍ " وَأَنْشَدَ لِلْأَعْشَى قَوْلَهُ :
فَإِنْ يَسْتَضِيفُوا إِلَى حِلْمِهِ
يُضَافُوا إِلَى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ
أَيْ أقَامَ وَاسْتَقَرَّ نَعَمْ قَوْلُهُ : " مَقْعَدَ صِدْقٍ " مَعْنَاهُ مَكَانَ الْقُعُودِ ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْمَعْدِنِ ، وَلَمَحَ الْمُصَنِّفُ [11/427] هُنَا بِأَسْمَاءِ الْجَنَّةِ ، وَهِيَ عَشَرَةٌ أَوْ تَزِيدُ ؛ الْفِرْدَوْسُ ، وَهُوَ أَعْلَاهَا ، وَدَارُ السَّلَامِ ، وَدَارُ الْخُلْدِ ، وَدَارُ الْمُقَامَةِ ، وَجَنَّةُ الْمَأْوَى ، وَالنَّعِيمُ ، وَالْمَقَامُ الْأَمِينُ ، وَعَدْنُ ، وَمَقْعَدُ صِدْقٍ ، وَالْحُسْنَى ، وَكُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ فَعَدَّ بَعْضُهُمْ فِي أَسْمَاءِ الْجَنَّةِ دَارَ الْحَيَوَانِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَذَكَرَ فِي الْبَابِ مَعَ ذَلِكَ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا .
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ :
قَوْلُهُ : عَنْ أَبِي رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ ، وَعِمْرَانُ هُوَ ابْنُ حُصَيْنٍ ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِهَذَا السَّنَدِ فِي آخِرِ " بَابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ " فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ النِّكَاحِ ، وَتَقَدَّمَ فِي " بَابُ فَضْلِ الْفَقْرِ " بَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ فِي صَحَابِيِّهِ ، وَتَقَدَّمَ بَحْثُ ابْنِ بَطَّالٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ فَضْلِ الْفَقْرِ ، وَقَوْلُهُ : اطَّلَعْتُ بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ أَشْرَفْتُ ، وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي بَعْدَهُ : " قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ " وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَوْ مَنَامًا ، وَهُوَ غَيْرُ رُؤْيَتِهِ النَّارَ ، وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَوَهِمَ مَنْ وَحَّدَهُمَا وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، أَوْ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ كَذَا قَالَ .
قَوْلُهُ : فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ : " فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ " وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُطْلَقُ عَلَى الْآخَرِ ، وَقَوْلُهُ : فَإِذَا أَكْثَرُ " فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ " فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا " .
قَوْلُهُ : ( بِكُفْرِهِنَّ ) أَيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِنَّ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي " بَابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ " قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّمَا كَانَ النِّسَاءُ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ ؛ لِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْهَوَى وَالْمَيْلِ إِلَى عَاجِلِ زِينَةِ الدُّنْيَا ، وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الْآخِرَةِ لِنَقْصِ عَقْلِهِنَّ ، وَسُرْعَةِ انْخِدَاعِهِنَّ .