11 - بَاب تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ
6614 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو ، عَنْ طَاوُسٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا ، خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنْ الْجَنَّةِ . قَالَ لَهُ آدَمُ : يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى . ثَلَاثًا .
،


قَوْلُهُ : ( بَابُ تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ ) أَمَّا " تَحَاجَّ " فَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ ، وَأَصْلُهُ تَحَاجَجَ بِجِيمَيْنِ ، وَلَفْظُ قَوْلِهِ " عِنْدَ اللَّهِ " فَزَعَمَ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ مِنْهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ رَدَّهُ بِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ قَالَ : " قَالَ مُوسَى : يَا رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَأَرَاهُ اللَّهُ آدَمَ فَقَالَ : أَنْتَ أَبُونَا " الْحَدِيثَ ، قَالَ : وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الدُّنْيَا ، انْتَهَى .
وَفِيهِ نَظَرٌ فَلَيْسَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ : " عِنْدَ اللَّهِ " صَرِيحًا فِي أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ الْعِنْدِيَّةَ عِنْدِيَّةُ اخْتِصَاصٍ وَتَشْرِيفٍ لَا عِنْدِيَّةُ مَكَانٍ ، فَيَحْتَمِلُ وُقُوعُ ذَلِكَ فِي كُلٍّ مِنَ الدَّارَيْنِ ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْعِنْدِيَّةُ فِي الْقِيَامَةِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ " وَفِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي . وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ أَنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَ الْمَتْنِ ، وَالَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَحَ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا " الْحَدِيثَ .
قَوْلُهُ : ( سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ .
قَوْلُهُ : ( حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو ) يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ ، وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ " حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ " وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ طَاوُسٍ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ طَاوُسًا ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْخَرَّازِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ " سَمِعْتُ طَاوُسًا " .
قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ ( وَقَالَ سُفْيَانُ : ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ ) هُوَ مَوْصُولٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : " حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو " وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ " قَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ " بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَهِيَ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ ، وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَ مُعَلَّقَةٌ ، وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مُنْفَرِدَةً بَعْدَ أَنْ سَاقَ طَرِيقَ طَاوُسٍ عَنْ جَمَاعَةٍ ، عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ : " أَخْبَرَنِيهِ الْقَاسِمُ - يَعْنِي ابْنَ زَكَرِيَّا - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ حَاتِمٍ الْعَلَّافُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو مِثْلُهُ سَوَاءٌ ، وَزَادَ : قَالَ : وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهِ " قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ بِالِاتِّفَاقِ ، رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ .
قُلْتُ : وَقَعَ لَنَا مِنْ طَرِيقِ عَشَرَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : مِنْهُمْ طَاوُسٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْأَعْرَجُ كَمَا ذَكَرْتُهُ ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي الذُّبَابِ ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْرَجِ ، وَأَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْهُ ، وَمِنْهُمْ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَبِي عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ ، وَقِيلَ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَقِيلَ : عَنْهُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ النَّجَّارِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ طَهَ ، وَمِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَأَبِي عَوَانَةَ ، وَجَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ فِي الْقَدَرِ ، وَمِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ .
وَمِنْهُمْ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ مُوسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَمِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ كَمَا مَضَى فِي تَفْسِيرِ طَهَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَمِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَمِنْهُمْ هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَمِنْهُمْ عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمَنْ رَوَاهُ [11/515] عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَأَبِي عَوَانَةَ ، وَجُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَأَبُو سَعِيدٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالْحَارِثُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ التِّرْمِذِيُّ .
قَوْلُهُ : ( احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، وَمَالِكٍ " تَحَاجَّ " كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ وَهِيَ أَوْضَحُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ النَّجَّارِ ، وَيَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ " حَجَّ آدَمُ وَمُوسَى " وَعَلَيْهَا شَرَحَ الطِّيبِيُّ ، فَقَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : حَجَّ آدَمُ وَمُوسَى غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : " قَالَ مُوسَى : أَنْتَ آدَمُ إِلَخْ " تَوْضِيحٌ لِذَلِكَ وَتَفْسِيرٌ لِمَا أُجْمِلَ ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى " تَقْرِيرٌ لِمَا سَبَقَ وَتَأْكِيدٌ لَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ " عِنْدَ رَبِّهِمَا " وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ " الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى " وَفِي رِوَايَةِ عَمَّارٍ ، وَالشَّعْبِيِّ " لَقِيَ آدَمُ مُوسَى " وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ " لَقِيَ مُوسَى آدَمَ " كَذَا عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ فَلَفْظُهُ كَمَا تَقَدَّمَ " قَالَ مُوسَى : يَا رَبِّ أَرِنِي آدَمَ " .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ هَذَا اللَّفْظِ فَقِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِي زَمَانِ مُوسَى فَأَحْيَا اللَّهُ لَهُ آدَمَ مُعْجِزَةً لَهُ ، فَكَلَّمَهُ أَوْ كَشَفَ لَهُ عَنْ قَبْرِهِ فَتَحَدَّثَا ، أَوْ أَرَاهُ اللَّهُ رُوحَهُ كَمَا أَرَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ ، أَوْ أَرَاهُ اللَّهُ لَهُ فِي الْمَنَامِ وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ . وَلَوْ كَانَ يَقَعُ فِي بَعْضِهَا مَا يَقْبَلُ التَّعْبِيرَ كَمَا فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاةِ مُوسَى فَالْتَقَيَا فِي الْبَرْزَخِ أَوَّلَ مَا مَاتَ مُوسَى فَالْتَقَتْ أَرْوَاحُهُمَا فِي السَّمَاءِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْقَابِسِيُّ .
وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ لَمَّا قَالَ مُوسَى : أَنْتَ آدَمُ قَالَ لَهُ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا مُوسَى وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ فِي الْآخِرَةِ . وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِ الْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ .
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ احْتِمَالَ الْتِقَائِهِمَا فِي الْبَرْزَخِ ، وَاحْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ضَرْبَ مَثَلٍ ، وَالْمَعْنَى لَوِ اجْتَمَعَا لَقَالَا ذَلِكَ ، وَخُصَّ مُوسَى بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ أَوَّلَ نَبِيٍّ بُعِثَ بِالتَّكَالِيفِ الشَّدِيدَةِ ، قَالَ : وَهَذَا وَإِنِ احْتُمِلَ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى ، قَالَ : وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ لِثُبُوتِهِ عَنْ خَبَرِ الصَّادِقِ ، وَإِنْ لَمْ يُطَّلَعْ عَلَى كَيْفِيَّةِ الْحَالِ ، وَلَيْسَ هُوَ بِأَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَى حَقِيقَةِ مَعْنَاهُ كَعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ ، وَمَتَى ضَاقَتِ الْحِيَلُ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلَاتِ لَمْ يَبْقَ إِلَّا التَّسْلِيمُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مِثْلُ هَذَا عِنْدِي يَجِبُ فِيهِ التَّسْلِيمُ ، وَلَا يُوقَفُ فِيهِ عَلَى التَّحْقِيقِ ; لِأَنَّا لَمْ نُؤْتَ مِنْ جِنْسِ هَذَا الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا .
قَوْلُهُ : ( أَنْتَ أَبُونَا ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ " أَنْتَ النَّاسِ " وَكَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ " أَنْتَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ " .
قَوْلُهُ : ( خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ ) فِي رِوَايَةِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ " هَكَذَا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْهُ ، وَفِي التَّوْحِيدِ " أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ " وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ " أَنْتَ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ " . وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ " أَشْقَيْتَ " بَدَلَ " أَغْوَيْتَ " وَمَعْنَى أَغْوَيْتَ كُنْتَ سَبَبًا لِغِوَايَةِ مَنْ غَوَى مِنْهُمْ ، وَهُوَ سَبَبٌ بَعِيدٌ ; إِذْ لَوْ لَمْ يَقَعِ الْأَكْلُ مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَقَعِ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَلَوْ لَمْ يَقَعِ الْإِخْرَاجُ مَا تَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الشَّهَوَاتُ وَالشَّيْطَانُ الْمُسَبَّبُ عَنْهُمَا الْإِغْوَاءُ ، وَالْغَيُّ ضِدَّ الرُّشْدِ وَهُوَ الِانْهِمَاكُ فِي غَيْرِ الطَّاعَةِ ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مُجَرَّدِ الْخَطَأِ يُقَالُ : غَوَى أَيْ أَخَطَأَ صَوَابَ مَا أُمِرَ بِهِ .
وَفِي تَفْسِيرِ طَهَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ " أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ " وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِهِ " أَنْتَ الَّذِي أَدْخَلْتَ ذُرِّيَّتَكَ النَّارَ " وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي أَغْوَيْتَ ، وَزَادَ هَمَّامٌ " إِلَى الْأَرْضِ " وَكَذَا فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ " فَأَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ " وَأَوَّلُهُ عِنْدَهُ " أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ " وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ لَكِنْ قَالَ : " وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ " وَلَمْ يَقُلْ : " وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ " وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، وَزَادَ " وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ " وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَزَادَ " ثُمَّ صَنَعْتَ مَا صَنَعْتَ " وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أَبِي [11/516] عَمْرٍو ، عَنِ الْأَعْرَجِ " يَا آدَمُ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ، ثُمَّ نَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، ثُمَّ قَالَ لَكَ : كُنْ فَكُنْتَ ، ثُمَّ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ ، ثُمَّ قَالَ لَكَ : اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَنَهَاكَ عَنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَصَيْتَ " . وَزَادَ الْفِرْيَابِيُّ " وَأَكَلْتَ مِنْهَا " وَفِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ " أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ " فَأَعَادَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : خَلَقَكَ إِلَى قَوْلِهِ : أَنْتَ وَالْأَكْثَرُ عَوْدُهُ إِلَى الْمَوْصُولِ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : خَلَقَهُ اللَّهُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ " أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ " .
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ : أَنْتَ آدَمُ ؟ " قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : أَنْتَ الَّذِي نَفَخَ اللَّهُ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَعَلَّمَكَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَلِمَ أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ ؟ " وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي عَوَانَةَ " فَوَاللَّهِ لَوْلَا مَا فَعَلْتَ مَا دَخَلَ أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ النَّارَ " . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ " فَأَهْلَكْتَنَا وَأَغْوَيْتَنَا " وَذَكَرَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَذْكُرَ مِنْ هَذَا ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَحْفُوظٌ ، وَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ .
وَقَوْلُهُ : " أَنْتَ آدَمُ ؟ " اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ ، وَإِضَافَةُ اللَّهِ خَلْقَ آدَمَ إِلَى يَدِهِ فِي الْآيَةِ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ ، وَكَذَا إِضَافَةُ رُوحِهِ إِلَى اللَّهِ ، وَمِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْ رُوحِهِ زَائِدَةٌ عَلَى رَأْيٍ ، وَالنَّفْخُ بِمَعْنَى الْخَلْقِ أَيْ : خَلَقَ فِيكَ الرُّوحَ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : أَخْرَجْتَنَا كُنْتَ سَبَبًا لِإِخْرَاجِنَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ، وَقَوْلُهُ : أَغْوَيْتَنَا وَأَهْلَكْتَنَا مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ بِخِلَافِ أَخْرَجْتَنَا فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : أَخْطَأْتَ وَعَصَيْتَ وَنَحْوُهُمَا فَعَلْتَ خِلَافَ مَا أُمِرْتَ بِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : خَيَّبْتَنَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الْخَيْبَةِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْحِرْمَانُ ، وَقِيلَ : هِيَ كَـأَغْوَيْتَنَا مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ ، وَالْمُرَادُ مَنْ يَجُوزُ مِنْهُ وُقُوعُ الْمَعْصِيَةِ ، وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى عُمُومِهِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى تَرْكِ الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا ، وَلَوِ اسْتَمَرَّ فِيهَا لَوُلِدَ لَهُ فِيهَا ، وَكَانَ وَلَدُهُ سُكَّانَ الْجَنَّةِ عَلَى الدَّوَامِ ، فَلَمَّا وَقَعَ الْإِخْرَاجُ فَاتَ أَهْلَ الطَّاعَةِ مِنْ وَلَدِهِ اسْتِمْرَارُ الدَّوَامِ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانُوا إِلَيْهَا يَنْتَقِلُونَ ، وَفَاتَ أَهْلَ الْمَعْصِيَةِ تَأَخُّرُ الْكَوْنِ فِي الْجَنَّةِ مُدَّةَ الدُّنْيَا ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ مُدَّةِ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ ، إِمَّا مُؤَقَّتًا فِي حَقِّ الْمُوَحِّدِينَ ، وَإِمَّا مُسْتَمِرًّا فِي حَقِّ الْكُفَّارِ فَهُوَ حِرْمَانٌ نِسْبِيٌّ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لَهُ آدَمُ : يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ " أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَاصْطَفَاكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ " وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ نَحْوُهُ لَكِنْ بِلَفْظِ " اصْطَفَاهُ وَأَعْطَاهُ " وَزَادَ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ " وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ " وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ " اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ " اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَكَلَامِهِ " وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ " فَقَالَ نَعَمْ " وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ : " قَالَ : أَنَا مُوسَى قَالَ : نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : أَنْتَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ "
قَوْلُهُ : ( أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَ اللَّهُ عَلِيَّ ) كَذَا لِلسَّرَخْسِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، وَلِلْبَاقِينَ " قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ " .
قَوْلُهُ : ( قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ " فَكَيْفَ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ أَوْ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ " وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُدَّةَ ، وَثَبَتَ ذِكْرُهَا فِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَلَفْظُهُ : " فَكَمْ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَيَّ الْعَمَلَ الَّذِي عَمِلْتُهُ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ؟ قَالَ : بِأَرْبَعِينَ سَنَةً . قَالَ فَكَيْفَ تَلُومُنِي عَلَيْهِ " وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ نَحْوُهُ ، وَزَادَ " فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ؟ قَالَ : نَعَمْ " وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ قَدْ يُوهِمُ تَفَرُّدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِزِيَادَتِهَا ، لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِأَبِي الزِّنَادِ وَإِلَّا فَقَدْ ذَكَرَ التَّقْيِيدَ بِالْأَرْبَعِينَ غَيْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ كَمَا تَرَى ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ " فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا - يَعْنِي الْأَلْوَاحَ أَوِ التَّوْرَاةَ - أَنِّي أُهْبَطُ " وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ : أَفَلَيْسَ تَجِدُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ أَنَّهُ سَيُخْرِجُنِي مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَنِيهَا ؟ قَالَ : بَلَى " وَفِي رِوَايَةِ عَمَّارِ [11/517] ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ " أَنَا أَقْدَمُ أَمِ الذِّكْرُ ؟ قَالَ : بَلِ الذِّكْرُ " وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنِ الْأَعْرَجِ " أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ هَذَا عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي " وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ " فَوَجَدْتَهُ كَتَبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي ؟ قَالَ : نَعَمْ " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ " فَتَلُومُنِي فِي شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ خَلْقِي " وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ قَالَ : " فَلِمَ تَلُومُنِي عَلَى شَيْءٍ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - فِيهِ الْقَضَاءُ " وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ " أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً حَمْلُهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابَةِ ، وَحَمْلُ الْأُخْرَى عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِلْمِ .
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَرْبَعِينَ سَنَةً مَا بَيْنَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً إِلَى نَفْخِ الرُّوحِ فِي آدَمَ ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ وَقْتَ الْكِتَابَةِ فِي الْأَلْوَاحِ وَآخِرَهَا ابْتِدَاءُ خَلْقِ آدَمَ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : الْمَعْلُومَاتُ كُلُّهَا قَدْ أَحَاطَ بِهَا عِلْمُ اللَّهِ الْقَدِيمُ قَبْلَ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا ، وَلَكِنَّ كِتَابَتَهَا وَقَعَتْ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ يَعْنِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ آدَمَ بِخُصُوصِهَا كُتِبَتْ قَبْلَ خَلْقِهِ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَدْرُ مُدَّةَ لُبْثِهِ طِينًا إِلَى أَنْ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ بَيْنَ تَصْوِيرِهِ طِينًا وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ كَانَ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ كِتَابَةَ الْمَقَادِيرِ عُمُومًا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ .
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَتَبَهُ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِأَرْبَعِينَ عَامًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَظْهَرَهُ لِلْمَلَائِكَةِ أَوْ فَعَلَ فِعْلًا مَا أَضَافَ إِلَيْهِ هَذَا التَّارِيخَ وَإِلَّا فَمَشِيئَةُ اللَّهِ وَتَقْدِيرُهُ قَدِيمٌ ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : " قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ " أَيْ كَتَبَهُ فِي التَّوْرَاةِ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا قَبْلُ : " فَكَمْ وَجَدْتَهُ كَتَبَ فِي التَّوْرَاةِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ " .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ بِتَقْدِيرِهَا كَتْبُهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ فِي التَّوْرَاةِ أَوْ فِي الْأَلْوَاحِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ أَصْلُ الْقَدَرِ ; لِأَنَّهُ أَزَلِيٌّ وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - تَعَالَى - مُرِيدًا لِمَا يَقَعُ مِنْ خَلْقِهِ . وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَزْعُمُ أَنَّ الْمُرَادَ إِظْهَارُ ذَلِكَ عِنْدَ تَصْوِيرِ آدَمَ طِينًا ، فَإِنَّ آدَمَ أَقَامَ فِي طِينَتِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا بِخَلْقِهِ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ . قُلْتُ : وَقَدْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ " كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " لَكِنَّهُ يُحْمَلُ قَوْلُهُ فِيهِ : " كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ " قَدَّرَهُ أَوْ عَلَى تَعَدُّدِ الْكِتَابَةِ لِتَعَدُّدِ الْمَكْتُوبِ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - .
قَوْلُهُ : ( فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلَاثًا ) كَذَا فِي هَذِهِ الطُّرُقِ ، وَلَمْ يُكَرَّرْ فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ النَّجَّارِ كَالَّذِي هُنَا لَكِنْ بِدُونِ قَوْلِهِ : " ثَلَاثًا " وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ ، كَذَا فِي حَدِيثِ جُنْدَبٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَثَبَتَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بِلَفْظِ " فَاحْتَجَّا إِلَى اللَّهِ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ، قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنِ الْأَعْرَجِ " لَقَدْ حَجَّ آدَمُ مُوسَى ، لَقَدْ حَجَّ آدَمُ مُوسَى ، لَقَدْ حَجَّ آدَمُ مُوسَى " وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْحَارِثِ " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلَاثًا " وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ " فَخَصَمَ آدَمُ مُوسَى ، فَخَصَمَ آدَمُ مُوسَى " . وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ وَالنَّقَلَةُ وَالشُّرَّاحُ عَلَى أَنَّ آدَمَ بِالرَّفْعِ وَهُوَ الْفَاعِلُ ، وَشَذَّ بَعْضُ النَّاسِ فَقَرَأَهُ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ الْمَفْعُولُ ، وَمُوسَى فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ . نَقَلَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْخَاصِّيَّةِ ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ نَاصِرٍ السَّجْزِيٍّ الْحَافِظِ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ " فَحَجَّ آدَمَ " بِالنَّصْبِ قَالَ : وَكَانَ قَدَرِيًّا . قُلْتُ : هُوَ مَحْجُوجٌ بِالِاتِّفَاقِ قَبْلَهُ عَلَى أَنَّ آدَمَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ " فَحَجَّهُ آدَمُ " .
وَهَذَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ فَإِنَّ رُوَاتَهُ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ ، وَالزُّهْرِيُّ مِنْ كِبَارِ الْفُقَهَاءِ الْحُفَّاظِ ، فَرِوَايَتُهُ هِيَ الْمُعْتَمَدَةُ فِي ذَلِكَ
، وَمَعْنَى حَجَّهُ غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ ، يُقَالُ : حَاجَجْتُ فُلَانًا فَحَجَجْتُهُ مِثْلَ خَاصَمْتُهُ فَخَصَمْتُهُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ جَسِيمٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ ، وَأَنَّ اللَّهَ قَضَى أَعْمَالَ الْعِبَادِ فَكُلُّ أَحَدٍ يَصِيرُ لِمَا قُدِّرَ لَهُ بِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ . قَالَ : وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِلْجَبْرِيَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ يُسَاعِدُهُمْ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي " مَعَالِمِ السُّنَنِ " : يَحْسَبُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ مَعْنَى [11/518] الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ يَسْتَلْزِمُ الْجَبْرَ وَقَهْرَ الْعَبْدِ ، وَيُتَوَهَّمُ أَنَّ غَلَبَةَ آدَمَ كَانَتْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَنْ إِثْبَاتِ عِلْمِ اللَّهِ بِمَا يَكُونُ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَصُدُورِهَا عَنْ تَقْدِيرٍ سَابِقٍ مِنْهُ ، فَإِنَّ الْقَدَرَ اسْمٌ لِمَا صَدَرَ عَنْ فِعْلِ الْقَادِرِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ نَفَى عَنْهُمْ مِنْ وَرَاءِ عِلْمِ اللَّهِ أَفْعَالَهُمْ وَأَكْسَابَهُمْ وَمُبَاشَرَتَهُمْ تِلْكَ الْأُمُورَ عَنْ قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ وَاخْتِيَارٍ ، فَالْحُجَّةُ إِنَّمَا نُلْزِمُهُمْ بِهَا وَاللَّائِمَةُ إِنَّمَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا ، وَجِمَاعُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا أَمْرَانِ لَا يُبَدَّلُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ : أَحَدُهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْأَسَاسِ ، وَالْآخَرُ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ وَنَقْضِهِ ، وَإِنَّمَا جِهَةُ حُجَّةِ آدَمَ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مِنَ الشَّجَرَةِ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرُدَّ عِلْمَ اللَّهِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا خُلِقَ لِلْأَرْضِ ، وَأَنَّهُ لَا يُتْرَكُ فِي الْجَنَّةِ بَلْ يُنْقَلُ مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ فَكَانَ تَنَاوُلُهُ مِنَ الشَّجَرَةِ سَبَبًا لِإِهْبَاطِهِ وَاسْتِخْلَافِهِ فِي الْأَرْضِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - قَبْلَ خَلْقِهِ : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالَ : فَلَمَّا لَامَهُ مُوسَى عَنْ نَفْسِهِ قَالَ لَهُ : أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ ؟ فَاللَّوْمُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِكَ سَاقِطٌ عَنِّي إِذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعَيِّرَ أَحَدًا بِذَنْبٍ كَانَ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ سَوَاءٌ ، وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ اللُّوَّمُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِذْ كَانَ نَهَاهُ فَبَاشَرَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ .
قَالَ : وَقَوْلُ مُوسَى وَإِنْ كَانَ فِي النَّفْسِ مِنْهُ شُبْهَةٌ ، وَفِي ظَاهِرِهِ تَعَلُّقٌ لِاحْتِجَاجِهِ بِالسَّبَبِ لَكِنَّ تَعَلُّقَ آدَمَ بِالْقَدَرِ أَرْجَحُ ، فَلِهَذَا غَلَبَهُ . وَالْغَلَبَةُ تَقَعُ مَعَ الْمُعَارَضَةِ كَمَا تَقَعُ مَعَ الْبُرْهَانِ انْتَهَى مُلَخَّصًا .
وَقَالَ فِي أَعْلَامِ الْحَدِيثِ نَحْوَهُ مُلَخَّصًا وَزَادَ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى " دَفَعَ حُجَّتَهُ الَّتِي أَلْزَمَهُ اللَّوْمَ بِهَا . قَالَ : وَلَمْ يَقَعْ مِنْ آدَمَ إِنْكَارٌ لِمَا صَدَرَ مِنْهُ ، بَلْ عَارَضَهُ بِأَمْرٍ دَفَعَ بِهِ عَنْهُ اللُّوَّمَ . قُلْتُ : وَلَمْ يَتَلَخَّصْ مِنْ كَلَامِهِ مَعَ تَطْوِيلِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ دَفْعٌ لِلشُّبْهَةِ إِلَّا فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْآدَمِيِّ أَنْ يَلُومَ آخَرَ مِثْلَهُ عَلَى فِعْلٍ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلَّهِ - تَعَالَى - لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ وَنَهَاهُ . وَلِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقُولَ : وَمَا الْمَانِعُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ أَنْ يُبَاشِرَهُ مَنْ تَلَقَّى عَنِ اللَّهِ مِنْ رَسُولِهِ ، وَمَنْ تَلَقَّى عَنْ رُسُلِهِ مِمَّنْ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُمْ ؟
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّمَا غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنَ التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَابَ عَلَيْهِ فَكَانَ لَوْمُهُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ نَوْعَ جَفَاءٍ ، كَمَا يُقَالُ : ذِكْرُ الْجَفَاءِ بَعْدَ حُصُولِ الصَّفَاءِ جَفَاءٌ ، وَلِأَنَّ أَثَرَ الْمُخَالَفَةِ بَعْدَ الصَّفْحِ يَنْمَحِي حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَلَا يُصَادِفُ اللَّوْمَ مِنَ اللَّائِمِ حِينَئِذٍ مَحَلًّا انْتَهَى . وَهُوَ مُحَصَّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ .
وَقَدْ أَنْكَرَ الْقَدَرِيَّةُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ السَّابِقِ ، وَتَقْرِيرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِآدَمَ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَشَهَادَتِهِ بِأَنَّهُ غَلَبَ مُوسَى فَقَالُوا : لَا يَصِحُّ لِأَنَّ مُوسَى لَا يَلُومُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ صَاحِبُهُ ، وَقَدْ قَتَلَ هُوَ نَفْسًا لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهَا ، ثُمَّ قَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي ، فَغَفَرَ لَهُ فَكَيْفَ يَلُومُ آدَمَ عَلَى أَمْرٍ قَدْ غُفِرَ لَهُ ؟ ثَانِيهَا لَوْ سَاغَ اللَّوْمُ عَلَى الذَّنْبِ بِالْقَدَرِ الَّذِي فُرِغَ مِنْ كِتَابَتِهِ عَلَى الْعَبْدِ لَا يَصِحُّ هَذَا لَكَانَ مَنْ عُوتِبَ عَلَى مَعْصِيَةٍ قَدِ ارْتَكَبَهَا فَيَحْتَجُ بِالْقَدَرِ السَّابِقِ ، وَلَوْ سَاغَ ذَلِكَ لَانْسَدَّ بَابُ الْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ ، وَلَاحْتَجَّ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى مَا يَرْتَكِبُهُ مِنَ الْفَوَاحِشِ ، وَهَذَا يُفْضِي إِلَى لَوَازِمَ قَطْعِيَّةٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا أَصْلَ لَهُ .
وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ آدَمَ إِنَّمَا احْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَا الْمُخَالَفَةِ ، فَإِنَّ مُحَصَّلَ لَوْمِ مُوسَى إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْإِخْرَاجِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَنَا لَمْ أُخْرِجْكُمْ ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَكُمُ الَّذِي رَتَّبَ الْإِخْرَاجَ عَلَى الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرةِ ، وَالَّذِي رَتَّبَ ذَلِكَ قَدَّرَهُ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ فَكَيْفَ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ لَيْسَ لِي فِيهِ نِسْبَةٌ إِلَّا الْأَكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ ، وَالْإِخْرَاجُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِي . قُلْتُ : وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يَدْفَعُ شُبْهَةَ الْجَبْرِيَّةِ .
ثَانِيهَا : إِنَّمَا حَكَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِآدَمَ بِالْحُجَّةِ فِي مَعْنَى خَاصٍّ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ فِي الْمَعْنَى الْعَامِّ لَمَا تَقَدَّمَ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - لَوْمُهُ بِقَوْلِهِ : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَلَا أَخَذَهُ بِذَلِكَ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَهْبَطَهُ إِلَى الْأَرْضِ ، وَلَكِنْ لَمَّا أَخَذَ مُوسَى فِي لَوْمِهِ ، وَقَدَّمَ قَوْلَهُ لَهُ : أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَنْتَ وَأَنْتَ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا ؟ عَارَضَهُ آدَمُ بِقَوْلِهِ : أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ وَأَنْتَ وَأَنْتَ . وَحَاصِلُ جَوَابِهِ إِذَا كُنْتَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ كَيْفَ يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّهُ لَا مَحِيدَ مِنَ الْقَدَرِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ الْغَلَبَةُ لِآدَمَ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَيْسَ لِمَخْلُوقٍ أَنْ يَلُومَ مَخْلُوقًا فِي وُقُوعِ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - [11/519] فَيَكُونُ الشَّارِعُ هُوَ اللَّائِمُ ، فَلَمَّا أَخَذَ مُوسَى فِي لَوْمِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي ذَلِكَ عَارَضَهُ بِالْقَدَرِ فَأَسْكَتَهُ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ آدَمُ اجْتَمَعَ فِيهِ الْقَدَرُ وَالْكَسْبُ ، وَالتَّوْبَةُ تَمْحُو أَثَرَ الْكَسْبِ ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ تَابَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَدَرُ ، وَالْقَدَرُ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ لَوْمٌ لِأَنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ .
ثَالِثُهَا : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا عِنْدِي مَخْصُوصٌ بِآدَمَ لِأَنَّ الْمُنَاظَرَةَ بَيْنَهُمَا وَقَعَتْ بَعْدَ أَنْ تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ قَطْعًا كَمَا قَالَ - تَعَالَى - : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ فَحَسُنَ مِنْهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى مُوسَى لَوْمَهُ عَلَى الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تِيبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ لَامَهُ عَلَى ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ كَمَا لَوْ قَتَلَ أَوْ زَنَا أَوْ سَرَقَ : هَذَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي ، فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَلُومَنِي عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِ لَوْمِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ ، بَلْ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ مَحْمَدَةِ مَنْ وَاظَبَ عَلَى الطَّاعَةِ .
قَالَ : وَقَدْ حَكَى ابْنُ وَهْبٍ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ آدَمَ بَعْدَ أَنْ تِيبَ عَلَيْهِ .
رَابِعُهَا : إِنَّمَا تَوَجَّهَتِ الْحُجَّةُ لِآدَمَ لِأَنَّ مُوسَى لَامَهُ بَعْدَ أَنْ مَاتَ ، وَاللَّوْمُ إِنَّمَا يُتَوَجَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَا دَامَ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ حِينَئِذٍ جَارِيَةٌ عَلَيْهِمْ ، فَيُلَامُ الْعَاصِي وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَالْقِصَاصُ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَأَمَّا بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ فَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الْأَمْوَاتِ وَلَا تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ لِأَنَّ مَرْجِعَ أَمْرِهِمْ إِلَى اللَّهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُثَنِّي الْعُقُوبَةَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، بَلْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ التَّثْرِيبِ عَلَى الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَأُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَوْمُ مُوسَى لِآدَمَ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ انْتِقَالِهِ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ ، وَثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ تَابَ عَلَيْهِ فَسَقَطَ عَنْهُ اللَّوْمُ ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ السَّابِقِ ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ غَلَبَ مُوسَى بِالْحُجَّةِ .
قَالَ الْمَازِرِيُّ : لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ صَارَ ذِكْرُ مَا صَدَرَ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ كَالْبَحْثِ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ ، فَأَخْبَرَ هُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ الْقَضَاءُ السَّابِقُ ، فَلِذَلِكَ غَلَبَ بِالْحُجَّةِ .
قَالَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ : إِنَّمَا قَامَتْ حُجَّةُ آدَمَ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ لِيَجْعَلَهُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ، فَلَمْ يَحْتَجَّ آدَم فِي أَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ بِسَابِقِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ كَانَ عَنِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ بِالْقَدَرِ لِخُرُوجِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ .
وَقِيلَ : إِنَّ آدَمَ أَبٌ وَمُوسَى ابْنٌ وَلَيْسَ لِلِابْنِ أَنْ يَلُومَ أَبَاهُ ، حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّ آدَمَ أَكْبَرُ مِنْهُ ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، ثُمَّ هُوَ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ يَجُوزُ لِلِابْنِ أَنْ يَلُومَ أَبَاهُ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا غَلَبَهُ لِأَنَّهُمَا فِي شَرِيعَتَيْنِ مُتَغَايِرَتَيْنِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا ، وَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَةِ آدَمَ أَنَّ الْمُخَالِفَ يَحْتَجُّ بِسَابِقِ الْقَدَرِ ، وَفِي شَرِيعَةِ مُوسَى أَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ أَوْ أَنَّهُ يُتَوَجَّهُ لَهُ اللَّوْمُ عَلَى الْمُخَالِفِ ، وَفِي الْجُمْلَةِ فَأَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا فَيُمْكِنُ أَنْ يَمْتَزِجَ مِنْهُمَا جَوَابٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ أَنَّ التَّائِبَ لَا يُلَامُ عَلَى مَا تِيبَ عَلَيْهِ مِنْهُ وَلَا سِيَّمَا إِذَا انْتَقَلَ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ .
وَقَدْ سَلَكَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْمَسْلَكَ فَقَالَ : مَعْنَى كَلَامِ آدَمَ أَنَّكَ يَا مُوسَى تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ ، وَلَوْ حَرَصْتُ أَنَا وَالْخَلْقُ أَجْمَعُونَ عَلَى رَدِّ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْهُ لَمْ نَقْدِرْ فَلَا تَلُمْنِي فَإِنَّ اللَّوْمَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ شَرْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ ، وَإِذَا تَابَ اللَّهُ عَلَيَّ وَغَفَرَ لِي زَالَ اللَّوْمُ فَمَنْ لَامَنِي كَانَ مَحْجُوجًا بِالشَّرْعِ . فَإِنْ قِيلَ : فَالْعَاصِي الْيَوْمَ لَوْ قَالَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ قُدِّرَتْ عَلَيَّ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ عَنِّي اللَّوْمُ قُلْنَا : الْفَرْقُ أَنَّ هَذَا الْعَاصِي بَاقٍ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَاللَّوْمِ ، وَفِي ذَلِكَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ زَجْرٌ وَعِظَةٌ ، فَأَمَّا آدَمُ فَمَيِّتٌ خَارِجٌ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ مُسْتَغْنٍ عَنِ الزَّجْرِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلَوْمِهِ فَائِدَةٌ ، بَلْ فِيهِ إِيذَاءٌ وَتَخْجِيلٌ ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْغَلَبَةُ لَهُ .
وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَلْزَمَنِي بِهِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَثْبَتَهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ ، وَحَكَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ . ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْمُحَاجَجَةَ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ عِنْدَ مُلْتَقَى الْأَرْوَاحِ وَلَمْ تَقَعْ فِي عَالَمِ الْأَسْبَابِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عَالَمَ الْأَسْبَابِ لَا يَجُوزُ قَطْعُ النَّظَرِ فِيهِ عَنِ الْوَسَائِطِ وَالِاكْتِسَابِ بِخِلَافِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ بَعْدَ انْقِطَاعِ مُوجِبِ الْكَسْبِ وَارْتِفَاعِ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ ، فَلِذَلِكَ احْتَجَّ آدَمُ بِالْقَدَرِ السَّابِقِ .
قُلْتُ : [11/520] وَهُوَ مُحَصَّلُ بَعْضِ الْأَجْوِبَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ التَّعْرِيضِ بِصِيغَةِ الْمَدْحِ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ آدَمَ لِمُوسَى : " أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ " إِلَى آخِرِ مَا خَاطَبَهُ بِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى عُذْرِهِ وَعَرَفَهُ بِالْوَحْيِ ، فَلَوِ اسْتَحْضَرَ ذَلِكَ مَا لَامَهُ مَعَ وُضُوحِ عُذْرِهِ ، وَأَيْضًا فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لِمُوسَى فِيهِ اخْتِصَاصٌ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَوْ لَمْ يَقَعْ إِخْرَاجِي الَّذِي رُتِّبَ عَلَى أَكْلِي مِنَ الشَّجَرَةِ مَا حَصَلَتْ لَكَ هَذِهِ الْمَنَاقِبُ لِأَنِّي لَوْ بَقِيتُ فِي الْجَنَّةِ ، وَاسْتَمَرَّ نَسْلِي فِيهَا مَا وُجِدَ مَنْ تَجَاهَرَ بِالْكُفْرِ الشَّنِيعِ بِمَا جَاهَرَ بِهِ فِرْعَوْنُ حَتَّى أُرْسِلْتَ أَنْتَ إِلَيْهِ وَأُعْطِيتَ مَا أُعْطِيتَ ، فَإِذَا كُنْتُ أَنَا السَّبَبَ فِي حُصُولِ هَذِهِ الْفَضَائِلِ لَكَ فَكَيْفَ يَسُوغُ لَكَ أَنْ تَلُومَنِي .
قَالَ الطِّيبِيُّ : مَذْهَبُ الْجَبْرِيَّةِ إِثْبَاتُ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ وَنَفْيُهَا عَنِ الْعَبْدِ أَصْلًا ، وَمَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِخِلَافِهِ ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ، وَالطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ الْقَصْدُ ، فَلَمَّا كَانَ سِيَاقُ كَلَامِ مُوسَى يَؤُولُ إِلَى الثَّانِي بِأَنْ صَدَّرَ الْجُمْلَةَ بِحَرْفِ الْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ ، وَصَرَّحَ بِاسْمِ آدَمَ وَوَصَفَهُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُسْتَقِلَّةٌ فِي عِلِّيَّةِ عَدَمِ ارْتِكَابِهِ الْمُخَالَفَةَ ، ثُمَّ أَسْنَدَ الْإِهْبَاطَ إِلَيْهِ ، وَنَفْسُ الْإِهْبَاطِ مَنْزِلَةٌ دُونَ فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَا أَبْعَدَ هَذَا الِانْحِطَاطُ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاصِبِ الْعَالِيَةِ ، فَأَجَابَ آدَمُ بِمَا يُقَابِلُهَا بَلْ أَبْلَغَ فَصَدَّرَ الْجُمْلَةَ بِهَمْزَةِ الْإِنْكَارِ أَيْضًا ، وَصَرَّحَ بِاسْمِ مُوسَى وَوَصَفَهُ بِصِفَاتٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٌ فِي عِلِّيَّةِ عَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ رَتَّبَ الْعِلْمَ الْأَزَلِيَّ عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ أَتَى بِهَمْزَةِ الْإِنْكَارِ بَدَلَ كَلِمَةِ الِاسْتِبْعَادِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ هَذَا ثُمَّ تَلُومُنِي .
قَالَ : وَفِي هَذَا التَّقْرِيرِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحَرِّي قَصْدِ الْأُمُورِ . قَالَ : وَخَتَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ بِقَوْلِهِ : " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى " تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ بَعْضَ أُمَّتِهِ كَالْمُعْتَزِلَةِ يُنْكِرُونَ الْقَدَرَ فَاهْتَمَّ لِذَلِكَ وَبَالَغَ فِي الْإِرْشَادِ . قُلْتُ : وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ : سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ . فَلَمَّا كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ اكْتَفَى بِهِ مُعْرِضًا عَمَّا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ مِنْ تَقْوِيَةِ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ الْمُكَفِّرِينَ بِالذَّنْبِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ دَفْعِهِ فِي مَكَانِهِ ، فَكَذَلِكَ هُنَا لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ سَبْقَ الْقَدَرِ اكْتَفَى بِهِ مُعْرِضًا عَمَّا يُوهِمُهُ ظَاهِرُهُ مِنْ تَقْوِيَةِ مَذْهَبِ الْجَبْرِيَّةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ دَفْعِهِ فِي مَكَانِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عِدَّةٌ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : فَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي أُخْرِجَ مِنْهَا آدَمُ هِيَ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ وَيَدْخُلُونَهَا فِي الْآخِرَةِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ : إِنَّهَا جَنَّةٌ أُخْرَى ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَزَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَرْضِ ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرِّقَاقِ . وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْعُمُومِ وَإِرَادَةُ الْخُصُوصِ فِي قَوْلِهِ : " أَعْطَاكَ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ " وَالْمُرَادُ بِهِ كِتَابُهُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ وَكُلُّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ ; وَلَيْسَ الْمُرَادُ عُمُومُهُ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ الْخَضِرَ عَلَى قَوْلِهِ : وَإِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ " . وَقَدْ مَضَى وَاضِحًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْكَهْفِ .
وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْحُجَجِ فِي الْمُنَاظَرَةِ لِإِظْهَارِ طَلَبِ الْحَقِّ ، وَإِبَاحَةِ التَّوْبِيخِ وَالتَّعْرِيضِ فِي أَثْنَاءِ الْحِجَاجِ لِيُتَوَصَّلَ إِلَى ظُهُورِ الْحُجَّةِ ، وَأَنَّ اللَّوْمَ عَلَى مَنْ أَيْقَنَ وَعَلِمَ أَشَدُّ مِنَ اللَّوْمِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ . وَفِيهِ مُنَاظَرَةُ الْعَالِمِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَالِابْنِ أَبَاهُ ، وَمَحَلُّ مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ أَوِ الِازْدِيَادِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْوُقُوفِ عَلَى حَقَائِقِ الْأُمُورِ .
وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَخَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ . وَفِيهِ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ لِلشَّخْصِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي بَعْضٍ كَحَالَةِ الْغَضَبِ وَالْأَسَفِ ، وَخُصُوصًا مِمَّنْ طُبِعَ عَلَى حِدَّةِ الْخُلُقِ وَشِدَّةِ الْغَضَبِ ، فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا غَلَبَتْ عَلَيْهِ حَالَةُ الْإِنْكَارِ فِي الْمُنَاظَرَةِ خَاطَبَ آدَمَ مَعَ كَوْنِهِ وَالِدَهُ بِاسْمِهِ مُجَرَّدًا ، وَخَاطَبَهُ بِأَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ لِيُخَاطِبَ بِهَا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَلَ إِلَى مُعَارَضَتِهِ فِيمَا أَبَدَاهُ مِنَ الْحُجَّةِ فِي دَفْعِ شُبْهَتِهِ .