|
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 83 - كِتَاب الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ 1 - بَاب قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 6621 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ وَقَالَ : لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي .
[11/525] قَوْلُهُ : ( كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ) الْأَيْمَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ يَمِينٍ ، وَأَصْلُ الْيَمِينِ فِي اللُّغَةِ الْيَدُ ، وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْحَلِفِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَحَالَفُوا أَخَذَ كُلٌّ بِيَمِينِ صَاحِبِهِ وَقِيلَ : لِأَنَّ الْيَدَ الْيُمْنَى مِنْ شَأْنِهَا حِفْظُ الشَّيْءِ فَسُمِّيَ الْحَلِفُ بِذَلِكَ لِحِفْظِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَسُمِّيَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّسِهِ بِهَا . وَيُجْمَعُ الْيَمِينُ أَيْضًا عَلَى أَيْمُنٍ كَرَغِيفٍ وَأَرْغُفٍ . وَعُرِّفَتْ شَرْعًا بِأَنَّهَا تَوْكِيدُ الشَّيْءِ بِذِكْرِ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ لِلَّهِ ، وَهَذَا أَخْصَرُ التَّعَارِيفِ وَأَقْرَبُهَا . وَالنُّذُورُ جَمْعُ نَذْرٍ وَأَصْلُهُ الْإِنْذَارُ بِمَعْنَى التَّخْوِيفِ . وَعَرَّفَهُ الرَّاغِبُ بِأَنَّهُ إِيجَابُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِحُدُوثِ أَمْرٍ . [11/526] قَوْلُهُ : قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ لَفْظِ " بَابُ " وَهُوَ مُقَدَّرٌ ، وَثَبَتَ لِبَعْضِهِمْ كَالْإِسْمَاعِيلِيِّ . قَوْلُهُ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ الْآيَةَ وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ "تَشْكُرُونَ " وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّ الْمَذْكُورَ مِنَ الْآيَةِ هُنَا إِلَى قَوْلِهِ : بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْآيَةِ فَقَدْ تَرْجَمَ بِهِ فِي أَوَّلِ كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ ، فَقَالَ : لِقَوْلِهِ : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ " نَعَمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَاقَ الْآيَةَ كُلَّهَا أَوَّلًا ، ثُمَّ سَاقَ بَعْضَهَا حَيْثُ احْتَاجَ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : بِاللَّغْوِ قَالَ الرَّاغِبُ : هُوَ فِي الْأَصْلِ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْأَيْمَانِ مَا يُورَدُ عَنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ فَيَجْرِي مَجْرَى اللِّغَاءِ وَهُوَ صَوْتُ الْعَصَافِيرِ ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ . قَوْلُهُ : ( عَقَّدْتُمْ ) قُرِئَ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِهَا ، وَأَصْلُهُ الْعَقْدُ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ أَطْرَافِ الشَّيْءِ ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْأَجْسَامِ وَيُسْتَعَارُ لِلْمَعَانِي نَحْوَ عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْمُعَاهَدَةِ ، قَالَ عَطَاءٌ : مَعْنَى قَوْلِهِ عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ أَكَّدْتُمْ . ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ قَوْلُهُ : ( عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ هِشَامٍ بِسَنَدِهِ " عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ كَانَ " أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ عَنْ أَبِيهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ ذِكْرُ مَنْ رَوَاهُ مَرْفُوعًا ، وَقَدْ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي " الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ " وَقَالَ : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ : هَذَا خَطَأٌ وَالصَّحِيحُ " كَانَ أَبُو بَكْرٍ " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَانُ ، وَوَكِيعٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ . قَوْلُهُ : ( لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ إِلَخْ ) قِيلَ : إِنَّ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ عِنْدَ حَلِفِهِ أَنْ لَا يَصِلَ مِسْطَحًا بِشَيْءٍ فَنَزَلَتْ وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ الْآيَةَ ، فَعَادَ إِلَى مِسْطَحٍ مَا كَانَ يَنْفَعُهُ بِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي تَفْسِيرِ النُّورِ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى النَّقْلِ الْمَذْكُورِ مُسْنَدًا ، ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ نَقْلًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : " حُدِّثْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ [11/527] حَلَفَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ لِخَوْضِهِ فِي الْإِفْكِ " . قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ ) وَافَقَهُ وَكِيعٌ ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ : " إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ " وَوَافَقَهُ سُفْيَانُ . وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي " بَابُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ " مِنْ كِتَابِ كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ .
|