6872 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ قَالَ : سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُحَدِّثُ قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ قَالَ : فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ . قَالَ : وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ . قَالَ : فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . قَالَ : فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ . قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَقَالَ لِي : يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنه إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا . قَالَ : قَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ : فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ .


الْحَدِيثُ الثَّامِنُ : حَدِيثُ أُسَامَةَ ، قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ) تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ هُشَيْمٍ وَكِلَاهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : " أَنْبَأَنَا " .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَالْأَصِيلِيِّ : " أَنْبَأَنَا حُصَيْنٌ " ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ ، وَأَبُو ظَبْيَانَ بِظَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ يَاءٍ آخِرَ الْحُرُوفِ وَاسْمُهُ أَيْضًا حُصَيْنٌ وَهُوَ ابْنُ جُنْدَبٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ .
قَوْلُهُ : ( بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْحُرَقَةِ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبِالرَّاءِ ثُمَّ قَافٍ ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَةَ تَقَدَّمَ نِسْبَتُهُمْ إِلَيْهِمْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ ، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : سُمُّوا بِذَلِكَ لِوَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ فَأَحْرَقُوهُمْ بِالسِّهَامِ لِكَثْرَةِ مَنْ قَتَلُوا مِنْهُمْ .
وَهَذِهِ السَّرِيَّةُ يُقَالُ لَهَا سَرِيَّةُ غَالِبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ وَكَانَتْ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ شَيْخِهِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي [12/203] : " حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَسْلَمَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَالِبَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيَّ ثُمَّ اللَّيْثِيَّ إِلَى أَرْضِ بَنِي مُرَّةَ وَبِهَا مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكٍ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي الْحُرَقَةِ فَقَتَلَهُ أُسَامَةُ " فَهَذَا يُبَيِّنُ السَّبَبَ فِي قَوْلِ أُسَامَةَ : " بَعَثْنَا إِلَى الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ " .
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قِصَّةَ الَّذِي قَتَلَ ثُمَّ مَاتَ فَدُفِنَ وَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ غَيْرُ قِصَّةِ أُسَامَةَ ؛ لِأَنَّ أُسَامَةَ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا ، وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِيِ : " بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ إِلَى الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ " فَجَرَى الدَّاوُدِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ فِيهِ : " تَأْمِيرُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ " وَتُعُقِّبَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ أُسَامَةَ كَانَ الْأَمِيرَ ؛ إِذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ التَّرْجَمَةَ بِاسْمِهِ لِكَوْنِهِ وَقَعَتْ لَهُ تِلْكَ الْوَاقِعَةُ لَا لِكَوْنِهِ كَانَ الْأَمِيرَ ، وَالثَّانِي أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ فَمَا كَانَ أُسَامَةُ يَوْمئِذٍ إِلَّا بَالِغًا لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ لَهُ لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا .
قَوْلُهُ : ( فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ ) أَيْ هَجَمُوا عَلَيْهِمْ صَبَاحًا قَبْلَ أَنْ يَشْعُرُوا بِهِمْ ، يُقَالُ صَبَّحْتُهُ أَتَيْتُهُ صَبَاحًا بَغْتَةً ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ
قَوْلُهُ : ( وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ
قَوْلُهُ : ( رَجُلًا مِنْهُمْ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اسْمُهُ مِرْدَاسُ بْنُ عَمْرٍو الْفَدْكِيُّ وَيُقَالُ : مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكٍ الْفَزَارِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَتَلَهُ أُسَامَةُ وَسَاقَ الْقِصَّةَ ، وَذَكَرَ ابْنُ مَنْدَهْ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ : " بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرِيَّةً فِيهَا أُسَامَةُ إِلَى بَنِي ضَمْرَةَ " فَذَكَرَ قَتْلَ أُسَامَةَ الرَّجُلَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي الدِّيَاتِ : " حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَلِيمٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ خَيْلًا إِلَى فَدْكٍ فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ مِرْدَاسٌ الْفَدْكِيُّ قَدْ خَرَجَ مِنَ اللَّيْلِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ أَنِّي لَاحِقٌ بِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ فَبَصُرَ بِهِ رَجُلٌ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي مُؤْمِنٌ فَقَتَلَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ - وَسَلَّمَ : هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ : قَالَ فَقَالَ أَنَسٌ : إِنَّ قَاتِلَ مِرْدَاسٍ مَاتَ فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ فَوْقَ الْقَبْرِ فَأَعَادُوهُ فَأَصْبَحَ فَوْقَ الْقَبْرِ مِرَارًا فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ أَنْ يُطْرَحَ فِي وَادٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الْأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَلَكِنَّ اللَّهَ وَعَظَكُمْ " .
قُلْتُ : إِنْ ثَبَتَ هَذَا فَهُوَ مِرْدَاسٌ آخَرُ ، وَقَتِيلُ أُسَامَةَ لَا يُسَمَّى مِرْدَاسًا ، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فِي قَتْلِ مِحْلَمِ بْنِ جَثَّامَةَ ، عَامِرَ بْنَ الْأَضْبَطِ وَأَنَّ مَحَلمًا لَمَّا مَاتَ وَدُفِنَ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
قَوْلُهُ : ( غَشِينَاهُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مُعْجَمَتَيْنِ أَيْ لَحِقْنَا بِهِ حَتَّى تَغَطَّى بِنَا ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : " فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ " ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جُنْدَبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : " فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَتَلَهُ " وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ أَوَّلًا فَلَمَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ضَرْبِهِ بِالسَّيْفِ طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ .
قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا قَدِمْنَا ) أَيِ الْمَدِينَةَ ( بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ : " فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أُسَامَةَ لَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَتَقْدِيرُهُ الْأَوَّلُ بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنِّي .
قَوْلُهُ : ( أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : " بَعْدَ أَنْ قَالَ " ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : فِي هَذَا اللَّوْمِ تَعْلِيمٌ وَإِبْلَاغٌ فِي الْمَوْعِظَةِ حَتَّى لَا يُقْدِمَ أَحَدٌ عَلَى قَتْلِ مَنْ تَلَفَّظَ بِالتَّوْحِيدِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِي تَكْرِيرِهِ ذَلِكَ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ قَبُولِ الْعُذْرِ زَجْرٌ شَدِيدٌ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ .
[12/204] قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ : " قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ " ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أُسَامَةَ : " إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيُحْرِزَ دَمَهُ " .
قَوْلُهُ : ( قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا ) كَذَا أَعَادَ الِاعْتِذَارَ وَأُعِيدَ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ : أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا .
قَالَ النَّوَوِيُّ : الْفَاعِلُ فِي قَوْلِهِ : " أَقَالَهَا " هُوَ الْقَلْبُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّكَ إِنَّمَا كُلِّفْتَ بِالْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ وَمَا يَنْطِقُ بِهِ اللِّسَانُ وَأَمَّا الْقَلْبُ فَلَيْسَ لَكَ طَرِيقٌ إِلَى مَا فِيهِ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ تَرْكَ الْعَمَلِ بِمَا ظَهَرَ مِنَ اللِّسَانِ فَقَالَ : أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ لِتَنْظُرَ هَلْ كَانَتْ فِيهِ حِينَ قَالَهَا وَاعْتَقَدَهَا أَوْ لَا ، وَالْمَعْنَى أَنَّكَ إِذَا كُنْتَ لَسْتَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ فَاكْتَفِ مِنْهُ بِاللِّسَانِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَثْبَتَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْبَاطِنَةِ .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ) أَيْ أَنَّ إِسْلَامِي كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ ، فَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَقْتُ أَوَّلَ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامُ لِيَأْمَنَ مِنْ جَرِيرَةِ تِلْكَ الْفَعْلَةِ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ تَمَنَّى أَنْ لَا يَكُونَ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ اسْتَصْغَرَ مَا سَبَقَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الْفَعْلَةِ لِمَا سَمِعَ مِنَ الْإِنْكَارِ الشَّدِيدِ ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ : " حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمئِذٍ " .
وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ زِيَادَاتٌ وَلَفْظُهُ : " بَعَثَ بَعْثًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَالْتَقَوْا فَأَوْجَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِيهِمْ فَأَبْلَغَ ، فَقَصَدَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِيلَتَهُ - كُنَّا نَتَحَدَّثُ : إنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَتَلَهُ " الْحَدِيثَ .
وَفِيهِ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا أَتَتْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي ، قَالَ : كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ " ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَعَلَّ أُسَامَةَ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ تَعَالَى : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا وَلِذَلِكَ عَذَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُلْزِمْهُ دِيَةً وَلَا غَيْرَهَا .
قُلْتُ : كَأَنَّهُ حَمَلَ نَفْيَ النَّفْعِ عَلَى عُمُومِهِ دُنْيَا وَأُخْرَى ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادَ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ أَنَّهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ يَنْفَعُهُ نَفْعًا مُقَيَّدًا بِأَنْ يَجِبَ الْكَفُّ عَنْهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ أَمْرُهُ هَلْ قَالَ ذَلِكَ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ خَشْيَةً مِنَ الْقَتْلِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ هَجَمَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَوَصَلَ خُرُوجُ الرُّوحِ إِلَى الْغَرْغَرَةِ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ فَإِنَّهُ إِذَا قَالَهَا لَمْ تَنْفَعْهُ بِالنِّسْبَةِ لِحُكْمِ الْآخِرَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ .
وَأَمَّا كَوْنُهُ لَمْ يُلْزِمْهُ دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً فَتَوَقَّفَ فِيهِ الدَّاوُدِيُّ وَقَالَ : لَعَلَّهُ سَكَتَ عَنْهُ لِعِلْمِ السَّامِعِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا يَلْزَمُ مِنَ السُّكُوتِ عَنْهُ عَدَمُ الْوُقُوعِ ، لَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِعَدَمِ السُّكُوتِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ إِنْ وَقَعَ ، قَالَ : فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ فَلَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَ مِنْ نَفْسٍ وَلَا مَالٍ كَالْخَاتِنِ وَالطَّبِيبِ ، أَوْ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ مِنَ الْعَدُوِّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَحِقُّ دِيَتَهُ ، قَالَ : وَهَذَا يَتَمَشَّى عَلَى بَعْضِ الْآرَاءِ ، أَوْ لِأَنَّ أُسَامَةَ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَلَمْ تَقُمْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَلَمْ تَلْزَمِ الْعَاقِلَةَ الدِّيَةُ وَفِيهِ نَظَرٌ .
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ سَبَبَ حَلِفِ أُسَامَةَ أَنْ لَا يُقَاتِلَ مُسْلِمًا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَمِنْ ثَمَّ تَخَلَّفَ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْجَمَلِ وَصِفِّينَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ .
قُلْتُ : وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ الْمَذْكُورَةِ : " أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يَقُولُ لَا أُقَاتِلُ مُسْلِمًا حَتَّى يُقَاتِلَهُ أُسَامَةُ " ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ النَّوَوِيُّ عَلَى رَدِّ الْفَرْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِيمَنْ رَأَى كَافِرًا أَسْلَمَ فَأُكْرِمَ إِكْرَامًا كَثِيرًا فَقَالَ لَيْتَنِي كُنْتُ كَافِرًا فَأَسْلَمْتُ لِأُكْرَمَ ، فَقَالَ الرَّافِعِيُّ : يَكْفُرُ بِذَلِكَ ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَكْفُرُ لِأَنَّهُ جَازِمُ الْإِسْلَامِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ ، [12/205] وَإِنَّمَا تَمَنَّى ذَلِكَ فِي الْحَالِ الْمَاضِي مُقَيَّدًا لَهُ بِالْإِيمَانِ لِيَتِمَّ لَهُ الْإِكْرَامُ ، وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ أُسَامَةَ ثُمَّ قَالَ : وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ .