[1/145] كراهية البول في المغتسل
40 - حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن أشعث بن عبد اللّه ، عن الحسن ، عن عبد الله بن مغفل ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يبولن أحدكم في مستحمه ، فإنّ عامة الوسواس منه " .


هذا حديث صحيح ، خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه بلفظ : " فإن عامة الوسواس يكون منه " .
وقال البخاري في تاريخه الصغير : رواه - يعني الحديث - ابن المبارك ، عن أشعث بن عبد اللّه . ورواه بعضهم عن أشعث بن جابر . انتهى .
وهو يقتضي التفرقة بينهما وليس كذلك للتذكرة بعد .
وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .
، ذكر البرقاني : قلت له - يعني الدارقطني - : أشعث عن الحسن ؟ قال : هم ثلاثة يحدثون جميعا عن الحسن : أحدهم الحمراني ، منسوب إلى حمران مولى عثمان ، بصري ثقة ، وأشعث بن عبد اللّه الحداني يعتبر به ، يروي عن الحسن ، وأشعث بن سوار الكوفي ، يعتبر به ، وهو أضعفهم ، وذكره ابن الجارود في كتاب " المنتقى " ، وأحمد بلفظ : " ثم يتوضأ فيه " ، وعلل برواية شعبة ، عن قتادة ، عن ابن مغفل موقوفا : " البول في المغتسل يأخذ منه الوسواس " ، وفي لفظ : إنّ ابن المغفل سُئِلَ عن الرجل يبول في مغتسله ؟ [1/146] فقال : يخاف منه الوسواس ؛ ولذلك قال بعض الحفاظ : الوقف أصح ، وكذا رواه يزيد بن إبراهيم التستري ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن ابن مغفل : أنه كان يكره البول في المغتسل . وقال : إن منه الوسواس . وقال الإمام أحمد فيما حكاه عنه الخلال : إنما يُرْوَى عن الحسن مرسلا ، ويشبه أن يكون هذا مستند أبي عيسى الترمذي في قوله : هذا الحديث غريب ، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث أشعث ، وليس ذلك بعلّة ؛ لأن أشعث يحتمل رفعه لحديث تابعه عليه غيره خلافا له وللبخاري وأحمد في قولهما : لا نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه ، وهو ما رواه الحاكم ، وزعم أنّه على شرطهما ، عن أبي بكر بن إسحاق ، نا أبو المثنى ، نا محمد بن المنهال ، نا يزيد بن زريع ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عقبة بن صهبان ، عن عبد الله بن مغفل قال : " نهي - أو زجر - أن يبال في المغتسل " .
وصيغة " نهي أو زُجر " من الصحابي محمولة على الرفع كما هو مقرر في هذا الفن ، وما ذكره أبو القاسم في معجمه الكبير بسند لا بأس به ، عن الحسين بن إسحاق القشيري ، عن سهل بن عثمان ، عن عليّ بن هاشم ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، عن ابن مغفل مرفوعًا ، إذ المثبت أولى من النافي ، ومن علم حجة على من لم يعلم .
وأمّا ما ذكره البيهقي من أن البخاري قال : يُروى أن أشعث هذا هو ابن جابر الحداني . وقال معمر : أشعث بن عبد اللّه ، قال : وقيل : هو أشعث بن عبد الله بن جابر . فهذا اختلاف يدل على اضطراب الحفظ وعدم الضبط ، فكلام لا حاصل تحته ؛ لأن عبد الغني بن سعيد المصري ، قال : أشعث بن جابر الحدَّاني البصري ، وأشعث بن عبد اللّه البصري ، وأشعث بن عبد الله بن جابر ، وأشعث الأعمى ، والأشعث الأزدي ، والأشعث الجملي - واحد .
وفي كلام البيهقي المذكور [1/147] آنفا إشعار ببعض ذلك ؛ فهو تارة ينسبه الراوي عنه إلى أبيه ، وتارة إلى جدّه ، وتارة إلى لقبه ، وتارة إلى قبيلته ، وتارة إلى غير ذلك ، وما هذا سبيله فليس من الاضطراب في شيء ، وأيضا فهذا اختلاف في نسبه ليس في نفسه ولا حاله ، ولو كان مثل ذلك ضارا ، لكان الذهلي وغيره أجدر بهذا .
وأيضا فقوله : فهذا اختلاف يدل على اضطراب الحفظ ، إن أراد حفظ الذين سموه بذلك فليس بشيء ؛ لأن معمرا وابن المبارك لا يحسن فيهما هذا ، وإن أراد حفظه هو فليس بشيء أيضا ؛ لأنه هو لا يتهم في نسب نفسه ، فلا يَنسبُّ ذلك الاضطراب إليه
، وسبب ذلك - واللّه أعلم - أنهم كانوا يحفظون ولا يكتبون ، فتارة ينشط الراوي بنسب شيخه ، وتارة يقتصر على بعض نسبه ، أو يكون كثير الرواية عنه فيدلسه ، أو غير ذلك من الأغراض ، ومثل ذلك لا يعد اضطرابا ، ولئن عددناه اضطرابا فبالنسبة إلى من أدَّى وأرَّخ ، لا إليه ، واللّه أعلم .
وأمّا ما ذكره عبد الحق الإشبيلي من أنّ هذا الحديث أرسله الأشعث ، عن الحسن ولم يسمعه منه ، لما ذكره العقيلي ، عن القطان قال : قيل للأشعث : أسمعته من الحسن ؟ قال : لا ، فوهم منه على العقيلي لم يقله ، والذي فيه رواه ابن المديني ، عن يحيى القطان ، عن الحسن بن ذكوان ، عن الحسن ، قيل لابن ذكوان : أسمعته من الحسن ؟ قال : لا ، قال العقيلي : لعله سمعه من الأشعث عنه . وابن ذكوان لا مدخل له فيما نحن بصدده .
وأمّا ما ذكره أبو القاسم في " الأوسط " ، من أنّه لم يروه عن الأشعث إلَّا معمر ؛ فحبذا بمعمر وما رواه ، وهذا هو الذي صيّره عند الترمذي غريبا ، واللّه أعلم .
وقد روي عن جماعة من الصحابة نحوه : منهم عمران بن حصين ، وعائشة ، وابن مسعود ، وأبو بكرة ، ورجل له صحبة ، وحديثه عند أبي داود ، وإسناده صحيح ، وإن كان قد أعله بعضهم ما لا يقدح فيه ، [1/148] واللّه أعلم ، وعبد الله بن سرجس ، وحديثه عند أبي داود والنسائي ، وابن عمر ، وحديثه في تاريخ الموصل ، وسيأتي في باب المتمندل ، وحديث الحارث بن يزيد الجهني : " نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبال في الماء المجتمع المستنقع " ذكره أبو موسى من حديث بشر بن عمارة ، عن الأحوص بن حكيم ، عن الحارث بن زياد عنه .
المستحم : المغتسل ، مشتق من الحميم ، وهو الماء المسخن لملازمة المغتسل له غالبا .
وحكى الأزهري عن ابن الأعرابي إطلاق الحميم على البارد ، فهو من الأضداد ، وفي الصحاح : الغسول : الماء الذي يغتسل به ، وكذلك المغتسل ، قال اللّه تعالى : هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ، والمغتسل : المكان الذي يغتسل فيه ، وهو المراد هنا ، وعامة : يعبر بها عن الجميع ، وتستعمل في الأكثر توسعا ، والوسواس - بالفتح - : حديث النفس ، قَال في " المطالع " : هو ما يلقيه الشيطان في القلب ، وقَد يطلق ويراد به الشيطان ، وبالكسر المصدر ، سمعت محمد بن يزيد ، سمعت علي بن محمد الطنافسي يقول : إنّما هذا في الحفرة ، فأمّا اليوم فلمغتسلاتهم الجصّ والصاروج والقير ، فإذا بال فأرسل عليه الماء فلا بأس به .
الجص بكسر الجيم ، حكاه ثعلب ، وحكى أبو عبيد في الغريب ويعقوب في الاصطلاح : فتح الجيم أيضا ، وكذلك المطرز قال : ويقال له أيضا الصُّرّاج ، والقَصة . زاد ابن هشام : والقَصّ والصاروج بصاد مهملة وجيم ، قال القزاز : هو الجير الذي تعمل به الحمامات ، وقال الجواليقي : هو النورة وأخلاطها التي تصرّج بها الحياض ، وهو فارسي معرب ، وكذلك كل كلمة فيها صاد وجيم ؛ لأنهما لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب . وبنحوه قاله الجوهري وصاحب الجمهرة . والقار ، قال أبو حنيفة : هو شجر مرٌ . قال بشر بن أبي حازم : [1/149]
يسومون الصلاح بذات كهف
وما فيها لهم سلعٌ وقار
وقال ابن الأعرابي : يقال هذا أقير منه ، إذا كان أمر ، وفي الجامع : القار والقير لغتان ، وهو الذي يطلى به السفن ، وبنحوه قاله في الصحاح ، وبنحو ما قاله الطنافسي قاله أبو سليمان الخطابي وأحمد بن حنبل ، قال الترمذي : ورخص فيه ، يعني إطلاق البول في المغتسل سواء أكان جددا أو غير جدد - ابن سيرين ، والقاسم بن محمد .