52 - حدّثنا علي بن محمد ، ثنا وكيع ، عن الأعمش ، وثنا محمد بن بشار ، ثنا عبد الرحمن ، ثنا سفيان ، عن منصور ، والأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن سلمان قال : قال له بعض المشركين وهم يستهزؤون به : إني أرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة ، قال : أجل ، أمرنا أن لا نستقبل القبلة ، وأن لا نستنجي بأيماننا ، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم .

ورواه مسلم في صحيحه بلفظ : " لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول " . وقال [1/169] فيه الترمذي : حسن صحيح ، وذكر الحربي في كتاب " العلل " : كان سفيان إذا حكى عن اثنين حكى أصح الروايتين وأتمهما ، قد فعل ذلك في غير حديث ، منها عن الأعمش ومنصور عن إبراهيم ، فذكر حديث سلمان ، فقال : عن سلمان ، وإنما منصور كان يقول : عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كذا حكاه عن منصور : جرير ، وشعبة ، وزائدة ، وإسرائيل ، وفضيل ، فلما جمع سفيان بين الأعمش ومنصور استجاز أن يقول : عن سلمان .
وزعم أبو عيسى أن في الباب عن عائشة ، وخزيمة ، وجابر ، وخلاد بن السائب ، عن أبيه ، وفي ذلك نظر ؛ لإِغفاله حديث أبي هريرة المتقدم أيضا ، وحديث سهل بن سعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أولا يجد أحدكم حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة ؟ " رواه الدارقطني ، وقال : إسناده حسن .
وحديث ابن عباس مرفوعا : " ثم ليستطب بثلاثة أحجار ، أو ثلاثة أعواد ، أو ثلاث حفنات من تراب " رواه الدارقطني وضعفه ، وحديث أنس بن مالك قال - عليه السلام - : " الاستنجاء بثلاثة أحجار " ذكره البيهقي ، وضعفه بعثمان بن عبد الرحمن الطرائفي .
وحديث أبي أيوب من عند ابن عبد البر مرفوعا : " إذا تغوط أحدكم ، فليستنج بثلاثة أحجار ، فإن ذلك طهور " . وحديث أبي أمامة من عند أبي أحمد مرفوعا : " يطهر [1/170] المؤمن ثلاثة أحجار " وضعفه .
وحديث الزبير بن العوام ، أنا أبو بكر المقدسي ، أنا ابن الحميري إجازة ، أنا شهدة ، أنا ابن هراشة ، أنا البزار ، أنا الإِسماعيلي ، أخبرني موسى بن جعفر بن محمد بن التاجر ، نا يعقوب بن سفيان ، ثنا سليمان بن سلمة ، ثنا بقية ، حدثني نمير بن يزيد القيني ، عن أبيه ، عن عمه قحافة بن ربيعة ، ثنا الزبير بن العوام ، قال : " صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح في مسجد المدينة ، فلما فرغ قال : أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة ؟ " فذكر الحديث .
وفيه : " فأخذ عظما وروثة ، فنظم إحداهما بالأخرى " ، وروي فيه : " فبلهما " ، ثم قال : " هذا طعام الجن " .
قال الزبير : فلا يحل لأحد سمع هذا الحديث أن يستنجي بعظم ولا روثة ولا بعر .
وحديث عقبة بن عامر : " نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن الكي ، وكان يرخص في الحميم ، وكان إذا اكتحل اكتحل وترا ، وإذا استنجى استجمر وترا " ، رواه أحمد بن حازم بن أبي عرزة في مسند عقبة من حديث ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد ، عن عبد الرحمن بن يزيد عنه .
وحديث خلاد بن السائب الذي أشار إليه ، ذكره ابن زبر في معجمه عن البغوي ، ثنا هدبة ، ثنا حماد بن الجعد ، ثنا قتادة ، نا خلاد به .
ويلتحق بهذا الاستنجاء بالتراب ، وهو في حديث رواه عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : " رأيت عمر بن الخطاب بال ، فمسح ذكره بالتراب ، ثم التفت إلينا وقال : هكذا علمناه " .
ذكره أبو القاسم في " الأوسط " ، وقال : لم يروه عن ابن أبي ليلى إلا عطاء ، ولا عن عطاء إلا روح بن جناح . تفرد به الوليد بن مسلم
.
وفي حديث أبي الدرداء : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مال إلى راحلته ، ثم أخذ نواة فوضعها على ذكره ، ثلاث مرات " ذكره الخطيب أبو بكر [1/171] بسند ضعيف ، وحديث ابن عباس مرفوعًا عند الدارقطني : " فليستنج بثلاثة أعواد ، أو بثلاثة أحجار ، أو بثلاث حثيات من التراب " ، وحديث ابن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة يرفعه : " يطهر المؤمن ثلاثة أحجار والماء والطين " .
وحديث جابر بن عبد اللّه مرفوعا : " نهانا أن نمسح بعظم أو بعرة " .
وحديث ابن عمر من عند ابن يونس من جهة ابن لهيعة ، عن عبد اللّه بن زهرة ، عن عبد الله بن معتب عنه مرفوعا : " إذا بال الرجل ومسح ذكره بالتراب ثلاثا ثم يتوضأ ، فإن خرج منه شيء فلا وضوء عليه " ، قال أبو سعيد : الصحيح من هذا موقوف على ابن عمر ، وهو في جامع عبد الرزاق مسندا ، واللّه أعلم .
وحديث سراقة بن مالك بن جعشم ، وقال له رجل : ما بقي إلا أن يعلمكم التغوط ، فقال ... الحديث .
ذكره أبو القاسم في " الأوسط " من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني ، ثنا رباح بن زيد ، عن معمر ، عن سماك بن الفضل ، عن أبي رشدين عنه .
وحديث رويفع من حديث يرفعه : " من استنجى برجيع دابة أو عظم ، فإن محمدا منه بريء " .
رواه أبو داود ، زاد في التفرد : ثنا ابن موهب ، ثنا المفضل عن عياش ، أنّ شييم بن بيتان أخبره بهذا الحديث أيضا ، عن أبي سالم الجيشاني ، أنه سمع عبد الله بن عمرو يذكر ذلك ، وهو معه مرابط بحصن أليون .
قوله : " نهى - عليه السلام - أن يستطيب بيمينه " قال الخطابي : أي لا يستنجي بها ، وسمي الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النجاسة ، يقال : استطاب الرجل إذا استنجى ، فهو مستطيب ، وأطاب فهو مطيب ، ومعنى الطيب هنا الطهارة ، ومنه قوله تعالى : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ .
ونهى - عليه السلام - أن تسمى المدينة يثرب ، قال الهروي : لأن الثرب فساد ، وأمر أن تسمى طابة ، يعني طيبة ، ذكره عنه بعض العلماء ، ولا أدري [1/172] من الهروي ؟ فإن كان اللغوي فليس هذا منه ، ولعله بعض الفقهاء أصحاب المعاني ، قال الخطابي : يعني طهارة التربة ؛ فدلّ ذلك على جواز التيمم بالسباخ .
وقيل : معناه الطهارة من النفاق .
وفي الجامع : وأطاب نفسه يطيب. قال الأعشى :
يا رخما قاظ على مطلوب
يعجل كف الخارئ المطيب
وأصل الاستنجاء : الذهاب إلى النجوة من الأرض الساجة ، وهي المرتفعة ، كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلي ، فقيل من هذا : استنجاء الرجل ، أي أزال النجو عن بدنه ، والنجو كناية عن الحرث ، كما كني عنه بالغائط .
وقيل : أصله نزع الشيء من موضعه وتخليصه منه .
وقال المديني : يقال : أنجى ، إذا أزال النجو ، وهو العذرة عن مقعدته ، يقال : شرب دواء فما أنجاه ، يعني ما أسهل بطنه ، ونجا ينجو : استطلق بطنه ، ونجا وأنجا : قضى حاجته من النجو .
وقيل الاستنجاء : الاستخراج لنجو البطن ، وهو ما يخرج منه . وقيل : هو من نجوت الشجرة وأنجيتها ؛ إذا قطعتها ، كأنه قطع الأذى عن نفسه بالحجارة .
وقال القزّاز : نجا ينجو : إذا أحدث ، وحكى أنجا فلانا نجا من الغائط ، وهو المطمئن من الأرض ، والغوط أشد انخفاضا من الغائط ، والجمع أغواط ، وهذا غوط مطمئن ، أي : بعيد ، ويجمع على غيطان أيضا .
قال أبو سليمان : في نهيه - عليه السلام - عن الروث والرمة دليل على أن أعيان الحجارة غير مختص بهذا المعنى دون غيرها من الأشياء التي تعمل عمل الحجارة ، وذلك لأنه لما أمر بالأحجار ثم استثنى الروث والرمة ، فخصهما بالنهي ؛ دلّ على أنّ ما عدا الروث والرمة دخل في الإِباحة ، وأنّ الاستنجاء به جائز ، خلافا لأهل الظاهر ، وفيه نظر ؛ لأن في حديث أبي هريرة مرفوعا : " نهى أن يستنجى بعظم أو روث ، وقال : إنهما لا يطهران " . قال الدارقطني عند تخريجه : إسناده صحيح .
والرمة : العظام البالية ، وقد جاء مصرحا به في حديث ابن مسعود من كتاب الدارقطني ، ويقال : إنما [1/173] سميت بذلك لأنّ الإِبل ترمها أي تأكلها ، قال القزاز : أي : تتملح بها . قال لبيد :
والنيب إن تغرمني رمة خلقا
بعد الممات فإني كنت أَثئرُ
والرواية الصحيحة : تعدمني بالدال ، وهو الأكل بشدة .
قال الجوهري : والجمع رمم ورمام ، تقول : رم العظم يرم بالكسر رمة ، أي : بلى فهو رميم . وفي الأساس : الرم : الرمام بدون الرفات ، قال : ظلّت عليه تعلك الرمَاما ، أي : تتملح به .
والرجيع : الروث ، وهو اسم يقع على كلِّ حدث ، وسمي بذلك لأنه رجع عن الحالة الأولى ، وكذا كلّ شيء حدث أو فعل إذا ردّد فهو رجيع ، فعيل بمعنى مفعول ، قال الشاعر :
وفلاة كأنها ظهر ترس
ليس إلَّا الرجيع فيها علاق
وذكر الزمخشري الرجيع في باب المجاز ، وبنحوه قال ابن دريد ، وذكر الزمخشري بيت الأعشى المستشهد به دليلا على دسع البعير رجيعه ، أي جرّته .
قال أبو سليمان : الخراءة مكسورة الخاء ممدودة الألف : أدب التخَلِي والقعود عند الحاجة ، وأكثر الرواة يفتحون الخاء ، ولا يمدون الألف ، فيفحش معناه . وقد اختلف في الاستنجاء ، فعند مالك وأبي حنيفة هو سنة . وقال الشافعي وأحمد : فرض . واختلفوا في العدد : فأبو حنيفة ومالك إلى الإنقاء ، والشافعي وأحمد لا يجوز عندهما الاقتصار على ما دون الثلاثة ، وإن حصل الإنقاء بدونها .
وأجاز الطبري الاستنجاء بكل طاهر ونجس ، وكره الاستنجاء بأشياء ، منها : العظم ، والرجيع ، والروث ، والطعام ، والفحم ، والزجاج ، والورق ، والخزف ، وورق الشجر ، والشعر ، والجلد ؛ لمجيء ذلك في الحديث .