|
105 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا عبيد الله بن عبد المجيد ، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الهرة لا تقطع الصلاة ؛ لأنها من متاع البيت " .
هذا حديث إسناده جيد لا بأس به ، وعلى رأي أبي عبد الله ابن البيع يكون صحيحا ، وذلك أنه لما خرج حديث وسيلة آدم بالمصطفى - صلى الله عليه وسلم - قال فيه : هذا حديث صحيح الإسناد ، وهو من . وقد تابعه الحكم بن أبان فيما ذكره ابن خزيمة في صحيحه فقال : ثنا محمد بن يحيى ، نا إبراهيم بن الحكم بن أبان قال : حدثني أبي ، عن عكرمة قال : قال أبو هريرة ، قال [1/280] النبي - صلى الله عليه وسلم - : " الهرة من متاع البيت " . وأما قول الترمذي إثر حديث أبي قتادة : وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة - ففيه نظر ؛ لما أسلفناه من حديث أبي سعيد الخدري ، ولما في " الأوسط " للطبراني من حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جدّه علي بن الحسين ، عن أنس قال : " خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض بالمدينة يقال لها بطحان ، فقال : يا أنس اسكب لي وضوءا ، فسكبت له ، فلما قضى حاجته أقبل إلى الإناء ، وقد أتى هر فولغ في الإناء ، فوقف له النبي - صلى الله عليه وسلم - وقفة حتى شرب الهر ، ثم توضأ ، فذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الهر ، فقال : يا أنس ، إن الهر من متاع البيت ، لن يقذر شيئا ولن ينجسه " . قال : لم يروه عن جعفر إلَّا عمر بن حفص ولا روى علي بن الحسين عن أنس حديثا غير هذا . قال الحاكم : وقد صح على شرط الشيخين في الهرة ضد هذا ولم يخرجاه ، ثم ذكره من حديث أبي بكرة ، عن أبي عاصم ، عن قرة بن خالد ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة : " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب ، والهر مثل ذلك " . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ، . ثنا أبو الحسن علي بن عمر الحافظ ، ثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد الفقيه ، ثنا بكار بن قتيبة وحماد بن الحسن بن عنبسة ، قال : ثنا أبو عاصم ... فذكره . وقد شفى علي بن نصر عن قرة في بيان هذه اللفظة : ثناه أبو محمد المزني ، ثنا أبو معشر [1/281] الحسن ابن سليمان الدارمي ، ثنا نصر بن علي ، ثنا أبي ، ثنا قرة بن خالد ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب " . ثم ذكر أبو هريرة الهر ، لا أدري قال : مرة أو مرتين ، قال نصر : وجدته في كتاب أبي في موضع آخر في الكلب مسندًا وفي الهر موقوفًا ، تابعه في توقيف ذكر الهر مسلم بن إبراهيم ، فقد ثبت الرجوع في حكم الشريعة إلى حديث مالك في طهارة الهر . انتهى كلامه . وفيه نظر من وجوه : الأول : إذا كان الحديث قد صح عندك وقفه ، فلأي شيء حكمت بصحة رفعه مع وجود هذه العلّة عندك ؟ على أن الطحاوي لم يعتد بذلك ، ولم يجعله علّة ؛ لأن ابن سيرين كان يقول : كلُّ ما أحدث به عن أبي هريرة فهو عن النبي صلى الله عليه وسلم . الثاني : قوله في حديث بكار : صحيح على شرط الشيخين ، وليس كما زعم ؛ فإنه لم يخرج له الشيخان في صحيحيهما شيئًا ، ولا يمكن ذلك ، ولو خرجه من جهة البزار لصح له قوله ، فإن البزار رواه عن عمرو بن علي ، نا أبو عاصم ، ثنا قرة .. فذكره . الثالث : أنت قد صححت حديث : " الهرة سبع " من حديث عيسى بن المسيب . وقال : تفرّد به عن أبي زرعة إلا أنه صدوق لم يجرح قط ، فلَئِن سلمنا لحكمه ذلك ، فلقائل أن يقول : إذا كانت من السباع كان سؤرها غير طاهر ؛ لأنّ أسآر السباع كذلك ، وقد جاء ذلك في حديث تقدّم ذكره بإسناد صحيح أيضًا من عند البيهقي ، وذكره الدارقطني - رحمه الله تعالى - من حديث يحيى بن أيوب ، يعني الغافقي المصري ، وحديثه في الصحيح ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعًا : " يغسل الإِناء من الهر كما يغسل من الكلب " . وروي عن أبي هريرة موقوفًا به من غير وجه ، وكذلك عن غيره من التابعين ، وحديث ابن عمر : سئل عن [1/282] الماء وما ينوبه من السباع والدواب ، فقال : " إذا كان الماء قلتين فلن يحمل الخبث " . وأما حديث : " لها ما في بطنها ، وما بقي فهو لنا طهور " ففيه كلام ، ولا يصح فيما ذكره الطحاوي ، فحصل بذلك التعارض ، لا كما زعم ، والله أعلم . الرابع : " . قال الخطابي : الطوافون : هم الذين يريدون الأجر والمواساة . وقال ابن عبد البر : هم الذين يداخلونا ، قال تعالى : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ . وفيه أن خبر الواحد ، النساء والرجال فيه سواء . وفيه إباحة اتخاذ الهر ، وما أبيح اتخاذه للانتفاع به جاز بيعه وأكل ثمنه ، إلا أن يخص شيئًا من ذلك دليل ، فيخرجه عن أصله . وفيه أن سؤره طاهر ، وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف . وفيه دليل على أن ما أبيح لنا اتخاذه فسؤره طاهر ؛ لأنه من الطوافين علينا ، وطهارة الهر تدل على طهارة الكلب ، وأن ليس في حي نجاسة إلا الخنزير ؛ لأن الكلب من الطوافين علينا ومما أبيح لنا اتخاذه لأمور . وإذا كان حكمه كذلك في تلك المواضع فمعلوم أن سؤره في غير تلك المواضع كسؤره فيها ؛ لأن عينه لا تنتقل ، ودلّ على ما ذكرناه أن ما جاء في الكلب من غسل الإناء سبعًا أنه تعبد واستحباب ، ولا نعلم أحدًا من الصحابة روي عنه في الهر أنه لا يتوضأ بسؤره ، إلا أبا هريرة على اختلاف عنه ، وسائر التابعين بالحجاز والعراق يقولون في الهر : إنه طاهر ، لا بأس بالوضوء من سؤره ، إلا عطاء ، وابن المسيب ، والحسن . والحجة [1/283] عند التنازع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم . ولا أعلم حجة لمن كره الوضوء بسؤره أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة ، وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر عليه ، وقد فرقت السنة بينهما في باب التعبد ، وجمعت بينهما على ما قدمناه . انتهى كلامه ، وفيه نظر من وجوه : الأول : قوله : " ولا نعلم أحدًا من الصحابة روي عنه في الهر إلا أبا هريرة " ، وليس كما قال ، بل قد قاله منهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما . الثاني : قوله : " إلا عطاء وابن المسيب والحسن " ، وليس كذلك ؛ بل قد قاله غير هؤلاء ، وهم : ابن أبي ليلى ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وطاوس بالغ إلى أن قال : يغسل سبعًا بمنزلة الكلب . ذكر ذلك ابن المنذر في كتاب " الإشراف " . الثالث : قوله : " لأن الكلب من الطوافين علينا إلى آخره " ليس كذلك ، ولا تابعه على ذلك العلماء ، والكلام معه ومع غيره مستوفى في كتب الفقهاء ، ولا يليق ذكره بهذا المختصر لتشعب الكلام فيه . الرابع : قوله : " وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر عليه " . وليس كذلك ؛ بل يكون بلغه حديث أبي هريرة المتقدّم من عند الحاكم ، والدارقطني المصرّح فيه بالغسل من سؤر الهرة سبعا ، فأي حاجة للقياس مع هذا النص الصريح ؟ والله تعالى أعلم . وأما السؤر مهموز : فهو ما بقي من الشراب وغيره في الإناء وغيره ، فيما ذكره أبو العباس أحمد بن يحيى في كتاب " الفصيح " . قالَ ابن درستويه : والعامة لا تهمزه ، وتركها الهمز ليس بخطأ . وقال اللبلي : يستعمل في كل بقية ، قال : وأسار فلان من الطعام : إذا أبقى منه . ومن أسماء الهر : القط ، والخيطل ، والسنور ، والأبوسندره ، والضيون ، ولفظ [1/284] ( السنور ) مؤنث ، ويقال لولده : الوبر ، ولصوته : الهوآء ، مآيمو ، مؤا ، قاله العسكري في كتاب " التلخيص " ، وفيه نظر من حيث جعله الوبر ولد القط ، وذلك أن الوبر : دويبة رأيتها بأرض الشام ، لا سيما بالغور صغيرة برية ، لا يزيد مقدارها على القطاط ، بل هي أصغر من السنانير ، وبهذه الصفة حكاه غير واحد من اللغويين . قال الأجدائي : هي دويبة تقرب من السنور ، ولها بول يخثر ، وييبس ، يتداوى الناس به ، يسمى : الصن . وقال القزاز : الوبر بسكون الباء : دويبة أصغر من السنور ، طحلاء اللون ، لا ذنب لها ، وبنحوه قاله في الصحاح والجمهرة ، وفي " الغريب المصنف " : جمع الهر هررة ، وجمع الهرة هرر ، والله أعلم .
|