108 - حدّثنا محمد بن يحيى ، ثنا المعلى بن أسد ، ثنا عبد العزيز بن المختار ، ثنا عاصم الأحول ، عن عبد الله بن سرجس قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة ، والمرأة بفضل وضوء الرجل ، ولكن يشرعان جميعا " .

هذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه ؛ فأما البخاري فذكر عنه أبو عيسى في كتاب " العلل " أنّه قال : حديث ابن سرجس هذا حديث موقوف ، ومن رفعه فهو خطأ ، [1/292] وقد تقدم كلام ابن ماجه فيه ، ولما رواه في " الأوسط " قال : لم يروه عن عاصم ، عن ابن سرجس غير عبد العزيز . تفرد به معلى بن أسد . ورواه غيره عن عاصم الأحول ، عن سوادة بن عمرو ، عن الحكم الغفاري ، ولما ذكره الدارقطني قال : خالفه شعبة فوقفه ، وهو أولى . وقال البزار : لا نعلم أحدًا أسنده عن عاصم ، عن ابن سرجس إلَّا عبد العزيز ، وخالف ذلك أبو محمد بن حزم فصححه مرفوعًا ، وذكر عبد الحق أنَّ النسائي خرجه ، ووهم في ذلك فيما بينه أبو الحسن .
قال أبو الحسن : عبد العزيز بن المختار قد رفعه ، وهو ثقة ، ولا يضره وقف من وقفه ، وتوقف في تصحيحه ؛ لأنه لم يره إلا في كتاب الدارقطني ، وشيخ الدارقطني فيه لم يعرف حاله ، ولو رآه هنا لما توقف ؛ لأن رجاله كلهم حديثهم في الصحيحين
، وفي قول أبي عيسى إثر حديث الحكم : " وفي الباب عن ابن سرجس " نظر من حيث إغفاله حديث أبي داود من جهة داود الأودي عن حميد الحميري ، قال : لقيت رجلًا صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - كما صحبه أبو هريرة ، قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل الرجل بفضل المرأة ، أو تغتسل المرأة بفضل الرجل ، وليغترفا جميعًا " .
وهو حديث صحيح الإسناد ، وممن صححه أيضًا ابن مفوز وابن القطان . وقال أحمد : إسناده حسن ، فيما حكاه عنه الأثرم . وَلا التفات إلى قول ابن حزم عندما أراد تضعيفه ، إن كان داود هذا هو عم عبد الله بن إدريس فهو ضعيف ، وإن لم يكن إياه فهو مجهول .
وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق يخبره بصحة هذا الخبر ، [1/293] وتبين له أمر داود هذا ، بأنه داود بن عبد الله الزعافري الأزدي أبو العلاء الكوفي ، روى عنه جماعة ، ووثقه الإِمام أحمد وغيره ، وهو غير عم ابن إدريس فيما ذكره الإمام أحمد .
ولما ذكره أبو داود في كتاب " التفرد " قال : الذي تفرد به من هذا الحديث قوله : " نهى أن تغتسل المرأة من فضل الرجل " .
قال ابن مفوز : فلا أدري رجع عن قوله أم لا ؟
ولما ذكره البيهقي في كتاب " المعرفة " ، قال : هو منقطع ، وداود بن عبد الله ينفرد به .
وقال في السنن الكبير : رواته ثقات إلَّا أن حميدًا لم يسم الصحابي الذي حدّثه ، فهو بمعنى المرسل ، إلا أنه مرسل جيّد ، لولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة قبله ، وداود لم يحتج به الشيخان . انتهى . وعليه فيه مآخذ :
الأول : قوله : " إنه بمعنى المرسل " إن أراد أنه يشبهه في أنّه لم يسم الصحابي فصحيح ، لكنه لا يمنع خصمه من الاحتجاج ، وإنما إلى أنّه لا حاجة إلى تسمية الصحابي بعد أن يحكم التابعي بكونه صحابيًا ، وإن أراد أنه في معناه من أنه لا يحتج به قوم كما لا يحتجون بمرسل التابعي ، فغير صحيح لما تقدم .
الثاني : قوله : " مرسل جيّد " ، غير جيّد ، بل هو مسند على الصحيح من قول العلماء .
الثالث : قوله : " لولا مخالفة الأحاديث الثابتة " . يعني بذلك ما تقدّم ، فليس بجيّد أيضًا لأمرين :
الأول : شأن المحدّث الإعراض عن المعارضة كما قررناه في غير موضع .
الثاني : على تقدير تسليمنا ذلك ، يجاب عنه بأنه لا بأس أن يتوضأا ، أو يغتسلا جميعًا من إناء واحد ، يتنازعاه على حديث عائشة ، وميمونة ، وأنس ، وابن عمر ، وأم هانئ ، وأم سلمة ، وأم حبيبة ، وغيرهن ، وعلى أنه لا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة على حديث الحكم ، ولأن الأحاديث التي وردت بعد في الكراهة عن الصحابة والتابعين ، لم يكن في شيء منها أنَّ الكراهة في ذلك للرجل أن يتطهر بفضل وضوء المرأة ، ولتلك [1/294] الأحاديث علل ، ذكر ذلك أبو بكر الأثرم في كتاب " الناسخ والمنسوخ " .
الرابع : قوله : " وداود لم يحتج به الشيخان " فيه نظر لأمرين :
الأول : إن أراد عيبه بذلك فليس ذلك بعيب عند المحدثين قاطبة ؛ لأنهما لم يلتزما الإِخراج عن كل ثقة ، ولو التزماه ما أطاقاه .
الثاني : إن كان يريد بهذا الكلام ردّ الحديث ، وهو الأقرب بضميمة كلامه على انقطاعه وغيره ؛ فهو كلام متناقض ، ولا حاصل تحته لما سلف من توثيقه رجاله .
الخامس : قوله : " منقطع " ، إنما يريد به الإرسال الذي أشار إليه في السنْن الكبير ، لا الانقطاع الصناعي ، والله أعلم .
وزعم أبو عمر بن عبد البر أن أبا عوانة رواه عن داود عن حميد عن أبي هريرة ، فأخطأ فيه .
وزعم أبو الحسن ابن القطان أنَّ المبهم هنا ، قيل : هو عبد الله بن مغفل ، وقيل : ابن سرجس
.
وقطع أبو محمد بن حزم بأن حكم الإباحة منسوخ ، وهذا الباب وما فيه من الأحاديث ناسخ ، وأبى ذلك ابن العربي ، فزعم أنّ الناسخ حديث ميمونة ؛ بدليل أنّه - عليه السلام - لما أراد أن يغتسل قالت له : إني توضأت به ، وهذا يدّل على تقدّم النهي ، وبنحوه قاله الخطابي .
وأغفل أيضا - أعني الترمذي - حديث أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن رجل : " كان نبي الله - عليه السلام - وأهله يغتسلون من إناء واحد ، ولا يغتسل أحد مما يفضل صاحبه " .
قال أبو بكر الأثرم : لم يسمعه أبو إسحاق من الحارث
، وحديث عائشة : " سئل - عليه السلام - عن فضل وضوء المرأة ، قال : لا بأس به ما لم تخل به ، فإذا خلت به فلا يتوضأ بفضل وضوئها " .
ذكره ابن عدي ، وأعلّه بعمر بن صبح
، وحديث أبي ذر وأبي هريرة ذكرهما ابن منده ، وأشار إلى أنهما لا يثبتان من قبل سندهما ، وقد سبقت الإِشارة إلى حديث أبي هريرة أيضا .