|
23 - حدثنا محمد بن بشار ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا مالك بن أنس ، عن سالم أبي النضر ، عن سليمان بن يسار ، عن المقداد بن الأسود ، أنه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الرجل يدنو من امرأته فلا ينزل ، قال : " إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه " ، يعني : يغسله ويتوضأ .
هذا حديث خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، فقال : ثنا يونس بن عبد الأعلى ، ثنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه ، ولفظه : يسأل عن الرجل إذا دنا من أهله ، فخرج منه المذي ، ماذا عليه ؟ فإن عندي ابنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنا أستحيي أن أسأله ، قال المقداد : فسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك ، فقال : " إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه ، وليتوضأ وضوءه للصلاة " . وبنحوه ذكره ابن الجارود في منتقاه ، وابن حبان في صحيحه ، وقال إثره : مات بالجرف سنة ثلاث وثلاثين ، ومات سليمان بن يسار سنة تسع وتسعين ، وقد سمع سليمان من المقداد ، وهو ابن دون عشر سنين . وقال أبو عمر : ورواه ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أنه [2/100] سمع عليا بالكوفة ، قال : وقد خولف في ذلك عمرو ، والحديث صحيح ثابت عند أهل العلم ، وله طرق شتى عن علي والمقداد وعمار ، وكلّها صحاح حسان ، أحسنها ما ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج ، قال : قيل لعطاء : أرأيت المذي ، أكنت ماسحه مسحا ؟ قال : لا ، المذي أشد من البول . أخبرني عايش بن أنس أخو بني سعد بن ليث ، قال : تذاكر علي وعمار والمقداد المذي ، فقال علي : إني رجل مذاء ، فسلا عن ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال عايش : فسأله أحد الرجلين - عمار أو المقداد - وقال عطاء : قد سماه عايش ونسيته ، وذكره ابن حزم مصححا له - أعني الحديث الأول - . وأبى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي بقوله : هكذا رواه أبو النضر عن سليمان ، ورواه بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان عن ابن عباس موصولا ، أنبأ به أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو بكر بن جعفر ، ثنا عبد الله بن أحمد ، ثنا أحمد بن عيسى ، ثنا ابن وهب ، أخبرني مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، فذكره ، انتهى كلامه . وفيه نظر في موضعين : ، وقد انتقد الحافظ أبو الحسن البغدادي على مسلم إخراجه هذه الترجمة ، والله أعلم . الثاني : ما ذكر من انقطاع حديث سليمان ، وليس هو بأبي عذرة هذا القول ، لتقدم الإمام الشافعي بذلك بقوله : سليمان عن المقداد مرسل ، لا نعلم سمع منه شيئا ، وتبعه على ذلك الحافظ أبو الوليد الدمشقي وغيره ، فغير صحيح ؛ لما أسلفناه قبل ، والمثبت مقدم على النافي ؛ لا سيما مع بيان وجه ذلك وسببه ، وأما قول أبي عمر : رواية يحيى عن مالك في هذا الحديث : " فلينضح فرجه وليتوضأ " . وفي رواية ابن بكير والقعنبي وابن وهب وسائرهم : " فليغسل فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة " . وهذا هو الصحيح ، وقد رواه عبد الرزاق عن مالك ، كما رواه يحيى : " ولينضح فرجه " . ولو صحت رواية يحيى ومن تابعه كانت مجملة يفسرها رواية غيره ؛ لأن النّضح يكون في لسان العرب مرة الغسل ، ومرة الرش ، انتهى ما ذكره . وفيه نظر ؛ لما تقدم من حديث الباب عن عثمان بن عمر عن مالك ، بلفظ : " ولينضح فرجه " ، وكذلك رواه أبو داود في سننه من حديث القعنبي ، وذكر الدارقطني في كتاب أحاديث الموطأ : أن أبا مصعب وأحمد بن إسماعيل المدني وابن وهب ومعنا القزاز وعبد الله بن يوسف ويحيى بن بكير الشافعي وابن القاسم وعتبة بن [2/102] عبد الله وأبا علي الحنفي وإسحاق بن عيسى والقاسم بن يزيد رووه عن مالك ، بلفظ : " فلينضح " ، إلا ابن وهب ؛ فإن في بعض ألفاظه : " فليغسل " ، فلو عكس أبو عمر قوله لكان مصيبا ، والله تعالى أعلم . وفي مسند أحمد من حديث هانئ بن هانئ عن علي : كنت رجلا مذاء ، فأمرت المقداد ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فضحك ، وقال : " فيه وضوء " . وفي رواية لأبي داود من طريق ابن العبد ، نا القعنبي ، ثنا أبي ، عن هشام بن عروة [ عن أبيه ، عن حديث حدثه عن علي ، قال : قلت للمقداد : قال أبو داود : ورواه المفضل ] بن فضالة ، والثوري ، وابن عيينة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن علي . ثنا أحمد بن يونس ، ثنا زهير ، عن هشام ، عن أبيه : أن عليا ، قال أبو داود : ورواه الثوري وجماعة عن هشام ، عن أبيه ، عن المقداد ، عن علي ، وفيه : " فليغسل ذكره وأنثييه " . ورد أبو محمد المنذري هذا الحديث بقوله : قال أبو حاتم : عروة عن علي مرسل ، وفيه نظر في موضعين : الأول : أن هذا بعينه ذكره أبو داود نفسه في كتاب التفرّد ، بقوله : وحديث هشام عن أبيه عن علي ليس بمتصل ، إلا أن ابن إسحاق قال : عن عروة عن المقداد عن علي ، انتهى . فإن كان لم يسمعه من علي كان متصلا بوساطة المقداد ، كما ذكره أبو داود . الثاني : لا حاجة بنا إلى ذكر قول أبي حاتم : عن عروة عن علي مرسل ؛ لكونه صرح في نفس السند بالانقطاع بقوله : حدثه عن علي ، وخرجه الكجي عن حجاج . ثنا حماد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن المقداد : أنه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المذي ، فقال : " كل فحل يمذي ، وليس فيه إلا الطهور " . [2/103] وقد اختلفت ألفاظ حديث علي - رضي الله عنه - فذكر ابن حبان بعد تصحيحه حديث المقداد وعمار أنّ عليا أمرهما ، وحديث أبي عبد الرحمن أنه هو السائل ، قد يتوهم بعض المستمعين لهذه الأخبار أن بينها تضادا أو تهاترا ، وليس كذلك ؛ لأنّه يحتمل أن يكون علي أمر عمارا أن يسأل فسأله ، ثم أمر المقداد أن يسأل فسأله ، ثم سأل هو بنفسه ، والدليل على صحة ما ذكرت أن متن كل خبر بخلاف متن الخبر الآخر ؛ ففي خبر أبي عبد الرحمن : " إذا رأيت الماء فاغسل ذكرك وتوضأ ؛ وإذا رأيت المني فاغتسل " ، وفي خبر إياس بن خليفة عن عمار : " يغسل مذاكيره ويتوضأ " ، وليس فيه ذكر المني ، وخبر المقداد مستأنف ، فينبئك أنه ليس بالسؤالين اللذين ذكرناهما ؛ لأن فيه : سأل عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ، ماذا عليه ؟ فإنّ عندي ابنته ، فذلك ما وصفنا على أن هذه أسئلة متباينة في مواضع مختلفة لعلل موجودة - والله أعلم - انتهى الذي قاله بطريق الاحتمال . وتقدم من عند أبي عمر مبينا ، وقد ورد في بعض الألفاظ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو السائل له . جاء ذلك مبينا في حديث حسن الإسناد رواية عن المسند المعمر أبي زكريا يحيى بن يوسف المقدسي ، قال : حدثني ابن رواح ، أخبرنا الحافظ أبو طاهر البغوي - رحمه الله - قراءة عليه وأنا أسمع ، في رمضان سنة أربع وسبعين وخمسمائة ، أنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار ، قراءة عليه وأنا أسمع ، ثنا أبو الحسن الفالي ، أخبرنا القاضي أبو عبد الله بن خربان ، أنا القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي ، ثنا الحسن بن علي قاضي الأهواز ، نا محمد بن علي الوراق ، ثنا أبو نعيم ، ثنا رزام الضبي ، قال : سألت جوابا التيمي عن المذي ، فقال : سألت عنه أبا إبراهيم يزيد بن [2/104] شريك ، فألجأ الحديث إلى علي ، وألجأ علي الحديث إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : رآني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد شحبت ، فقال لي : " يا علي ، لقد شحبت " ، قلت : شحبت من اغتسال الماء ، وأنا رجل مذاء ، فإذا رأيت منه شيئا اغتسلت ، قال : " لا تغتسل منه يا علي " ، الحديث . فعلى هذا يحمل ما في مسند أحمد عن عبد الله ، قال : حدثني أبو محمد شيبان ، ثنا عبد العزيز بن مسلم ، نا يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن علي ، قال : كنت رجلا مذاء ، فسألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك ، فقال : " في المذي الوضوء ، وفي المني الغسل " . ويحتمل أن يكون لما بعث علي من بعث ليسأل رآه - عليه السلام - شاحبا ، ونزل علي - رضي الله عنه - جوابه عن ذلك بمنزلة السؤال ابتداء على طريق التجوز ، والله تعالى أعلم . وأما رواية سعيد بن بشير عن محمد بن عبد الرحمن عن الأعمش عن يحيى بن الجزار عن علي : أمر المقداد ؛ فخطأ . قال ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه . وفي السنن الكبير ، من جهة ابن جريج عن عطاء : أنّ عليّا كان يدخل في إحليله الفتيلة من كثرة المذي .
|