8 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا إسماعيل بن علية ، عن أيوب ، عن أبي الزبير ، عن عبيد بن عمير ، قال : بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء أن ينقضن رؤوسهن فقالت : يا عجبا لابن عمرو هذا ، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن ؟ ! لقد كنت أنا ورسول الله نغتسل من إناء واحد ، فلا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات " .

هذا حديث رواه مسلم في " صحيحه " [3/34] ولفظ النسائي : " لقد رأيتني أغتسل أنا ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا ، وإذا تور موضوع مثل الصاع ، أو دونه ، فنشرع فيه جميعا ، فأفيض على رأسي ثلاث مرات ، وما أنقض لي شعرا .
ولفظ ابن خزيمة : " يأمر نساءه أن ينقضن رؤوسهن إذا اغتسلن من الجنابة ، فقالت : يا عجباه لابن عمرو هذا!!! قد كلفهن تعبا ، وفيه : " فما أزيد على ثلاث حثيات ، أو قال : ثلاث غرفات .
ولفظ مالك في " الموطأ " وبلغه عن عائشة ، وسئلت عن غسل المرأة من الجنابة ؟ فقال : لتحفن على رأسها ثلاث حفنات ، ولتضغث رأسها بيدها .
وفي حديث جميع بن عمير التيمي المذكور عند ابن ماجه عنها : وأما نحن ، فإنا نغسل رؤوسنا خمس مرات من أجل الضفر .
وفي حديث عائشة بنت طلحة المذكور عند أبي داود بسند صحيح ، ثنا نصر بن علي ، ثنا عبد الله بن داود ، عن عمر بن سويد ، عنها أنّ عائشة قالت : " كنا نغتسل وعلينا الضماد ، ونحن مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محلات ، ومحرمات " .
وفي الباب : حديث رواه أبو داود فقال : نا محمد بن عوف قال : قرأت في أصل إسماعيل بن عياش ، قال ابن عوف : وثنا محمد بن إسماعيل ، عن أبيه قال : حدثني ضمضم بن زرعة ، عن شريح بن عبيد ، قال : أفتاني جبير بن نفير ، عن الغسل من الجنابة ، أنّ ثوبان حدثهم أنهم استفتوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك ؟ فقال : " أمّا الرجل فلينثر رأسه ، فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر ، وأما المرأة ، فلا عليها ألا تنقضه ، لتغرف على رأسها [3/35] ثلاث غرفات " وهو حديث في إسناده علل :
الأولى : ضعف محمد بن إسماعيل .
الثانية : انقطاع ما بينه وبين أبيه ، نص على ذلك ابن أبي حاتم بقوله : سألت أبي عنه فقال : لم يسمع من أبيه شيئا ، حملوه على أن يُحدِّث فحدّث .
الثالثة : ضعف أبيه الذي سبق ذكرنا له ، والله تعالى أعلم .

وحديث جابر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " في المرأة تغتسل من حيضة ، أو جنابة لا تنقض شعرها " ذكره أبو محمد الأموي في كتابه من حديث عبد الملك بن حبيب ، عن عبد الله بن عبد الحكم ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، ثم قال : وهذا حديث ساقط ، ولو لم يكن فيه إلا ابن لهيعة لكفى سقوطا . فكيف ، وفيه عبد الملك بن حبيب وحسبك به ؟ ، ولم يقل فيه أبو الزبير : حدثني جابر ، أو سمعت جابرا وهو مدلس ، وفي " المصنف " : ثنا وكيع ، عن مسعر ، عن عثمان بن موهب ، عن امرأة شكت إلى عائشة الغسل من الجنابة . فقالت : " صبي ثلاثا فما أصاب أصاب وما أخطأ أخطأ " ، نا عيسى بن يونس ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، وعطاء أنهما قالا : لا ترخي شعرها ، ولكن تصب ثلاث مرات ، ثم تفركه .
ثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن الحسن في المرأة تغتسل قال : يجزيها ثلاث حفنات ، وإن شاءت لم تنقض شعرها .
نا غندر ، نا شعبة ؛ سألت حمادًا ، عن المرأة إذا اغتسلت ، فقال : إن كانت ترى أن الماء أصابه أجزأ عنها ، وإن كانت ترى أن الماء لم يصبه فلتنقضه .
وقال الحكم : تبل أصوله ، وأطرافه ، ولا تنقضه .
ثنا أبو خالد الأحمر ، عن حجاج ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : الحائض والجنب يصبان الماء على رؤوسهما ، ولا ينقضان .
[3/36] ثنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله ، عن نافع أنّ نساء ابن عمر ، وأمهات أولاده كنّ يغتسلن من الجنابة والحيض ، فلا ينقضن رؤوسهن ، ولكن يبالغن في بلها .
ثنا خالد بن حيان ، ثنا جعفر بن برقان ، عن عكرمة أنه سئل عن امرأة تغتسل من الجنابة والحيض قال : ترخي الذوائب وتصب على رأسها الماء حتى يبل أصول الشعر ، ولا تنقض لها رأسا .
ثنا أبو خالد ، عن حجاج ، عن فضيل ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : تخلله بأصابعها .
وقال عطاء مثله .
وفي الباب أحاديث تخالف ما تقدّم منها :
حديث عائشة الآتي من عند ابن ماجه بعد بسند صحيح .
نا علي ، عن وكيع ، عن هشام ، عن أبيه عنها أن النبي - عليه السلام - قال لها في الحيض : " انقضي رأسك واغتسلي " .

وحديثها المخرج في الصحيحين قالت : " أهللت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجة الوداع بعمرة " ، فذكر الحديث في حيضها ، فقالت يا رسول الله : " هذا يوم عرفة ، ولم أطهر بعد ، وإنما كنت تمتّعت بالعمرة ، فقال لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " انقضي رأسك ، وامتشطي وأهلي بالحج ، وأمسكي عن عمرتك " قالت : " ففعلت . . . . " الحديث .
قال أبو بكر البيهقي إثره : وهي إن اغتسلت للإهلال بالحج ، فكان غسلا مسنونا ، وقد أمرت فيه بنقض رأسها وامتشاط شعرها ، وكأنها أمرت بذلك استحبابا ، كما أمرت أسماء بنت عميس بالغسل للإهلال على النفاس استحبابا . . انتهى . ولقائل [3/37] أن يقول ليس ذلك على طريق الاستحباب ، إنّما هو على طريق الوجوب ، ويوضحه حديث أنس بن مالك ، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها ، وغسلت بالخطمي والأشنان ، وإذا اغتسلت من الجنابة ، لم تنقض رأسها ، ولم تغسله بالخطمي والأشنان " ذكره البيهقي في " السنن الكبير " ، عن ابن البيع ، أنبأ أبو بكر بن إسحاق ، أنبأ محمد بن يونس ، ثنا مسلم بن صبيح ، ثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت عنه ، ورواه أبو الحسن في ( الأفراد ) ، عن محمد بن إسماعيل الفارسي ، عن عثمان بن خرزاد ، نا مسلم ، وأشار إلى تفرّده به عن حماد ، وهو يكنى أبا عثمان بصري .
وفي المصنف ، ثنا غندر ، عن شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم أنّه كان يقول : العروس تنقض شعرها إذا أرادت أن تغتسل .
نا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام ، عن حذيفة أنّه قال لامرأته : خللي رأسك بالماء لا تخلله نار قليل بقياها عليه ، وهو مذهب أهل الظاهر ، قال أبو محمد : ويلزم المرأة حل ضفائرها وناصيتها في غسل المحيض وغسل الجمعة ، والغسل من غسل الميت ، ومن النفاس ، والأصل في الغسل الاستيعاب لجميع الشعر ، وإيصال الماء البشرة بيقين خلاف المسح ، فلا يسقط ذلك إلا حيث أسقطه النص ، وليس ذلك إلا في الجنابة فقط ، وقد صح الإجماع : أنّ غسل النفاس كغسل الحيض ، فإن قيل بحديث أم سلمة أفأنقضه للحيضة والجنابة ؟ قال : لا . قلنا : نعم .
إلا أن حديث هشام الوارد بنقض ضفرها في الحيض زائد حكما ، ومثبت [3/38] شرعا على حديث أم سلمة ، والزيادة لا يجوز تركها . . انتهى .
ولقائل أن يقول : ليس بزيادة إنما هو تعارض ، وإذا كان كذلك رجح حديث أم سلمة بالإجماع ، وحمل حديث عائشة على الاستحباب لا على الوجوب .
وقال ابن حزم : فإن قيل : فإن عائشة قد أنكرت على ابن عمرو نقض الضفائر ، قلنا : لا حجة علينا فيه لوجوه :
أحدها : أنّ عائشة لم تعن بهذا إلا غسل الجنابة فقط ، وهكذا نقول ، وبيان ذلك : إحالتها في آخر الحديث على غسلها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد ، وهذا إنما هو في غسل الجنابة لا الحيض . انتهى .
قد قدمنا مبينا من صحيح ابن خزيمة أنه من غسل الجنابة ، فلا حاجة إلى التخرص ، قال ابن حزم :
الثاني : أنه لو صحّ فيها أنها أرادت الحيض لما كان فيه علينا حجة؛ لأننا لم نؤمر بقبول رأيها ، إنما أمرنا بقبول روايتها ، انتهى كلامه .
وفيه نظر من حيث إنّ الصحابي إذا فسر حديثا ، أو بين سببه قبل قوله إجماعا ، قال أبو محمد :
الثالث : أنه قد خالفها عبد الله بن عمرو ، وهو صاحب ، وإذا وقع التنازع وجب الرد إلى القرآن والسنة لا إلى قول أحد المتنازعين دون الآخر ، والحمد للّه وحده ، ولقائل أن يقول : لعلّ ابن عمرو المخالف رجع إلى قولها لما بلغه ، ولهذا عده بعض العلماء فيما أنكرته عائشة على الصحابة ، وأنهم رجعوا إلى قولها . إمّا لنسخ لم يظهر لهم ، أو لتخصيص ، أو لنص مخالف ، أو لرأيهم .
[3/39] وأمّا الضفر : ففي " الجامع " ضفّرت الحبل أضفره ضفرا ، وهو فتلك له وإدخال بعضه في بعض ، ومنه أخذت الضفيرة المرأة ، وهو ضفرها لشعرها ، وقال أبو محمد بن السيد ، في كتاب " الفرق بين الأحرف المشكلة " : الضفر فتل الشعر ، أو نسجه .
وفي المغيث لأبي موسى :
والضفائر العقائص المضفرة ، وإن رويته بفتح الفاء ، فهو كالنقض بمعنى المنقوض ، والسكب بمعنى المسكوب ، وفي " المطالع " : هو ضم شديد .