7078 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ سِيرِينَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ هُوَ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ : أَلَا تَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ - قَالَ : حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ - فَقَالَ : أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ ؟ قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : أَيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ ؟ قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ . قَالَ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ ، فَكَانَ كَذَلِكَ . قَالَ : لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ . فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ حُرِّقَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ حِينَ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ : أَشْرِفُوا عَلَى أَبِي بَكْرَةَ . فَقَالُوا : هَذَا أَبُو بَكْرَةَ يَرَاكَ . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَحَدَّثَتْنِي أُمِّي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ مَا بَهَشْتُ بِقَصَبَةٍ .


الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ : ( يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ .
قَوْلُهُ : ( ابْنُ سِيرِينَ ) هُوَ مُحَمَّدٌ .
قَوْلُهُ : ( وَعَنْ رَجُلٍ آخَرَ ) هُوَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَابِ " الْخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنًى " مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْخُطْبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ ، وَقَوْلُهُ : " أَبْشَارُكُمْ " بِمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَةٍ جَمْعُ بَشَرَةٍ وَهُوَ ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ ، وَأَمَّا الْبَشَرُ الَّذِي هُوَ الْإِنْسَانُ فَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ ، وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْلُهُ : " فَإِنَّهُ " الْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ ، وَقَوْلُهُ : " رُبَّ مُبَلَّغٍ " بِفَتْحِ اللَّامِ الثَّقِيلَةِ ، وَ" يُبَلِّغُهُ " بِكَسْرِهَا ، وَقَوْلُهُ : " مَنْ هُوَ " فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : " لِمَنْ هُوَ " .
[13/31] قَوْلُهُ : ( أَوْعَى لَهُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْحَجِّ : " مِنْهُ " .
قَوْلُهُ : ( فَكَانَ كَذَلِكَ ) هَذِهِ جُمْلَةٌ مَوْقُوفَةٌ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ تَخَلَّلَتْ بَيْنَ الْجُمَلِ الْمَرْفُوعَةِ كَمَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَاضِحًا فِي بَابِ " لِيُبَلِّغِ الْعِلْمَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ " مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ : لَا تَرْجِعُوا ) هُوَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، وَقَدْ قَالَ الْبَزَّارُ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ بِطُولِهِ : لَا نَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا قُرَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ .
قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ حُرِّقَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيِّ ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : " قَالَ : فَلَمَّا كَانَ " وَفَاعِلُ قَالَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ ، وَحُرِّقَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَوَقَعَ فِي خَطِّ الدِّمْيَاطِيِّ : الصَّوَابُ أُحْرِقَ ، وَتَبِعَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ ، وَلَيْسَ الْآخَرُ بِخَطَأٍ بَلْ جَزَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ بِاللُّغَتَيْنِ : أَحْرَقَهُ وَحَرَّقَهُ ، وَالتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ ، وَالتَّقْدِيرُ هُنَا : يَوْمَ حُرِّقَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ وَمَنْ مَعَهُ . وَابْنُ الْحَضْرَمِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْعَسْكَرِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ، وَأَبُوهُ عَمْرٌو هُوَ أَوَّلُ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَعَلَى هَذَا فَلِعَبْدِ اللَّهِ رُؤْيَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الصَّحَابَةِ ؛ فَفِي الِاسْتِيعَابِ : قَالَ الْوَاقِدِيُّ : وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعِنْدَ الْمَدَائِنِيِّ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ الْحَضْرَمِيُّ وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْمَذْكُورُ ، وَالْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ عَمُّهُ ، وَاسْمُ الْحَضْرَمِيِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عماد وَكَانَ حَالَفَ بَنِي أُمَيَّةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأُمُّ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ الْمَذْكُورِ أَرْنَبُ بِنْتُ كَرِيزِ بْنِ رَبِيعَةَ وَهِيَ عَمَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ الَّذِي كَانَ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ .
قَوْلُهُ : ( حِينَ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ ) بِجِيمٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ( ابْنُ قُدَامَةَ ) ؛ أَيِ : ابْنُ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْحُصَيْنِ التَّمِيمِيُّ السَّعْدِيُّ ، وَكَانَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْعَسْكَرِيُّ فِي الصَّحَابَةِ كَانَ جَارِيَةُ يُلَقَّبُ مُحَرِّقًا لِأَنَّهُ أَحْرَقَ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ بِالْبَصْرَةِ ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ وَجَّهَ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيَسْتَنْفِرَهُمْ عَلَى قِتَالِ عَلِيٍّ ، فَوَجَّهَ عَلَى جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ فَحَصَرَهُ ، فَتَحَصَّنَ مِنْهُ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ فِي دَارٍ فَأَحْرَقَهَا جَارِيَةُ عَلَيْهِ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي حَوَادِثِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيِّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي " أَخْبَارِ الْبَصْرَةِ " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ وَكَانَ عَامِلَهَا لِعَلِيٍّ وَاسْتَخْلَفَ زِيَادَ بْنَ سُمَيَّةَ عَلَى الْبَصْرَةِ ، فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ لِيَأْخُذَ لَهُ الْبَصْرَةَ ، فَنَزَلَ فِي بَنِي تَمِيمٍ ، وَانْضَمَّتْ إِلَيْهِ الْعُثْمَانِيَّةُ ، فَكَتَبَ زِيَادٌ إِلَى عَلِيٍّ يَسْتَنْجِدُهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَعْيَنَ بْنَ ضُبَيْعَةَ الْمُجَاشِعِيَّ فَقُتِلَ غِيلَةً ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ بَعْدَهُ جَارِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ فَحَصَرَ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ فِي الدَّارِ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا ثُمَّ أَحْرَقَ الدَّارَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أَوْ أَرْبَعِينَ ، وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا ، فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ . وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ رَجُلٌ امْتَنَعَ مِنَ الطَّاعَةِ ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ فَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ أَلْقَى النَّارَ فِي الْجِذْعِ الَّذِي صُلِبَ عَلَيْهِ ، فَمَا أَدْرِي مَا مُسْتَنَدُهُ فِيهِ ، وَكَأَنَّهُ قَالَهُ بِالظَّنِّ ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ ، وَكَانَ الْأَحْنَفُ يَدْعُو جَارِيَةَ عَمًّا إِعْظَامًا لَهُ ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ . وَمَاتَ جَارِيَةُ فِي خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَيُقَالُ : إِنَّهُ جُوَيْرِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ الَّذِي رَوَى قِصَّةَ قَتْلِ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ : أَشْرِفُوا عَلَى أَبِي بَكْرَةَ ) ؛ أَيِ : اطَّلِعُوا مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ فَرَأَوْهُ ، زَادَ الْبَزَّارُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَكِيمٍ ، عَنِ الْقَطَّانِ : " وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ " .
قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا : هَذَا أَبُو بَكْرَةَ يَرَاكَ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ : لَمَّا فَعَلَ جَارِيَةُ ، بِابْنِ الْحَضْرَمِيِّ مَا فَعَلَ أَمَرَ جَارِيَةُ بَعْضَهُمْ أَنْ [13/32] يُشْرِفُوا عَلَى أَبِي بَكْرَةَ لِيَخْتَبِرَ إِنْ كَانَ مُحَارِبًا أَوْ فِي الطَّاعَةِ ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لَهُ خَيْثَمَةُ : هَذَا أَبُو بَكْرَةَ يَرَاكَ وَمَا صَنَعْتَ بِابْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَرُبَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْكَ بِسِلَاحٍ أَوْ بِكَلَامٍ . فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرَةَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي عُلِّيَّةٍ لَهُ قَالَ : لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ دَارِي مَا رَفَعْتُ عَلَيْهِمْ قَصَبَةً ؛ لِأَنِّي لَا أَرَى قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ فَكَيْفَ أَنْ أُقَاتِلَهُمْ بِسِلَاحٍ . قُلْتُ : وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ كَالْمَدَائِنِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ اسْتَنْفَرَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بِأَمْرِ عَلِيٍّ لِيُعَاوِدُوا مُحَارَبَةَ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَمْرِ التَّحْكِيمِ ، ثُمَّ وَقَعَ أَمْرُ الْخَوَارِجِ فَسَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى عَلِيٍّ فَشَهِدَ مَعَهُ النَّهْرَوَانَ ، فَأَرْسَلَ بَعْضٌ عَبْدَ الْقَيْسِ فِي غَيْبَتِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُخْبِرُهُ أَنَّ بِالْبَصْرَةِ جَمَاعَةً مِنَ الْعُثْمَانِيَّةِ ، وَيَسْأَلُهُ تَوْجِيهَ رَجُلٍ يَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ ، فَوَجَّهَ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ جَارِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ بَعْدَ أَنْ غَلَبَ وَحَرَّقَ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ وَمَنْ مَعَهُ اسْتَنْفَرَ النَّاسَ بِأَمْرِ عَلِيٍّ ، فَكَانَ مِنْ رَأْيِ أَبِي بَكْرَةَ تَرْكُ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ كَرَأْيِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَدَلَّ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى أَبِي بَكْرَةَ لِيُلْزِمُوهُ الْخُرُوجَ إِلَى الْقِتَالِ فَأَجَابَهُمْ بِمَا قَالَ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ) هُوَ ابْنُ أَبِي بَكْرَةَ الرَّاوِيُّ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ .
قَوْلُهُ : ( فَحَدَّثَتْنِي أُمِّي ) هِيَ هَالَةُ بِنْتُ غُلَيْظٍ الْعِجْلِيَّةُ ، ذَكَرَ ذَلِكَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ فِي تَارِيخِهِ ، وَتَبِعَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ وَجَمَاعَةٌ ، وَسَمَّى ابْنُ سَعْدٍ أُمَّهُ هَوْلَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمَ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَابْنُ سَعْدٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ أَنْ بُنِيَتْ ، وَأَرَّخَهَا ابْنُ زَيْدٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَذَلِكَ فِي أَوَائِلِ خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
قَوْلُهُ : ( لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ .
قَوْلُهُ : ( مَا بَهِشْتُ ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ ، وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ الْهَاءِ ؛ وَهُمَا لُغَتَانِ . وَالْمَعْنَى : مَا دَافَعْتُهُمْ ، يُقَالُ : بَهَشَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَى بَعْضٍ ؛ إِذَا تَرَامَوْا لِلْقِتَالِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَا مَدَدْتُ يَدِيَ إِلَى قَصَبَةٍ وَلَا تَنَاوَلْتُهَا لِأُدَافِعَ بِهَا عَنِّي . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : " مَا قُمْتُ إِلَيْهِمْ بِقَصَبَةٍ " يُقَالُ : بَهَشَ لَهُ إِذَا ارْتَاحَ لَهُ وَخَفَّ إِلَيْهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَا رَمَيْتُ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَا تَحَرَّكْتُ ، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : الْمُرَادُ مَا أَقْبَلْتُ إِلَيْهِمْ مُسْرِعًا أَدْفَعُهُمْ عَنِّي وَلَا بِقَصَبَةٍ ، وَيُقَالُ لِمَنْ نَظَرَ إِلَى شَيْءٍ فَأَعْجَبَهُ وَاشْتَهَاهُ أَوْ أَسْرَعَ إِلَى تَنَاوُلِهِ : بَهَشَ إِلَى كَذَا ، وَيُسْتَعْمَلُ أَيْضًا فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، يُقَالُ : بَهَشَ إِلَى مَعْرُوفِ فُلَانٍ فِي الْخَيْرِ وَبَهَشَ إِلَى فُلَانٍ تَعَرَّضَ لَهُ بِالشَّرِّ ، وَيُقَالُ : بَهَشَ الْقَوْمُ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ إِذَا ابْتَدَرُوا فِي الْقِتَالِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو بَكْرَةَ يُوَافِقُ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ في ذِكْرِ الْفِتْنَةِ : " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : كُفَّ يَدَكَ وَلِسَانَكَ وَادْخُلْ دَارَكَ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَيَّ دَارِي ؟ قَالَ : فَادْخُلْ بَيْتَكَ . قَالَ : قُلْتُ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي ؟ قَالَ : فَادْخُلْ مَسْجِدَكَ - وَقَبَضَ بِيَمِينِهِ عَلَى الْكُوعِ - وَقُلْ : رَبِّيَ اللَّهُ ، حَتَّى تَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ " . وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبٍ : ادْخُلُوا بُيُوتَكُمْ وَأَخْمِلُوا ذِكْرَكُمْ . قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَلَى أَحَدِنَا بَيْتَهُ ؟ قَالَ : لِيُمْسِكْ بِيَدِهِ وَلْيَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ لَا الْقَاتِلَ . وَلِأَحْمَدَ ، وَأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ خَرْشَةَ بْنِ الْحُرِّ : " فَمَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ فَلْيَمْشِ بِسَيْفِهِ إِلَى صَفَاةٍ فَلْيَضْرِبْهُ بِهَا حَتَّى يَنْكَسِرَ ثُمَّ لِيَضْطَجِعَ لَهَا حَتَّى تَنْجَلِيَ " وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ فَجَاءَ سَهْمٌ أَوْ ضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفٍ ؟ قَالَ : يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ " الْحَدِيثَ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ .