فتح الباري لابن حجر
17 - بَاب الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ : كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ :
الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً
تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا
وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ
شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ
مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ
7096 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ ، سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ :
بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ إِذْ قَالَ : أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ ؟ قَالَ : فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ . قَالَ : لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ ، وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ . قَالَ : لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا . قَالَ عُمَرُ : أَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ ؟ قَالَ : لا ، بَلْ يُكْسَرُ . قَالَ عُمَرُ : إِذًن لَا يُغْلَقَ أَبَدًا . قُلْتُ : أَجَلْ . قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ : أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً ، وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ . فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنْ الْبَابُ ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ : مَنْ الْبَابُ ؟ قَالَ : عُمَرُ .
[13/52]
[13/53]
قَوْلُهُ : ( بَابُ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : " وَضَعَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَمْسَ فِتَنٍ " فَذَكَرَ الْأَرْبَعَةَ ثُمَّ فِتْنَةٌ تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ وَهِيَ الَّتِي يُصْبِحُ النَّاسُ فِيهَا كَالْبَهَائِمِ ؛ أَيْ لَا عُقُولَ لَهُمْ . وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى : " تَذْهَبُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ " وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : " لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ مَا عَرَفْتَ دِينَكَ ; إِنَّمَا الْفِتْنَةُ إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ " .
قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ) هُوَ سُفْيَانُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيِّ : " حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ " .
قَوْلُهُ : ( عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ ، وَخَلَفٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَأَدْرَكَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ لَكِنْ لَمْ أَجِدْ لَهُ رِوَايَةً عَنْ صَحَابِيٍّ ، وَكَانَ عَابِدًا . وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ ، وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا شُعْبَةُ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ .
قَوْلُهُ : ( كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ ) ؛ أَيْ عِنْدَ نُزُولِهَا .
قَوْلُهُ : ( قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ فِي نُسْخَةٍ ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةَ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ ، وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي " كِتَابِ الْغُرَرِ مِنَ الْأَخْبَارِ " لِأَبِي بَكْرٍ خَمَدَ بْنِ خَلَفٍ الْقَاضِي الْمَعْرُوفِ بِوَكِيعٍ قَالَ : " حَدَّثَنَا مَعْدَانُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ : قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ " وَبِذَلِكَ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ فِي " الرَّوْضِ " وَوَقَعَ لَنَا مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَفِيهِ زِيَادَةٌ رُوِّينَاهُ فِي " فَوَائِدِ الْمَيْمُونِ بْنِ حَمْزَةَ الْمِصْرِيِّ " عَنِ الطَّحَاوِيِّ فِيمَا زَادَهُ فِي السُّنَنِ الَّتِي رَوَاهَا عَنِ الْمُزَنِيِّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ : " حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ : قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ : كَمَا تَرَكَ لَكُمُ الْمُلُوكُ الْحِكْمَةَ فَاتْرُكُوا لَهُمُ الدُّنْيَا " . وَكَانَ خَلَفٌ يَقُولُ : يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا هَذِهِ الْأَبْيَاتِ فِي الْفِتْنَةِ .
قَوْلُهُ : ( الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ ؛ أَيْ شَابَّةٌ ، حَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنْ سِيبَوَيْهِ الْحَرْبَ مُؤَنَّثَةً وَعَنِ الْمُبَرِّدِ قَدْ تُذَكَّرُ ، وَأَنْشَدَ لَهُ شَاهِدًا قَالَ : وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُ " أَوَّلُ وَفَتِيَّةً " لِأَنَّهُ مَثَلٌ ، وَمَنْ نَصَبَ " أَوَّلَ " قَالَ إِنَّهُ الْخَبَرُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ : الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ أَحْوَالُهَا إِذَا كَانَتْ فَتِيَّةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَبَ أَوَّلَ حَالًا . وَقَالَ غَيْرُهُ : يَجُوزُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ ؛ رَفْعُ أَوَّلَ ، وَنَصْبُ فَتِيَّةٍ وَعَكْسُهُ ، وَرَفْعُهُمَا جَمِيعًا وَنَصْبُهُمَا ، فَمَنْ رَفَعَ أَوَّلَ وَنَصَبَ فَتِيَّةً فَتَقْدِيرُهُ : الْحَرْبُ أَوَّلُ أَحْوَالِهَا إِذَا كَانَتْ فَتِيَّةً ، فَالْحَرْبُ مُبْتَدَأٌ وَأَوَّلُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ ، وَفَتِيَّةٌ حَالٌ سَدَّتْ مَسَدَّ الْخَبَرِ ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْحَرْبِ . وَمَنْ عَكَسَ فَتَقْدِيرُهُ : الْحَرْبُ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهَا فَتِيَّةٌ ، فَالْحَرْبُ مُبْتَدَأٌ وَفَتِيَّةٌ خَبَرُهَا ، وَأَوَّلُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ . وَمَنْ رَفَعَهُمَا فَالتَّقْدِيرُ : الْحَرْبُ أَوَّلُ أَحْوَالِهَا ، فَأَوَّلُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ أَوْ بَدَلٌ مِنَ الْحَرْبِ ، وَفَتِيَّةٌ خَبَرٌ . وَمَنْ نَصَبَهُمَا جَعَلَ أَوَّلَ ظَرْفًا وَفَتِيَّةً حَالًا ، وَالتَّقْدِيرُ : الْحَرْبُ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهَا إِذَا كَانَتْ فَتِيَّةً ، وَتَسْعَى خَبَرٌ عَنْهَا ؛ أَيِ : الْحَرْبُ فِي حَالِ مَا هِيَ فَتِيَّةٌ ، أَيْ فِي وَقْتِ وُقُوعِهَا يَفِرُّ مَنْ لَمْ يُجَرِّبْهَا حَتَّى يَدْخُلَ فِيهَا فَتُهْلِكَهُ .
قَوْلُهُ : ( بِزِينَتِهَا ) كَذَا فِيهِ مِنَ الزِّينَةِ ، وَرَوَاهُ سِيبَوَيْهِ : بِبَزَّتِهَا ؛ بِمُوَحَّدَةٍ وَزَايٍ مُشَدَّدَةٍ ، وَالْبَزَّةُ اللِّبَاسُ الْجَيِّدُ .
قَوْلُهُ : ( إِذَا اشْتَعَلَتْ ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ كِنَايَةً عَنْ هَيَجَانِهَا ، وَيَجُوزُ فِي " إِذَا " أَنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً
[13/54]
وَأَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وَالْجَوَابُ وَلَّتْ ، وَقَوْلُهُ : " وَشُبَّ ضِرَامُهَا " هُوَ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ، تَقُولُ : شُبَّتِ الْحَرْبُ ؛ إِذَا اتَّقَدَتْ . وَضِرَامُهَا بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ؛ أَيِ اشْتِعَالُهَا .
قَوْلُهُ : ( ذَاتَ حَلِيلٍ ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا صَارَتْ لَا يَرْغَبُ أَحَدٌ فِي تَزْوِيجِهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ .
قَوْلُهُ : ( شَمْطَاءَ ) بِالنَّصْبِ هُوَ وَصْفُ الْعَجُوزِ ، وَالشَّمْطُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ اخْتِلَاطُ الشَّعْرِ الْأَبْيَضِ بِالشَّعْرِ الْأَسْوَدِ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الشَّيْبِ . وَقَوْلُهُ : " يُنَكَّرُ لَوْنُهَا " ؛ أَيْ يُبَدَّلُ حُسْنُهَا بِقُبْحٍ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ : " شَمْطَاءَ جُزَّتْ رَأْسُهَا " بَدَلَ قَوْلِهِ : " يُنَكَّرُ لَوْنُهَا " وَكَذَلِكَ أَنْشَدَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ . وَقَوْلُهُ : " مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ " يَصِفُ فَاهَا بِالْبَخْرِ مُبَالَغَةً فِي التَّنْفِيرِ مِنْهَا . وَالْمُرَادُ بِالتَّمَثُّلِ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ اسْتِحْضَارُ مَا شَاهَدُوهُ وَسَمِعُوهُ مِنْ حَالِ الْفِتْنَةِ ، فَإِنَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ بِإِنْشَادِهَا ذَلِكَ فَيَصُدُّهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهَا حَتَّى لَا يَغْتَرُّوا بِظَاهِرِ أَمْرِهَا أَوَّلًا . ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةً أَحَادِيثَ ؛ أَحَدُهَا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا شَقِيقٌ ) هُوَ أَبُو وَائِلِ بْنِ سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ .
قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ : بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ . وَخَالَفَ أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ أَصْحَابَ الْأَعْمَشِ فَقَالَ : " عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ " وَقَوْلُهُ هُنَا : " لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ " وَقَعَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ : " لَمْ أَسْأَلْ عَنْ فِتْنَةِ الْخَاصَّةِ " . وَقَوْلُهُ : " وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ . فَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ " فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : " عَلَيْكُمْ " بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ : فَقَالَ حُذَيْفَةُ : " سَمِعْتُهُ يَقُولُ : يَأْتِيكُمْ بَعْدِي فِتَنٌ كَمَوْجِ الْبَحْرِ يَدْفَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا " فَيُؤْخَذُ مِنْهُ جِهَةُ التَّشْبِيهِ بِالْمَوْجِ وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ فَقَطْ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ : " فَرَفَعَ عُمَرُ يَدَهُ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا تُدْرِكْنِي ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَا تَخَفْ " . وَقَوْلُهُ : " إِذًا لَا يُغْلَقُ أَبَدًا ؟ قُلْتُ : أَجَلْ " فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ : " قَالَ حُذَيْفَةُ : كَسْرًا ، ثَمَّ لَا يُغْلَقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " .
قَوْلُهُ : ( كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً ) ؛ أَيْ عِلْمُهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا مِثْلَ هَذَا ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا عَدَلَ حُذَيْفَةُ حِينَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنِ الْإِخْبَارِ بِالْفِتْنَةِ الْكُبْرَى إِلَى الْإِخْبَارِ بِالْفِتْنَةِ الْخَاصَّةِ لِئَلَّا يُغَمَّ وَيَشْتَغِلَ بَالُهُ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ لَهُ : " إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا " وَلَمْ يَقُلْ لَهُ : أَنْتَ الْبَابُ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ الْبَابُ فَعَرَّضَ لَهُ بِمَا فَهِمَهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ ، وَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ أَدَبِهِ . وَقَوْلُ عُمَرَ : " إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ " أَخَذَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْكَسْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا غَلَبَةً ، وَالْغَلَبَةُ لَا تَقَعُ إِلَّا فِي الْفِتْنَةِ ، وَعُلِمَ مِنَ الْخَبَرِ النَّبَوِيِّ أَنَّ بَأْسَ الْأُمَّةِ بَيْنَهُمْ وَاقِعٌ ، وَأَنَّ الْهَرْجَ لَا يَزَالُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا
وَقَعَ فِي حَدِيثِ شَدَّادٍ رَفَعَهُ :
إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
. قُلْتُ : أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ
ابْنُ حِبَّانَ
، وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي " الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ " أَنَّ عُمَرَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عَلِيٍّ فَوَجَدَهَا تَبْكِي ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكِ ؟ قَالَتْ : هَذَا الْيَهُودِيُّ - لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ - يَقُولُ : إِنَّكَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ! فَقَالَ عُمَرُ : مَا شَاءَ اللَّهُ . ثُمَّ خَرَجَ فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْسَلِخُ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ . فَقَالَ : مَا هَذَا ، مَرَّةً فِي الْجَنَّةِ وَمَرَّةً فِي النَّارِ ! فَقَالَ : إِنَّا لِنَجِدُكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ تَمْنَعُ النَّاسَ أَنْ يَقْتَحِمُوا فِيهَا ، فَإِذَا مِتَّ اقْتَحَمُوا .
[13/55]
قَوْلُهُ : ( فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا ) احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْأَمْرَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعُلُوُّ وَلَا الِاسْتِعْلَاءُ .