29 - بَاب مَنْ قُضِيَ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ
فَإِنَّ قَضَاءَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا
7181 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا .


قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) بِالتَّنْوِينِ " مَنْ قُضِيَ لَهُ " بِضَمِّ أَوَّلِهِ " بِحَقِّ أَخِيهِ " أَيْ خَصْمِهِ فَهِيَ أُخُوَّةٌ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَهُوَ الْجِنْسُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ وَالْمُعَاهَدَ وَالْمُرْتَدَّ فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ ، فَهُوَ مُطَّرِدٌ فِي الْأَخِ مِنَ النَّسَبِ وَمِنَ الرَّضَاعِ وَفِي الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْأُخُوَّةِ بِالذِّكْرِ مِنْ بَابِ التَّهْيِيجِ ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِقَوْلِهِ بِحَقِّ أَخِيهِ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْخَبَرِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : " فَلَا يَأْخُذْهُ " لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ الْخَبَرِ ، وَهَذَا اللَّفْظُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ .
قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ قَضَاءَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا ) هَذَا الْكَلَامُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ : " فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ ، إِنَّمَا كُلِّفُوا الْقَضَاءَ عَلَى الظَّاهِرِ " وَفِيهِ " أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا يُحِلُّ حَرَامًا " .
[13/185] قَوْلُهُ : ( عَنْ صَالِحٍ ) هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ .
قَوْلُهُ ( سَمِعَ خُصُومَةً ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ " سَمِعَ جَلَبَةَ خِصَامٍ " وَالْجَلَبَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّامِ : اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ " جَلَبَةَ خَصْمٍ " بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الصَّادِ ، وَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُثَنَّى مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا ، وَيَجُوزُ جَمْعُهُ وَتَثْنِيَتُهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ " خُصُومٌ " وَكَمَا فِي قَوْلِخهِ تَعَالَى : هَذَانِ خَصْمَانِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ هِشَامٍ " لَجَبَةَ " بِتَقْدِيمِ اللَّامِ عَلَى الْجِيمِ ، وَهِيَ لُغَةٌ فِيهَا ، فَأَمَّا الْخُصُومُ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِمْ ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمَا كَانَا اثْنَيْنِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَلَفْظُهُ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ " . وَأَمَّا الْخُصُومَةُ فَبَيَّنَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ أَنَّهَا كَانَتْ " فِي مَوَارِيثَ لَهُمَا " وَفِي لَفْظٍ عِنْدَهُ " فِي مَوَارِيثَ وَأَشْيَاءَ قَدْ دَرَسَتْ " .
قَوْلُهُ ( بِبَابِ حُجْرَتِهِ ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، وَيُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ " عِنْدَ بَابِهِ " وَالْحُجْرَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ مَنْزِلُ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ " بِبَابِ أُمِّ سَلَمَةَ " .
قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) الْبَشَرُ الْخَلْقُ ، يُطْلَقُ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَالْوَاحِدِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ مِنْهُمْ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مُشَارِكٌ لِلْبَشَرِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ ، وَلَوْ زَادَ عَلَيْهِمْ بِالْمَزَايَا الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ ، وَالْحَصْرُ هُنَا مَجَازِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْعِلْمِ الْبَاطِنِ وَيُسَمَّى " قَصْرَ قَلْبٍ " لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ كَانَ رَسُولًا فَإِنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ غَيْبٍ ، حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْمَظْلُومُ .
قَوْلُهُ : ( وَأَنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ " فِي تَرْكِ الْحِيَلِ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ " وَمِثْلُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ أَلْحَنَ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ .
قَوْلُهُ : ( فَأَحْسَبُ أَنَّهُ صَادِقٌ ) هَذَا يُؤْذِنُ أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ " وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ كَاذِبٌ " وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ " فَأَظُنُّهُ صَادِقًا " .
قَوْلُهُ : ( فَأَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ " فَأَقْضِي لَهُ عَلَيْهِ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ " وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ : إِنِّي إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِرَأْيِي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ " .
قَوْلُهُ : ( فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَمَعْمَرٍ : " فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ " وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ : فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا " وَكَأَنَّهُ ضَمَّنَ " قَضَيْتُ مَعْنَى " أَعْطَيْتُ " وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ : فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْهُ . وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ : فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِقَضِيَّةٍ أَرَاهَا يُقْطَعُ بِهَا قِطْعَةٌ ظُلْمًا فَإِنَّمَا يُقْطَعُ لَهُ بِهَا قِطْعَةٌ مِنْ نَارٍ إِسْطَامًا يَأْتِي بِهَا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَالْإِسْطَامُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ " قِطْعَةٌ " فَكَأَنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ .
قَوْلُهُ ( فَإِنَّمَا هِيَ ) الضَّمِيرُ لِلْحَالَةِ أَوِ الْقِصَّةِ .
قَوْلُهُ ( قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ ) أَيْ " الَّذِي قَضَيْتُ لَهُ بِهِ " بِحَسَبِ الظَّاهِرِ إِذَا كَانَ فِي الْبَاطِنِ لَا يَسْتَحِقُّهُ فَهُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ يَئُولُ بِهِ إِلَى النَّارِ ، وَقَوْلُهُ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ ، تَمْثِيلٌ يُفْهَمُ مِنْهُ شِدَّةُ التَّعْذِيبِ عَلَى مَنْ يَتَعَاطَاهُ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ [13/186] التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا
قَوْلُهُ ( فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ " فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ لِيَذَرْهَا " وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ : " فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ " قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هِشَامٌ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً لَكِنَّ الزُّهْرِيَّ أَحْفَظُ مِنْهُ ، وَحَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ . قُلْتُ : وَرِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ تَرْجِعُ إِلَى رِوَايَةِ هِشَامٍ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلتَّهْدِيدِ لَا لِحَقِيقَةِ التَّخْيِيرِ ، بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ : فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ قَالَ ابْنُ التِّينِ : هُوَ خِطَابٌ لِلْمُقْضَى لَهُ ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ ، هَلْ هُوَ مُحِقٌّ أَوْ مُبْطِلٌ ؟ فَإِنْ كَانَ مُحِقًّا فَلْيَأْخُذْ ، وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا فَلْيَتْرُكْ ، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا يَنْقُلُ الْأَصْلَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ .
( تَنْبِيهٌ ) : زَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : فَبَكَى الرَّجُلَانِ ، وَقَالَ كُلُّ مِنْهُمَا : حَقِّي لَكَ . فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا إِذَا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ ، ثُمَّ اسْتَهِمَا ، ثُمَّ تَحَالَلَا " . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ إِثْمُ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ حَتَّى اسْتَحَقَّ بِهِ فِي الظَّاهِرِ شَيْئًا هُوَ فِي الْبَاطِلِ حَرَامٌ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ " أَنَّ مَنِ ادَّعَى مَالًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِبَرَاءَةِ الْحَالِفِ ، أَنَّهُ لَا يُبَرَّأُ فِي الْبَاطِنِ ، وَأَنَّ الْمُدَّعِي لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بَعْدَ ذَلِكَ تُنَافِي دَعْوَاهُ سُمِعَتْ وَبَطَلَ الْحُكْمُ ، " وَفِيهِ " أَنَّ مَنِ احْتَالَ لِأَمْرٍ بَاطِلٍ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْحِيَلِ حَتَّى يَصِيرَ حَقًّا فِي الظَّاهِرِ وَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ تَنَاوُلُهُ فِي الْبَاطِنِ وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ الْإِثْمُ بِالْحُكْمِ ، " وَفِيهِ " أَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ فَيُرَدُّ بِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ، " وَفِيهِ " أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا أَخْطَأَ لَا يَلْحَقْهُ إِثْمٌ بَلْ يُؤْجَرُ كَمَا سَيَأْتِي ، وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْضِي بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ قَوْمٌ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَصْرَحِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَيْهِمْ ، وَفِيهِ أَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى أَمْرٍ فَيَحْكُمُ بِهِ وَيَكُونُ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، لَكِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ لَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثُبُوتِ عِصْمَتِهِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ وُقُوعُ الْخَطَأِ فِي حُكْمِهِ لَلَزِمَ أَمْرَ الْمُكَلَّفِينَ بِالْخَطَأِ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ ، حَتَّى قَالَ تَعَالَى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ الْآيَةَ ، وَبِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مَعْصُومٌ مِنَ الْخَطَأِ ، فَالرَّسُولُ أَوْلَى بِذَلِكَ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : " أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا اسْتَلْزَمَ إِيقَاعَ الْخَطَأِ لَا مَحْذُورَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِينَ ، فَإِنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ ، وَلَوْ جَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأُ " .
وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي : " أَنَّ الْمُلَازَمَةَ مَرْدُودَةٌ ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ إِذَا فُرِضَ وُجُودُهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُسْتَنَدَهُمْ مَا جَاءَ عَنِ الرَّسُولِ ، فَرَجَعَ الِاتِّبَاعُ إِلَى الرَّسُولِ لَا إِلَى نَفْسِ الْإِجْمَاعِ ، " وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ أَثْبَتَ " أَنَّهُ قَدْ يُحْكَمُ بِالشَّيْءِ فِي الظَّاهِرِ ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ عَقْلًا وَلَا نَقْلًا ، وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَهُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ يَتَعَلَّقُ بِالْحُكُومَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْإِقْرَارِ أَوِ الْبَيِّنَةِ ، وَلَا مَانِعَ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ فِيهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُقَرُّ عَلَى الْخَطَأِ ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعَةُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ الْخَطَأُ " أَنْ يُخْبِرَ عَنْ أَمْرٍ بِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فِيهِ كَذَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ نَاشِئًا عَنِ اجْتِهَادِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى الْآيَةَ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فَيَعُودُ الْإِشْكَالُ كَمَا كَانَ .
وَمِنْ حُجَجِ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ ، فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ مَنْ تَلَفَّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ - وَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَعْتَقِدُ خِلَافَ ذَلِكَ - وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ اطِّلَاعُهُ بِالْوَحْيِ عَلَى كُلِّ حُكُومَةٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُشَرِّعًا ، كَانَ يَحْكُمُ بِمَا شَرَعَ لِلْمُكَلَّفِينَ ، وَيَعْتَمِدُهُ الْحُكَّامُ بَعْدَهُ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَيْ " فِي الْحُكْمِ بِمِثْلِ مَا كُلِّفُوا بِهِ " وَإِلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِإِيرَادِهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ ، حَيْثُ حَكَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَلَدِ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ [13/187] وَأَلْحَقَهُ بِزَمْعَةَ ، ثُمَّ لَمَّا رَأَى شبهَه بِعُتْبَةَ أَمَرَ سَوْدَةَ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ احْتِيَاطًا ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَمَّا وَضَعَتِ الَّتِي لُوعِنَتْ وَلَدًا يُشْبِهُ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ : لَوْلَا الْإيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ . فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ بِالظَّاهِرِ ، وَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَيْسَ مِنْ زَمْعَةَ وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ خَطَأٌ فِي الِاجْتِهَادِ ، وَلَا هُوَ مِنْ مَوَارِدِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ قَالَ : " وَفِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ يَقَعُ عَلَى مَا يُسْمَعُ مِنَ الْخَصْمَيْنِ بِمَا لَفَظُوا بِهِ ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي قُلُوبِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَى أَحَدٍ بِغَيْرِ مَا لَفَظَ بِهِ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ قَالَ : وَمِثْلُ هَذَا قَضَاؤُهُ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ بِابْنِ الْوَلِيدَةِ ، فَلَمَّا رَأَى الشَّبَهَ بَيِّنًا بِعُتْبَةَ قَالَ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ . انْتَهَى . وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ امْتِثَالُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَيْ فِي إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ الْمُكَلَّفِينَ ، فَأُمِرَ أَنْ يَحْكُمَ بِمِثْلِ مَا أُمِرُوا أَنْ يَحْكُمُوا بِهِ ، لِيَتِمَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَتَطِيبَ نُفُوسُ الْعِبَادِ لِلِانْقِيَادِ إِلَى الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْبَاطِنِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هُنَا مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا " طَرِيقُ الْحُكْمِ " وَهُوَ الَّذِي كُلِّفَ الْمُجْتَهِدُ بِالتَّبَصُّرِ فِيهِ ، وَبِهِ يَتَعَلَّقُ الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ ، وَفِيهِ الْبَحْثُ . وَالْآخَرُ مَا يُبْطِنُهُ الْخَصْمُ وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ ، وَمَنْ شَاءَ مِنْ رُسُلِهِ ، فَلَمْ يَقَعِ التَّكْلِيفُ بِهِ .
قَالَ الطَّحَاوِيُّ : ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِتَمْلِيكِ مَالٍ أَوْ إِزَالَةِ مِلْكٍ أَوْ إِثْبَاتِ نِكَاحٍ أَوْ فُرْقَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، إِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ كَمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ نَفَذَ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ عَلَى خِلَافِ مَا اسْتَنَدَ إِلَيْهِ الْحَاكِمُ مِنَ الشَّهَادَةِ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَكُنِ الْحُكْمُ مُوجِبًا لِلتَّمْلِيكِ وَلَا الْإِزَالَةِ وَلَا النِّكَاحِ وَلَا الطَّلَاقِ وَلَا غَيْرِهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَمَعَهُمْ أَبُو يُوسُفَ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ إِنْ كَانَ فِي مَالٍ ، وَكَانَ الْأَمْرُ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ مَا اسْتَنَدَ إِلَيْهِ الْحَاكِمُ مِنَ الظَّاهِرِ ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِحِلِّهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ وَهُوَ الْمَالُ ، وَاحْتَجُّوا لِمَا عَدَاهُ بِقِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قَدْ صَدَقَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ ، قَالَ : فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ " كُلَّ قَضَاءٍ لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ مَالٍ أَنَّهُ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَوْ كَانَ الْبَاطِنُ بِخِلَافِهِ " وَأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُحْدِثُ فِي ذَلِكَ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْفُرْقَةَ فِي اللِّعَانِ إِنَّمَا وَقَعَتْ عُقُوبَةً لِلْعِلْمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ ، وَهُوَ أَصْلٌ بِرَأْسِهِ فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِسَمَاعِ كَلَامِ الْخَصْمِ ، حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ هُنَاكَ وَلَا يَمِينَ ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الشَّهَادَةِ ، وَبِأَنَّ " مَنْ " فِي قَوْلِهِ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ شَرْطِيَّةٌ - وَهِيَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ - فَيَكُونُ مِنْ فَرْضِ مَا لَمْ يَقَعْ وَهُوَ جَائِزٌ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ غَرَضٌ ، وَهُوَ هُنَا مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ لِلتَّهْدِيدِ وَالزَّجْرِ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِاللَّسَنِ وَالْإِبْلَاغِ فِي الْخُصُومَةِ ، وَهُوَ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَسْتَلْزِمَ عَدَمَ نُفُوذِ الْحُكْمِ بَاطِنًا فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يُسَقْ لِذَلِكَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ مَنَعَ ، وَبِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهِ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَا قَضَى بِهِ " قِطْعَةً مِنَ النَّارِ " إِلَّا إِذَا اسْتَمَرَّ الْخَطَأُ ، وَإِلَّا فَمَتَى فُرِضَ أَنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ الْحُكْمَ وَيَرُدَّ الْحَقَّ لِمُسْتَحِقِّهِ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُخَالِفُ ذَلِكَ ، فَإِمَّا أَنْ يَسْقُطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَيُؤَوَّلَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَإِمَّا أَنْ يَسْتَلْزِمَ اسْتِمْرَارَ التَّقْرِيرِ عَلَى الْخَطَأِ وَهُوَ بَاطِلٌ ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ، وَكَذَا الثَّانِي ، وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ : أَنَّ الْخَطَأَ الَّذِي لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ هُوَ الْحُكْمُ الَّذِي صَدَرَ عَنِ اجْتِهَادِهِ فِيمَا لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِيهِ ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْحُكْمِ الصَّادِرِ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى شَهَادَةِ زُورٍ أَوْ يَمِينٍ فَاجِرَةٍ ، فَلَا يُسَمَّى خَطَأً لِلِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ وَبِالْإِيمَانِ ، وَإِلَّا لَكَانَ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَحْكَامِ [13/188] يُسَمَّى خَطَأً وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ : أُمِرْتْ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَحَدِيثِ : إِنِّي لَمْ أُومَرْ بِالتَّنْقِيبِ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ . وَعَلَى هَذَا فَالْحُجَّةُ مِنَ الْحَدِيثِ ظَاهِرَةٌ فِي شُمُولِ الْخَبَرِ : الْأَمْوَالَ وَالْعُقُودَ وَالْفُسُوخَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ : " إِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي دَعْوَى حِلِّ الزَّوْجَةِ لِمَنْ أَقَامَ بِتَزْوِيجِهَا بِشَاهِدَيْ زُورٍ وَهُوَ يَعْلَمُ بِكَذِبِهِمَا ، وَبَيْنَ مَنِ ادَّعَى عَلَى حُرٍّ أَنَّهُ فِي مِلْكِهِ " وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدَيْ زُورٍ ، وَهُوَ يَعْلَمُ حُرِّيَّتَهُ ، فَإِذَا حَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ بِالْإِجْمَاعِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالْقَوْلُ بِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَحِلُّ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَلِلْإِجْمَاعِ السَّابِقِ عَلَى قَائِلَةٍ ، وَلِقَاعِدَةٍ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهَا ، وَوَافَقَهُمُ الْقَائِلُ الْمَذْكُورُ ، وَهُوَ " أَنَّ الْأَبْضَاعَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ مِنَ الْأَمْوَالِ " وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : إِنْ كَانَ حَاكِمًا نَفَذَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ " وَإِنْ كَانَ مُفْتِيًا لَمْ يَحِلَّ ، فَإِنْ كَانَ الْمُفْتَى لَهُ مُجْتَهِدًا يَرَى بِخِلَافِ مَا أَفْتَاهُ بِهِ لَمْ يَجُزْ ، وَإِلَّا جَازَ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ : وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ : وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ جَوَازُ الْإِبْرَاءِ مِنَ الْمَجْهُولِ ؛ لِأَنَّ التَّوَخِّيَ لَا يَكُونُ فِي الْمَعْلُومِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : شَنَّعُوا عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا لِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ صِيَانَةَ الْمَالِ وَابْتِذَالَ الْفُرُوجِ ، وَهِيَ أَحَقُّ أَنْ يُحْتَاطَ لَهَا وَتُصَانَ " وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِمَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ امْرَأَةً فَأَبَتْ ، فَادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ أنَّهُمَا شَهِدَا بِالزُّورِ ، فَزَوِّجْنِي أَنْتَ مِنْهُ فَقَدْ رَضِيتُ ، فَقَالَ : شَهِدَاكِ زَوَّجَاكِ ، وَأَمْضَى عَلَيْهَا النِّكَاحَ " وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ عَلِيٍّ ، وَاحْتَجَّ الْمَذْكُورُ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ بِأَنَّ الْحَاكِمَ قَضَى بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ فِيمَا لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْشَاءِ فِيهِ ، فَجَعَلَ الْإِنْشَاءَ تَحَرُّزًا عَنِ الْحَرَامِ ، وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الْمَالِ ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْلِكُ دَفْعَ مَالِ زَيْدٍ إِلَى عَمْرٍو ، وَيَمْلِكُ إِنْشَاءَ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ بَيْعَ أَمَةِ زَيْدٍ مَثَلًا مِنْ عَمْرٍو حَالَ خَوْفِ الْهَلَاكِ لِلْحِفْظِ وَحَالَ الْغَيْبَةِ ، وَيَمْلِكُ إِنْشَاءَ النِّكَاحِ عَلَى الصَّغِيرَةِ ، وَالْفُرْقَةِ عَلَى الْعَيْنَيْنِ ، فَيَجْعَلُ الْحُكْمَ إِنْشَاءً احْتِرَازًا عَنِ الحرام ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْفُذْ بَاطِنًا فَلَوْ حَكَمَ بِالطَّلَاقِ لَبَقِيَتْ حَلَالًا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ بَاطِنًا وَلِلثَّانِي ظَاهِرًا ، فَلَوِ ابْتُلِيَ الثَّانِي مِثْلُ مَا ابْتُلِيَ الْأَوَّلُ حَلَّتْ لِلثَّالِثِ ، وَهَكَذَا فَتَحِلُّ لِجَمْعٍ مُتَعَدِّدٍ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يَخْفَى فُحْشة ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قُلْنَا بِنَفَاذِهِ بَاطِنًا فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ إِلَّا لِوَاحِدٍ ، انْتَهَى . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجُمْهُورَ إِنَّمَا قَالُوا فِي هَذَا : تَحْرُمُ عَلَى الثَّانِي مَثَلًا إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْحُكْمَ تَرَتَّبَ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ ، فَإِذَا اعْتَمَدَ الْحُكْمَ وَتَعَمَّدَ الدُّخُولَ بِهَا فَقَدِ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا ، كَمَا لَوْ كَانَ الْحُكْمُ بِالْمَالِ فَأَكَلَهُ ، وَلَوِ ابْتُلِيَ الثَّانِي كَانَ حُكْمُ الثَّالِثِ كَذَلِكَ ، وَالْفُحْشُ إِنَّمَا لَزِمَ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى تَعَاطِي الْمُحَرَّمِ ، فَكَانَ كَمَا لَوْ زَنَوْا ظَاهِرًا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ .
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : شَرْطُ صِحَّةِ الْحُكْمِ وُجُودُ الْحُجَّةِ وَإِصَابَةُ الْمَحَلِّ ، وَإِذَا كَانَتِ الْبَيِّنَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ شُهُودَ زُورٍ لَمْ تَحْصُلِ الْحُجَّةُ ؛ لِأَنَّ حُجَّةَ الْحُكْمِ هِيَ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الشَّهَادَةِ إِظْهَارُ الْحَقِّ ، وَحَقِيقَةَ الْحُكْمِ إِنْفَاذُ ذَلِكَ ، وإذا كَانَ الشُّهُودُ كَذَبَةً لَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُمْ حَقًّا ، قَالَ : " فَإِنِ احْتَجُّوا بِأَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا ، وَهِيَ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ فِي عِلْمِهِ ، وَلَمْ يُكَلَّفْ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى صِدْقِهِمْ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ ، فَإِذَا حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ فَقَدِ امْتَثَلَ مَا أُمِرَ بِهِ ، فَلَوْ قُلْنَا : لَا يَنْفُذُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ لَلَزِمَ إِبْطَالُ مَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ ؛ لِأَنَّ صِيَانَةَ الْحُكْمِ عَنِ الْإِبْطَالِ مَطْلُوبَةٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ عَلَى مُجْتَهِدٍ لَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْتَقِدُهُ صِيَانَةً لِلْحُكْمِ . وَأَجَابَ ابْنُ السَّمْعَانِيُّ بِأَنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ لِلنُّفُوذِ ، وَلِهَذَا لَا يَأْثَمُ الْقَاضِي ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ نُفُوذُ الْقَضَاءِ حَقِيقَةً فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ صِيَانَةُ الْقَضَاءِ عَنِ الْإِبْطَالِ إِذَا صَادَفَ حُجَّةً صَحِيحَةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ : لَوْ كَانَ الْمَحْكُومُ لَهُ يَعْتَقِدُ خِلَافَ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ الْحَاكِمُ ، هَلْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ مَا حَكَمَ لَهُ بِهِ أَوْ لَا ؟ كَمَنْ مَاتَ ابْنُ ابْنِهِ وَتَرَكَ أَخًا شَقِيقًا فَرَفَعَهُ لِقَاضٍ [13/189] يَرَى فِي الْجَدِّ رأْيَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، فَحَكَمَ لَهُ بِجَمِيعِ الْإِرْثِ دُونَ الشَّقِيقِ ، وَكَانَ الْجَدُّ الْمَذْكُورُ يَرَى رَأْيَ الْجُمْهُورِ ، نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْأَكْثَرِ أَنَّهُ " يَجِبُ عَلَى الْجَدِّ أَنْ يُشَارِكَ الْأَخَ الشَّقِيقَ " عَمَلًا بِمُعْتَقَدِهِ وَالْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَشْهُورٌ ، وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ لِمَنْ قَالَ : إِنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ " بِدَلِيلِ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِمَا أَسْمَعُ " وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلُ ، وَفِيهِ : إِنَّ التَّعَمُّقَ فِي الْبَلَاغَةِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ اقْتِدَارُ صَاحِبِهَا عَلَى تَزْيِينِ الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ وَعَكْسُهُ مَذْمُومٌ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ " أَبْلَغُ " أَيْ أَكْثَرُ بَلَاغَةً " وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي التَّوَصُّلِ إِلَى الْحَقِّ لَمْ يُذَمَّ ، وَإِنَّمَا يُذَمُّ مِنْ ذَلِكَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ ، فَالْبَلَاغَةُ إِذَنْ لَا تُذَمُّ لِذَاتِهَا وَإِنَّمَا تُذَمُّ بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ الَّذِي يُمْدَحُ بِسَبَبِهِ ، وَهِيَ فِي حَدِّ ذَاتِهَا مَمْدُوحَةٌ ، وَهَذَا كَمَا يُذَمُّ صَاحِبُهَا إِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا الْإِعْجَابُ ، وَتَحْقِيرُ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى دَرَجَتِهِ ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْغَيْرُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ فَإِنَّ الْبَلَاغَةَ إِنَّمَا تُذَمُّ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بِحَسَبِ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ عَنْهَا ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْبَلَاغَةِ وَغَيْرِهَا ، بَلْ كُلُّ فِتْنَةٍ تُوَصِّلُ إِلَى الْمَطْلُوبِ مَحْمُودَةٌ فِي حَدِّ ذَاتِهَا ، وَقَدْ تُذَمُّ أَوْ تُمْدَحُ بِحَسَبِ مُتَعَلَّقِهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِ الْبَلَاغَةِ فَقِيلَ : أَنْ يُبَلِّغَ بِعِبَارَةِ لِسَانِهِ كُنْهَ مَا فِي قَلْبِهِ ، وَقِيلَ : إِيصَالُ الْمَعْنَى إِلَى الْغَيْرِ بِأَحْسَنِ لَفْظٍ ، وَقِيلَ : الْإِيجَازُ مَعَ الْإِفْهَامِ وَالتَّصَرُّفُ مِنْ غَيْرِ إِضْمَارٍ ، وَقِيلَ : قَلِيلٌ لَا يُبْهَمُ وَكَثِيرٌ لَا يُسْأَمُ ، وَقِيلَ : إِجْمَالُ اللَّفْظِ وَاتِّسَاعُ الْمَعْنَى ، وَقِيلَ : تَقْلِيلُ اللَّفْظِ وَتَكْثِيرُ الْمَعْنَى ، وَقِيلَ : حُسْنُ الْإِيجَازِ مَعَ إِصَابَةِ الْمَعْنَى ، وَقِيلَ : سُهُولَةُ اللَّفْظِ مَعَ الْبَدِيهَةِ ، وَقِيلَ : لَمْحَةٌ دَالَّةٌ أَوْ كَلِمَةٌ تَكْشِفُ عَنِ الْبُغْيَةِ ، وَقِيلَ : الْإِيجَازُ مِنْ غَيْرِ عَجْزٍ وَالْإِطْنَابُ مِنْ غَيْرِ خَطَأٍ ، وَقِيلَ : النُّطْقُ فِي مَوْضِعِهِ وَالسُّكُوتُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَقِيلَ مَعْرِفَةُ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ ، وَقِيلَ : الْكَلَامُ الدَّالُّ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ وَعَكْسُهُ . وَهَذَا كُلُّهُ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ . وَعَرَّفَ أَهْلُ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ الْبَلَاغَةَ بِأَنَّهَا " مُطَابَقَةُ الْكَلَامِ لِمُقْتَضَى الْحَالِ وَالْفَصَاحَةِ " وَهِيَ خُلُوُّهُ عَنِ التَّعْقِيدِ ، وَقَالُوا : الْمُرَادُ بِالْمُطَابَقَةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْمَقَامَاتِ ، كَالتَّأْكِيدِ وَحَذْفِهِ ، وَالْحَذْفِ وَعَدَمِهِ ، أَوِ الْإِيجَازِ وَالْإِسْهَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ حَكَمَ بِمَا يَقَعُ فِي خَاطِرِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إِلَى أَمْرٍ خَارِجِيٍّ مِنْ بَيِّنَةٍ وَنَحْوِهَا ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الشَّاهِدَ الْمُتَّصِلَ بِهِ أَقْوَى مِنَ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ ، وَوَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِ كَوْنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَى فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ دَلَّ حَدِيثُهُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ ، فَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى صَحِيحًا لَكَانَ الرَّسُولُ أَحَقَّ بِذَلِكَ ، فإِنَّهُ أَعْلَمَ إنَّهُ تَجْرِي الْأَحْكَامُ عَلَى ظَاهِرِهَا ، وَلَوْ كَانَ يُمْكِنُ أَنَّ اللَّهَ يُطْلِعُهُ عَلَى غَيْبِ كُلِّ قَضِيَّةٍ ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ تَشْرِيعَ الْأَحْكَامِ وَاقِعٌ عَلَى يَدِهِ ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَعْلِيمَ غَيْرِهِ مِنَ الْحُكَّامِ أَنْ يَعْتَمِدُوا ذَلِكَ . نَعَمْ : لَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ مَثَلًا بِخِلَافِ مَا يَعْلَمُهُ عِلْمًا حِسِّيًّا بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ سَمَاعٍ ، يَقِينِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا رَاجِحًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، وَنَقَلَ بَعْضُهُمُ الِاتِّفَاقَ وَإِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي " بَابِ الشَّهَادَةِ " تَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي وِلَايَتِهِ الْقَضَاءَ ، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا : مَوْعِظَةُ الْإِمَامِ الْخُصُومَ لِيَعْتَمِدُوا الْحَقَّ وَالْعَمَلُ بِالنَّظَرِ الرَّاجِحِ وَبِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَمْرٌ إِجْمَاعِيٌّ لِلْحَاكِمِ وَالْمُفْتِي ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .