40 - بَاب تَرْجَمَةِ الْحُكَّامِ وَهَلْ يَجُوزُ تَرْجُمَانٌ وَاحِدٌ ؟
7195 وقال خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُتُبَهُ وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ وَقَالَ عُمَرُ : وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَعُثْمَانُ مَاذَا تَقُولُ هَذِهِ ؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ : فَقُلْتُ : تُخْبِرُكَ بِصَاحِبِهَا الَّذِي صَنَعَ بِهَا ، وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ : كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَا بُدَّ لِلْحَاكِمِ مِنْ مُتَرْجِمَيْنِ .
7196 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ : قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ لِلتُّرْجُمَانِ : قُلْ لَهُ إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ .


[13/198] قَوْلُهُ : بَابُ تَرْجَمَةِ الْحُكَّامِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " الْحَاكِمِ " بِالْإِفْرَادِ .
قَوْلُهُ : ( وَهَلْ يَجُوزُ تَرْجُمَانٌ وَاحِدٌ ) يُشِيرُ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ فَالِاكْتِفَاءُ بِالْوَاحِدِ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيٌّ : وَهِيَ الرِّوَايَةُ الرَّاجِحَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ " إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْحَاكِمُ لِسَانَ الْخَصْمِ ، لَمْ يَقْبَلْ فِيهِ إِلَّا عَدْلَيْنِ " لِأَنَّهُ نَقْلُ مَا خَفِيَ عَلَى الْحَاكِمِ إِلَيْهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكُومَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدْلُ كَالشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ الْحَاكِمَ بِمَا لَمْ يَفْهَمْهُ فَكَانَ كَنَقْلِ الْإِقْرَارِ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَجْلِسِهِ .
قَوْلُهُ : وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ) هُوَ أَبُوهُ .
قَوْلُهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ ) . " كِتَابَ الْيَهُودِ " فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " الْيَهُودِيَّةِ " بِزِيَادَةِ النِّسْبَةِ وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ " الْخَطُّ " .
قَوْلُهُ : ( حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُتُبَهُ ) يَعْنِي إِلَيْهِمْ ( وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ ) أَيِ الَّتِي يَكْتُبُونَهَا إِلَيْهِ ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ يُخَرِّجْهَا الْبُخَارِيُّ إِلَّا مُعَلَّقَةً وَقَدْ وَصَلَهُ مُطَوَّلًا فِي " كِتَابِ التَّارِيخِ " عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ زَيْدٍ قَالَ : " أَتَى بِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَدِّمَةَ الْمَدِينَةِ فَأُعْجِبَ بِي ، فَقِيلَ لَهُ : هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَدْ قَرَأَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سُورَةً فَاسْتَقْرَأَنِي فَقَرَأْتُ " ق " فَقَالَ لِي : تَعَلَّمْ كِتَابَ يَهُودَ ، فَإِنِّي مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي فَتَعَلَّمْتُهُ فِي نِصْفِ شَهْرٍ ، حَتَّى كَتَبْتُ لَهُ إِلَى يَهُودَ وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ " وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي فَوَائِدِ الْفَاكِهِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَيْسَرَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُ وَفِيهِ : " فَمَا مَرَّ بِي سِوَى خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ " وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ; وَقَدْ رَوَاهُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ السُّرْيَانِيَّةَ " . قُلْتُ : وَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَقَعَتْ لِي بِعُلُوٍّ فِي فَوَائِدِ هِلَالٍ الْحَفَّارِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بْنِ السُّرِّيِّ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَذَكَرَهُ وَزَادَ : " فَتَعَلَّمْتُهَا فِي سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا " وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ فِي : " مُسْنَدَيْهِمَا " وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي : " كِتَابِ الْمَصَاحِفِ " مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِهِ وَعِنْدَهُ : " إِنِّي أَكْتُبُ إِلَى قَوْمٍ فَأَخَافُ أَنْ يَزِيدُوا عَلَيَّ وَيَنْقُصُوا فَتَعَلَّمِ السُّرْيَانِيَّةَ " فَذَكَرَهُ ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا ابْنُ سَعْدٍ ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي الزِّنَادِ تَفَرَّدَ بِهِ ، نَعَمْ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ خَارِجَةَ إِلَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَهُوَ تَفَرُّدٌ نِسْبِيٌّ ، وَقِصَّةُ ثَابِتٍ يُمْكِنُ أَنْ تَتَّحِدَ مَعَ قِصَّةِ خَارِجَةَ " بِأَنَّ مِنْ لَازِمِ تَعَلُّمِ كِتَابَةِ الْيَهُودِيَّةِ تَعَلُّمَ لِسَانِهِمْ ، وَلِسَانُهُمُ السُّرْيَانِيَّةُ . لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ لِسَانَهُمُ الْعِبْرَانِيَّةُ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ زَيْدًا تَعَلَّمَ اللِّسَانَيْنِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى ذَلِكَ " وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي أَنَّ الَّذِي يَجْزِمُ بِهِ الْبُخَارِيُّ يَكُونُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ ، وَقَدْ جَزَمَ بِهَذَا مَعَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي الزِّنَادِ قَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ : " لَيْسَ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، لَيْسَ بِشَيْءٍ " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ " ضَعِيفٌ " وَعَنْهُ " هُوَ دُونَ الدَّرَاوَرْدِيِّ " وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَبَّةَ : صَدُوقٌ وَفِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ " سَمِعْتُ عَلِيَّ ابْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ : " حَدِيثُهُ بِالْمَدِينَةِ مُقَارِبٌ وَبِالْعِرَاقِ مُضْطَرِبٌ " وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِيهِ : " مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ " وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : [13/199] نَحْوَ قَوْلِ عَلِيٍّ ، وَقَالَا : " كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ يَحُطُّ عَلَى حَدِيثِهِ " وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ ، وَالنَّسَائِيُّ : " لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ " وَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ كَالْعِجْلِيِّ ، وَالتِّرْمِذِيِّ فَيَكُونُ غَايَةُ أَمْرِهِ أَنَّهُ : " مُخْتَلَفٌ فِيهِ " فَلَا يَتَّجِهُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا ، وَكُنْتُ سَأَلْتُ شَيْخَيَّ الْإِمَامَيْنِ الْعِرَاقِيَّ ، وَالْبُلْقِينِيَّ عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ فَكَتَبَ لِي كُلٌّ مِنْهُمَا بِأَنَّهُمَا : " لَا يَعْرِفَانِ لَهُ مُتَابِعًا " وَعَوَّلَا جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ : " ثِقَةٌ " فَاعْتَمَدَهُ وَزَادَ شَيْخُنَا الْعِرَاقِيُّ أَنَّ صِحَّةَ مَا يَجْزِمُ بِهِ الْبُخَارِيُّ لَا يَتَوَقَّفُ أَنْ يَكُونَ عَلَى شَرْطِهِ وَهُوَ تَنْقِيبٌ جَيِّدٌ ، ثُمَّ ظَفِرْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمُتَابِعِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فَانْتَفَى الِاعْتِرَاضُ مِنْ أَصْلِهِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
قَوْلُهُ : وَقَالَ عُمَرُ ) أَيِ ابْنُ الْخَطَّابِ ( وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ ) أَيِ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ ( وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ) أَيِ ابْنُ عَوْفٍ ( وَعُثْمَانُ ) أَيِ ابْنُ عَفَّانَ ( مَاذَا تَقُولُ هَذِهِ ) أَيِ الْمَرْأَةُ الَّتِي وُجِدَتْ حُبْلَى ( قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ فَقُلْتُ : تُخْبِرُكَ بِصَاحِبِهَا الَّذِي صَنَعَ بِهَا ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ .
قَوْلُهُ : وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي " الْعِلْمِ " مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ فَذَكَرَهُ وَبَعْدَهُ فَقَالَ : " إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّتِهِمْ ، وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِزِيَادَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ : " وَبَيْنَ النَّاسِ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَسَأَلَتْهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ فَنَهَى عَنْهُ ، وَقَالَ : إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ " الْحَدِيثَ .
قَوْلُهُ : وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَا بُدَّ لِلْحَاكِمِ مِنْ مُتَرْجِمِينَ ) نَقَلَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ أَنَّهَا رُوِيَتْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَبِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ : بِأَنَّ الْأَلْسِنَةَ قَدْ تَكْثُرُ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَكْثِيرِ الْمُتَرْجِمِينَ . قُلْتُ : وَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَالْمُرَادُ " بِبَعْضِ النَّاسِ " مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَإِنَّهُ الَّذِي " اشْتَرَطَ أَنْ لَا بُدَّ فِي التَّرْجَمَةِ مِنَ اثْنَيْنِ وَنَزَّلَهَا مَنْزِلَةَ الشَّهَادَةِ وَخَالَفَ أَصْحَابُهُ الْكُوفِيِّينَ " وَوَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ مُغَلْطَايْ فَقَالَ : فِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْبُخَارِيَّ إِذَا قَالَ : قَالَ بَعْضُ النَّاسِ يُرِيدُ الْحَنَفِيَّةَ ، وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ : يُحْمَلُ عَلَى الْأَغْلَبِ أَوْ أَرَادَ هُنَا بَعْضَ الْحَنَفِيَّةِ ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا قَائِلٌ بِذَلِكَ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنْ يُوَافِقَهُ الشَّافِعِيُّ كَمَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يُوَافِقَ الْحَنَفِيَّةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ .
ثُمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ بِهَذَا السَّنَدِ مُطَوَّلًا وَالْغَرَضَ مِنْهُ . قَوْلُهُ : " ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ " إِلَخْ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَمْ يُدْخِلِ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ هِرَقْلَ حُجَّةً عَلَى جَوَازِ التَّرْجُمَانِ الْمُشْتَرَكِ ، لِأَنَّ تَرْجُمَانَ هِرَقْلَ كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَهُ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ التَّرْجُمَانَ كَانَ يَجْرِي عِنْدَ الْأُمَمِ مَجْرَى الْخَبَرِ لَا مَجْرَى الشَّهَادَةِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ قِصَّةِ هِرَقْلَ مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا صَوَابٌ مِنْ رَأْيِهِ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا أَوْرَدَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ صَوَابٌ مُوَافِقٌ لِلْحَقِّ ، فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ تَصْوِيبُ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ لِهَذَا وَأَمْثَالِهِ مِنْ رَأْيِهِ وَحُسْنِ تَفَطُّنِهِ وَمُنَاسَبَةِ اسْتِدْلَالِهِ وَإِنْ كَانَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةُ ، انْتَهَى . وَتَكْمِلَةُ هَذَا أَنْ يُقَالَ : " يُؤْخَذُ مِنْ صِحَّةِ اسْتِدْلَالِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ أَنَّهُ كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ " فَتُحْمَلُ تَصَرُّفَاتُهُ عَلَى وَفْقِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي كَانَ مُتَمَسِّكًا بِهَا ، كَمَا سَأَذْكُرُهُ مِنْ عِنْدِ الْكِرْمَانِيِّ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُسْتَنَدَ الْبُخَارِيِّ تَقْرِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ عَلَى ذَلِكَ ; وَمِنْ ثَمَّ احْتَجَّ بِاكْتِفَائِهِ بِتَرْجَمَةِ أَبِي جَمْرَةَ لَهُ ، فَالْأَثَرَانِ رَاجِعَانِ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَحَدُهُمَا مِنْ تَصَرُّفِهِ وَالْآخَرُ مِنْ تَقْرِيرِهِ ، وَإِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ فِعْلُ عُمَرَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُ قَوِيَتِ الْحُجَّةُ ; وَلَمَّا نَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ كَلَامَ [13/200] ابْنِ بَطَّالٍ تَعَقَّبَهُ بِأَنْ قَالَ : " أَقُولُ وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ أَنَّهُ كَانَ يَعْنِي هِرَقْلَ نَصْرَانِيًّا ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا حُجَّةٌ لَنَا مَا لَمْ يُنْسَخْ " قَالَ : وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ أَسْلَمَ ، فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ . قُلْتُ : بَلْ هُوَ أَشَدُّ إِشْكَالًا ؛ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي فِعْلِهِ عِنْدَ أَحَدٍ إِذْ لَيْسَ صَحَابِيًّا ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَالْمُعْتَمَدُ مَا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : " أَجَازَ الْأَكْثَرُ تَرْجَمَةَ وَاحِدٍ " وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا بُدَّ مِنْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ " وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : " هُوَ كَالْبَيِّنَةِ " وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ قَالَ : وَحُجَّةُ الْأَوَّلِ تَرْجَمَةُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَحْدَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي جَمْرَةَ ، لِابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَّ التَّرْجُمَانَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَقُولَ : أَشْهَدُ بَلْ يَكْفِيهِ مُجَرَّدُ الْإِخْبَارِ وَهُوَ تَفْسِيرُ مَا يَسْمَعُهُ مِنَ الَّذِي يُتَرْجِمُ عَنْهُ ، وَنَقَلَ الْكَرَابِيسِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ : " الِاكْتِفَاءُ بِتَرْجُمَانٍ وَاحِدٍ " وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : " الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ " وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : " اثْنَيْنِ " وَعَنْ زُفَرَ : " لَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنَ اثْنَيْنِ "
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْحَقُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُحَرِّرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إِذْ لَا نِزَاعَ لِأَحَدٍ " أَنَّهُ يَكْفِي تَرْجُمَانٌ وَاحِدٌ عِنْدَ الْإِخْبَارِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ " فَيَرْجِعُ الْخِلَافُ إِلَى أَنَّهَا إِخْبَارٌ أَوْ شَهَادَةٌ ، فَلَوْ سَلَّمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا إِخْبَارٌ لَمْ يُشْتَرَطِ الْعَدَدُ ; وَلَوْ سَلَّمَ الْحَنَفِيُّ أَنَّهَا شَهَادَةٌ لَقَالَ بِالْعَدَدِ ، وَالصُّوَرُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ كُلُّهَا إِخْبَارَاتٌ ، أَمَّا الْمَكْتُوبَاتُ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا قِصَّةُ الْمَرْأَةِ وَقَوْلُ أَبِي جَمْرَةَ فَأَظْهَرُ فَلَا مَحَلَّ لِأَنْ يُقَالَ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِرَاضِ ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : بَلْ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ أَوْجَهُ فَإِنَّهُ نَصَبَ الْأَدِلَّةَ فِي غَيْرِ مَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ وَهُوَ تَرْجَمَةُ الْحَاكِمِ إِذْ لَا حُكْمَ فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ ، انْتَهَى . وَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يُقَالَ فِي حَقِّهِ إِنَّهُ مَا حُرِّرَ فَإِنَّ أَصْلَ مَا احْتَجَّ بِهِ " اكْتِفَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَرْجَمَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَاكْتِفَائِهِ بِهِ وَحْدَهُ " وَإِذَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي قِرَاءَةِ الْكُتُبِ الَّتِي تَرِدُ ، وَفِي كِتَابَةِ مَا يُرْسِلُهُ إِلَى مَنْ يُكَاتِبُهُ ، الْتَحَقَ بِهِ اعْتِمَادُهُ عَلَيْهِ فِيمَا يُتَرْجِمُ لَهُ عَمَّنْ حَضَرَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ اللِّسَانِ ، فَإِذَا اكْتَفَى بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ وَأَكْثَرُ تِلْكَ الْأُمُورِ يَشْتَمِلُ عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَقَدْ يَقَعُ فِيمَا طَرِيقُهُ مِنْهَا الْإِخْبَارُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فَكَيْفَ لَا تَتَّجِهُ الْحُجَّةُ بِهِ لِلْبُخَارِيِّ وَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّهُ مَا حَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْأَحْكَامِ : " ذَكَرَ اتِّخَاذَ مُتَرْجِمٍ وَالِاكْتِفَاءَ بِوَاحِدٍ " وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَمَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عُمَرَ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ قَالَ : احْتَجَّ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى مُتَرْجِمٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ . وَأَمَّا قِصَّةُ الْمَرْأَةِ مَعَ عُمَرَ ، فَظَاهِرُ السِّيَاقِ " أَنَّهَا كَانَتْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ " لِأَنَّهُ دَرَأَ الْحَدَّ عَنِ الْمَرْأَةِ لِجَهْلِهَا بِتَحْرِيمِ الزِّنَا بَعْدَ أَنِ ادَّعَى عَلَيْهَا ، وَكَادَ يُقِيمُ عَلَيْهَا الْحَدَّ " وَاكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ يُتَرْجِمُ لَهُ عَنْ لِسَانِهَا " وَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي جَمْرَةَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقِصَّةُ هِرَقْلَ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا فِي مَقَامِ الْإِخْبَارِ الْمَحْضِ فَلَعَلَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَهُمَا اسْتِظْهَارًا وَتَأْكِيدًا ، وَأَمَّا دَعْوَاهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَوْ سَلَّمَ أَنَّهَا إِخْبَارٌ لَمَا اشْتَرَطَ الْعَدَدَ إِلَخْ فَصَحِيحٌ ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ نَصْبِ الْخِلَافِ مَعَ مَنْ يَشْتَرِطُ الْعَدَدَ ، وَأَقَلُّ مَا فِيهِ " إِنَّهُ إِطْلَاقٌ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ " فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ الْبُخَارِيُّ " بِتَقْيِيدِهِ بِالْحَاكِمِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ الْحَاكِمِ يَكْتَفِي بِالْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ مَحْضٌ وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا يَقَعُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَإِنَّ غَالِبَهُ يَئُولُ إِلَى الْحُكْمِ ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ : " إِنَّ تَصَرُّفَ الْحَاكِمِ بِمُجَرَّدِهِ حُكْمٌ " وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الْقِيَاسُ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الْعَدَدِ فِي الْأَحْكَامِ ، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَابَ عَنِ الْحَاكِمِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا الْبَيِّنَةُ الْكَامِلَةُ " وَالْوَاحِدُ لَيْسَ بَيِّنَةً كَامِلَةً حَتَّى يُضَمَّ إِلَيْهِ كَمَالُ النِّصَابِ ، غَيْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا صَحَّ سَقَطَ النَّظَرُ وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَحْدَهُ حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا انْتَهَى . وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ أَنْ لَيْسَ غَيْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحُكَّامِ فِي ذَلِكَ مِثْلَهُ لِإِمْكَانِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا غَابَ عَنْهُ بِالْوَحْيِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَكْثَرِ مِنْ وَاحِدٍ ، فَمَهْمَا كَانَ طَرِيقَهُ الْإِخْبَارُ يَكْتَفِي فِيهِ بِالْوَاحِدِ ، وَمَهْمَا كَانَ طَرِيقَهُ الشَّهَادَةُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ اسْتِيفَاءِ النِّصَابِ ، وَقَدْ نَقَلَ الْكَرَابِيسِيُّ [13/201] " أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَالْمُلُوكَ بَعْدَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَّا تَرْجُمَانٌ وَاحِدٌ " وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ التِّينِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ " لَا يُتَرْجِمُ إِلَّا حُرٌّ عَدْلٌ " وَإِذَا أَقَرَّ الْمُتَرْجِمُ بِشَيْءٍ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهُ شَاهِدَانِ وَيَرْفَعَانِ ذَلِكَ إِلَى الْحَاكِمِ .