7 - بَاب قَوْلِ الرَّجُلِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا
7236 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ شُعْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ يَقُولُ : لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ، وَلَا تَصَدَّقْنَا ، وَلَا صَلَّيْنَا ، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا إِنَّ الْأُلَى وَرُبَّمَا قَالَ : الْمَلَا قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا أَبَيْنَا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ .


قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ : " قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .
قَوْلُهُ : ( لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ) إِشَارَةٌ إِلَى رِوَايةٍ مُخْتَصَرَةٍ أَوْرَدَهَا فِي " بَابِ حَفْرِ الْخَنْدَقِ " فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ وَيَقُولُ : لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ، وَأَوْرَدَهُ فِي " غَزْوَةِ [13/236] الْخَنْدَقِ " مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ أَتَمَّ سِيَاقًا وَقَوْلُهُ : هُنَا
لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
وَفِي بَعْضِهَا : " لَوْلَا اللَّهُ " هَكَذَا وَقَعَ بِحَذْفِ بَعْضِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ وَيُسَمَّى " الْخَرْمَ " بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ السَّاكِنَةِ ، وَتَقَدَّمَ فِي " غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ " مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ :
وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا
وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ :
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
، وَفِي أَوَّلِ هَذَا الْجُزْءِ زِيَادَةُ سَبَبٍ خَفِيفٍ وَهُوَ " الْخَزْمُ " بِالزَّايِ ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا فِي " كِتَابِ الْأَدَبِ " وَالرِّوَايَةُ الْوُسْطَى سَالِمَةٌ مِنَ الْخَرْمِ وَالْخَزْمِ مَعًا . وَقَوْلُهُ هُنَا : " إِنَّ الْأُلَى " وَرُبَّمَا قَالَ :
إِنَّ الْمَلَأَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ
إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
، وَلَمْ يَتَرَدَّدْ وَ" الْأُلَى " بِهَمْزَةٍ مَضْمُومًا غَيْرِ مَمْدُودَةٍ . وَاللَّامُ بَعْدَهَا مَفْتُوحَةٌ وَهِيَ بِمَعْنَى " الَّذِينَ " وَإِنَّمَا يَتَّزِنُ بِلَفْظِ الَّذِينَ فَكَأَنَّ أَحَدَ الرُّوَاةِ ذَكَرَهَا بِالْمَعْنَى ، وَمَضَى فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِلَفْظِ : إِنَّ الْعِدَا " وَهُوَ غَيْرُ مَوْزُونٍ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ الْأَعَادِي " لَا تُزَنْ ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ :
وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
، وَهَذَا مَوْزُونٌ ، ذَكَرَهُ فِي رَجَزِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي " غَزَوْهِ خَيْبَرَ " .
قَوْلُهُ : قَبْلَ ذَلِكَ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَارَى التُّرَابُ ) بِسُكُونِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بِلَفْظِ : الْفِعْلِ الْمَاضِي مِنَ الْمُوَارَاةِ ، أَيْ " غَطَّى " وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيَّ فَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ : " وَإِنَّ التُّرَابَ لَمُوَارٍ " .
قَوْلُهُ : ( بَيَاضَ بَطْنِهِ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيَّ فَقَالَ : " بَيَاضَ إِبْطَيْهِ " تَثْنِيَةُ الْإِبْطِ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَغَازِي حَتَّى " اغْبَرَّ بَطْنُهُ " وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ ، حَتَّى وَارَى عَنِّي التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ الشَّاعِرَ الْأَنْصَارِيَّ الصَّحَابِيَّ الْمَشْهُورَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَنَّهُ مِنْ شِعْرِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ ، وَذَكَرْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا هُنَاكَ ، وَمَا فِي الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ زِحَافٍ وَتَوْجِيهَهُ . وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الشِّعْرِ إِنْشَادًا وَإِنْشَاءً فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَقِّ مَنْ دُونَهُ فِي أَوَاخِرِ " كِتَابِ الْأَدَبِ " بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَوْلَا " عِنْدَ الْعَرَبِ يَمْتَنِعُ بِهَا الشَّيْءُ لِوُجُودِ غَيْرِهِ تَقُولُ : " لَوْلَا زَيْدٌ مَا صِرْتُ إِلَيْكَ " أَيْ كَانَ مَصِيرِي إِلَيْكَ مِنْ أَجْلِ زَيْدٍ وَكَذَلِكَ " لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا " أَيْ كَانَتْ هِدَايَتُنَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : لِوُقُوعِ غَيْرِهِ ، وَيَلْزَمُ خَبَرَهُ الْحَذْفُ وَيُسْتَغْنَى بِجَوَابِهِ عَنِ الْخَبَرِ " قَالَ " وَتَجِيءُ بِمَعْنَى " هَلَّا " نَحْوَ " لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا " وَمِثْلُهُ : " لَوْمَا " بِالْمِيمِ بَدَلَ اللَّامِ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : " لَوْلَا " تَجِيءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا : أَنْ تَدْخُلَ عَلَى جُمْلَةٍ لِتَرْبِطَ امْتِنَاعَ الثَّانِيَةِ بِوُجُودِ الْأُولَى نَحْوُ " لَوْلَا زَيْدٌ لَأَكْرَمْتُكَ " أَيْ لَوْلَا وُجُودُهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ : " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ " فَالتَّقْدِيرُ : " لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ أَشُقَّ " لَأَمَرْتُ أَمْرَ إِيجَابٍ وَإِلَّا لَانْعَكَسَ مَعْنَاهَا ، إِذِ الْمُمْتَنِعُ الْمَشَقَّةُ ، وَالْمَوْجُودُ الْأَمْرُ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهَا تَجِيءُ " لِلْحَضِّ " وَهُوَ طَلَبٌ بِحَثٍّ وَإِزْعَاجٍ وَ" لِلْعَرْضِ " وَهُوَ طَلَبٌ بِلِينٍ وَأَدَبٍ ، فَتَخْتَصُّ بِالْمُضَارِعِ نَحْوُ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّهَا تَجِيءُ " لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّنَدُّمِ " فَتَخْتَصُّ بِالْمَاضِي نَحْوُ لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ أَيْ : " هَلَّا " انْتَهَى .
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنَ أَنَّهَا تَجِيءُ بِمَعْنَى " لِمَ لَا " وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى : فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ ، وَمَوْقِعُ الْحَدِيثِ مِنَ التَّرْجَمَةِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ إِذَا عَلَّقَ بِهَا الْقَوْلَ الْحَقَّ ، لَا يَمْنَعُ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلَّقَ بِهَا مَا لَيْسَ بِحَقٍّ ، كَمَنْ يَفْعَلُ شَيْئًا فَيَقَعُ فِي مَحْذُورٍ فَيَقُولُ : لَوْلَا فَعَلْتُ كَذَا مَا كَانَ كَذَا ، فَلَوْ حَقَّقَ لَعَلِمَ أَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ ، سَوَاءٌ فَعَلَ أَمْ تَرَكَ فَقَوْلُهَا وَاعْتِقَادُ مَعْنَاهَا يُفْضِي إِلَى التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ .