42 - بَاب إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِالْعَشَاءِ
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : مِنْ فِقْهِ الْمَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ
671 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ هِشَامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ .


[2/187] قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : حُذِفَ جَوَابُ الشَّرْطِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشْعَارًا بِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالْحُكْمِ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ . انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْأَثَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى مَنْزَعِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ حَمَلَهُ عَلَى إِطْلَاقِهِ ، وَأَشَارَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَى تَقْيِيدِهِ بِمَا إِذَا كَانَ الْقَلْبُ مَشْغُولًا بِالْأَكْلِ ، وَأَثَرُ ابْنِ عُمَرَ مَذْكُورٌ فِي الْبَابِ بِمَعْنَاهُ ، وَأَثَرُ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَصَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي " كِتَابِ الزُّهْدِ " وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي " كِتَابِ تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ " مِنْ طَرِيقِهِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَيْضًا لَكِنَّ لَفْظَهُ " إِذَا حَضَرَ " وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ " إِذَا حَضَرَ " وَقَالَ بَعْدَهُ " قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَوُهَيْبٌ ، عَنْ هُشَيْمٍ إِذَا وَضَعَ " انْتَهَى . وَرِوَايَةُ وُهَيْبٍ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، وَحَفْصٍ ، وَوَكِيعٍ بِلَفْظِ " إِذَا حَضَرَ " وَوَافَقَ كُلًّا جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ هِشَامٍ ، لَكِنَّ الَّذِينَ رَوَوْهُ بِلَفْظِ " إِذَا وَضَعَ " كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَكْثَرُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أَنَّ الْحُضُورَ أَعَمُّ مِنَ الْوَضْعِ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ " حَضَرَ " أَيْ بَيْنَ يَدَيْهِ لِتَأْتَلِفَ الرِّوَايَاتُ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ الْآتِي بَعْدَهُ بِلَفْظِ " إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ " وَلِمُسْلِمٍ " إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ " وَعَلَى هَذَا فَلَا يُنَاطُ الْحُكْمُ بِمَا إِذَا حَضَرَ الْعِشَاءُ لَكِنَّهُ لَمْ يُقَرَّبْ لِلْأَكْلِ كَمَا لَوْ لَمْ يُقَرَّبْ .
قَوْلُهُ : ( وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي " الصَّلَاةِ " لَا يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ وَلَا عَلَى تَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْمَغْرِبِ ، لِقَوْلِهِ " فَابْدَؤوا بِالْعَشَاءِ " وَيَتَرَجَّحُ [2/188] حَمْلُهُ عَلَى الْمَغْرِبِ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : فَابْدَؤوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا الْمَغْرِبَ . وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ : إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ . انْتَهَى . وَسَنَذْكُرُ مَنْ أَخْرَجَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّانِي . وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ نَظَرًا إِلَى الْعِلَّةِ وَهِيَ التَّشْوِيشُ الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْخُشُوعِ ، وَذِكْرُ الْمَغْرِبِ لَا يَقْتَضِي حَصْرًا فِيهَا لِأَنَّ الْجَائِعَ غَيْرُ الصَّائِمِ قَدْ يَكُونُ أَشْوَقَ إِلَى الْأَكْلِ مِنَ الصَّائِمِ . انْتَهَى . وَحَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى إِلْحَاقًا لِلْجَائِعِ بِالصَّائِمِ وَلِلْغَدَاءِ بِالْعَشَاءِ لَا بِالنَّظَرِ إِلَى اللَّفْظِ الْوَارِدِ .
قَوْلُهُ : ( فَابْدَؤوا بِالْعَشَاءِ ) حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا : فَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِمَنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الْأَكْلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَزَادَ الْغَزَالِيُّ مَا إِذَا خَشِيَ فَسَادَ الْمَأْكُولِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي ، وَأَفْرَطَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ : تَبْطُلُ الصَّلَاةُ .
وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَارَ الْبُدَاءَةَ بِالصَّلَاةِ إِلَّا إِنْ كَانَ الطَّعَامُ خَفِيفًا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ تَفْصِيلٌ
قَالُوا : يُبْدَأُ بِالصَّلَاةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقَ النَّفْسِ بِالْأَكْلِ ، أَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَكِنْ لَا يُعَجِّلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ ، فَإِنْ كَانَ يُعَجِّلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ بَدَأَ بِالطَّعَامِ وَاسْتُحِبَّتْ لَهُ الْإِعَادَةُ .