16 - بَاب مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَضَّ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْحَرَمَانِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ ، وَمَا كَانَ بِهما مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ .
7322 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيِّ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ ، فَجَاءَ الْأَعْرَابِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَاءَهُ ، فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ : أَقِلْنِي بَيْعَتِي ، فَأَبَى ، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا .


[13/316] [13/317] [13/318] قَوْلُهُ : بَابُ مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَضَّ ) بِمُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ ثَقِيلَةٍ ، أَيْ حَرَّضَ بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، وَقَوْلُهُ " عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ " قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " وَمَا حَضَّ عَلَيْهِ مِنِ اتِّفَاقٍ " وَهُوَ مِنْ بَابِ تَنَازُعِ الْعَامِلَيْنِ وَهُمَا ذَكَرَ وَحَضَّ .
قَوْلُهُ ( وَمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْحَرَمَانِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ ، وَمَا كَانَ بِهِمَا مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ " وَمَا أَجْمَعَ " بِهَمْزَةِ قَطْعٍ بِغَيْرِ تَاءٍ ، وَعِنْدَهُ " وَمَا كَانَ بِهَا " بِالْإِفْرَادِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْإِجْمَاعُ هُوَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ - أَيِ الْمُجْتَهِدِينَ - مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ . وَاتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْحَرَمَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمْ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ ، قَالَ : وَعِبَارَةُ الْبُخَارِيِّ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ كِلَيْهِمَا إِجْمَاعٌ . قُلْتُ : لَعَلَّهُ أَرَادَ التَّرْجِيحَ بِهِ لَا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ ، وَإِذَا قَالَ بِحُجِّيَّةِ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَحْدَهَا - مَالِكٌ وَمَنْ تَبِعَهُ فَهُمْ قَائِلُونَ بِهِ إِذَا وَافَقَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنْ سَحْنُونٍ اعْتِبَارَ إِجْمَاعِ أَهْلِ مَكَّةَ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، قَالَ : حَتَّى لَوِ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ وَخَالَفَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي شَيْءٍ لَمْ يُعَدَّ إِجْمَاعًا ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ نُدْرَةَ الْمُخَالِفِ تُؤَثِّرُ فِي ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ .
قَوْلُهُ : وَمُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ ) هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَجْرُورَةٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ " مَشَاهِدِ " . ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ حَدِيثًا .
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ جَابِرٍ . قَوْلُهُ : إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ .
قَوْلُهُ : السَّلَمِيِّ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ .
قَوْلُهُ ( أَنَّ أَعْرَابِيًّا ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي اسْمِهِ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ اسْتَقَالَ مِنْهُ ، وَضَبْطُ يَنْصَعُ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ " كَالْكِيرِ " مَعَ سَائِرِ شَرْحِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : عَنِ الْمُهَلَّبِ فِيهِ تَفْضِيلُ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِهَا بِمَا خَصَّهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ ، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلَ بِحُجِّيَّةِ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَتُعُقِّبَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَى فَضْلِ الْمَدِينَةِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ عَامًّا لَهَا فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ ، بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِزَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ مِنْهَا رَغْبَةً عَنِ الْإِقَامَةِ مَعَهُ إِلَّا مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ نَحْوَهُ ، وَأَيَّدَهُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْفِضَّةِ " قَالَ : وَالنَّارُ إِنَّمَا تُخْرِجُ الْخَبَثَ وَالرَّدِيءَ ، وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ ، وَقَطَنُوا غَيْرَهَا وَمَاتُوا خَارِجًا عَنْهَا ، كَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَعَلِيٍّ أَوْ أَبِي ذَرٍّ ، وَعَمَّارٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ ، وَمُعَاذٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِزَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ ، ثُمَّ يَقَعُ تَمَامُ إِخْرَاجِ الرَّدِيءِ مِنْهَا فِي زَمَنِ مُحَاصَرَةِ الدَّجَّالِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي آخَرِ " كِتَابِ الْفِتَنِ " وَفِيهِ : فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ ، فَذَلِكَ يَوْمُ الْخَلَاصِ .