7375 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، عَنْ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ ، أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَكَانَتْ فِي حَجْرِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ ، فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : سَلُوهُ : لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ ؟ فَسَأَلُوهُ ، فَقَالَ : لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ .


الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : حَدِيثُ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِسُورَةِ الْإِخْلَاصِ أَيْضًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُعَلَّقًا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَأَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ ، وَوَقَعَ فِي الْأَطْرَافِ لِلْمِزِّيِّ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : " حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ " . قُلْتُ : وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ تَبَعًا لِخَلَفٍ فِي الْأَطْرَافِ ، قَالَ خَلَفٌ : وَمُحَمَّدُ هَذَا أَحْسَبُهُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الذُّهْلِيَّ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بَعْدَ أَنْ سَاقَ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ : ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ " عَنْ مُحَمَّدٍ " بِلَا خَبَرٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ ، فَكَأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِلَفْظِ : " قَالَ مُحَمَّدٌ " ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ ، فَمُحَمَّدٌ هُوَ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ ، وَالْقَائِلُ " قَالَ مُحَمَّدٌ " هُوَ مُحَمَّدُ الْفَرَبْرِيُّ ، وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ هَذَا احْتِمَالًا . قُلْتُ : وَيَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إِلَى إِبْدَاءِ النُّكْتَةِ فِي إِفْصَاحِ الْفَرَبْرِيِّ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَاضِيَةِ وَالْآتِيَةِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرٌو ) هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْمِصْرِيُّ وَ " ابْنُ أَبِي هِلَالٍ " هُوَ سَعِيدٌ وَسَمَّاهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ .
قَوْلُهُ : ( بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ " كِتَابِ الصَّلَاةِ " بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي تَسْمِيَتِهِ ، وَهَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ مُغَايَرَةٌ أَوْ هُمَا وَاحِدٌ وَبَيَانُ مَا يَتَرَجَّحُ مِنْ ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِغَيْرِهَا ثُمَّ يَقْرَأهَا فِي كُلِّ [13/369] رَكْعَةٍ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَخْتِمُ بِهَا آخِرَ قِرَاءَتِهِ فَيَخْتَصُّ بِالرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ ، انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مِنْ " كِتَابِ الصَّلَاةِ " بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ .
قَوْلُهُ : ( لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : إِنَّمَا قَالَ : إِنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ ، وَأَسْمَاؤُهُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابِيُّ الْمَذْكُورُ قَالَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا لِشَيْءٍ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَّا بِطَرِيقِ النُّصُوصِيَّةِ وَإِمَّا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ " بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : صِفْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي تَعْبُدُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إِلَى آخِرِهَا ، فَقَالَ : هَذِهِ صِفَةُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ " ، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : " قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ ، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ " الْحَدِيثَ ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي " كِتَابِ التَّوْحِيدِ " وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ " وَفِيهِ : " أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إِلَّا يَمُوتُ ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمُوتُ إِلَّا يُورَثُ ، وَاللَّهُ لَا يَمُوتُ وَلَا يُورَثُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَبَهٌ وَلَا عِدْلٌ ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " لَيْسَ كَهُوَ شَيْءٌ ؛ قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ قَالَ : وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ يُرِيدُ بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : وَالْكَافُ فِي قَوْلِهِ : " كَمِثْلِهِ " لِلتَّأْكِيدِ ، فَنَفَى اللَّهُ عَنْهُ الْمِثْلِيَّةَ بِآكَدِ مَا يَكُونُ مِنَ النَّفْيِ ، وَأَنْشَدَ لِوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فِي زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ مِنْ أَبْيَاتٍ : " وَدِينُكَ دِينٌ لَيْسَ دِينٌ كَمِثْلِهِ " ثُمَّ أَسْنَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى يَقُولُ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَفِي قَوْلِهِ : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا هَلْ تَعْلَمُ لَهُ شَبَهًا أَوْ مِثْلًا ؟ وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَثْبَتَ أَنَّ لِلَّهِ صِفَةً ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ : هَذِهِ لَفْظَةٌ اصْطَلَحَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْكَلَامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ ، وَلَمْ تَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَإِنِ اعْتَرَضُوا بِحَدِيثِ الْبَابِ فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ وَفِيهِ ضَعْفٌ ، قَالَ : وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ ، فَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ صِفَةُ الرَّحْمَنِ كَمَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الصِّفَةِ الَّتِي يُطْلِقُونَهَا ؛ فَإِنَّهَا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَا تُطْلَقُ إِلَّا عَلَى جَوْهَرٍ أَوْ عَرَضٍ كَذَا قَالَ ، وَسَعِيدٌ مُتَّفَقٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ فِي تَضْعِيفِهِ ، وَكَلَامُهُ الْأَخِيرُ مَرْدُودٌ بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى إِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مِنْهَا عِدَّةَ أَسْمَاءٍ فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ : لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالْأَسْمَاءُ الْمَذْكُورَةُ فِيهَا بِلُغَةِ الْعَرَبِ صِفَاتٌ ، فَفِي إِثْبَاتِ أَسْمَائِهِ إِثْبَاتُ صِفَاتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ حَيٌّ مَثَلًا فَقَدْ وُصِفَ بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ وَهِيَ صِفَةُ الْحَيَاةِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يُنْبِئُ عَنْ وُجُودِ الذَّاتِ فَقَطْ ، وَقَدْ قَالَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَمَّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنْ صِفَةِ النَّقْصِ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ وَصْفَهُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ مَشْرُوعٌ ، وَقَدْ قَسَّمَ الْبَيْهَقِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ وَفِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا صِفَاتُ ذَاتِهِ : وَهِيَ مَا اسْتَحَقَّهُ فِيمَا لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ ، وَالثَّانِي صِفَاتُ فِعْلِهِ : وَهِيَ مَا اسْتَحَقَّهُ فِيمَا لَا يَزَالُ دُونَ الْأَزَلِ ، قَالَ : وَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ إِلَّا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الثَّابِتَةُ أَوْ أُجْمِعَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ مِنْهُ مَا اقْتَرَنَتْ بِهِ دَلَالَةُ الْعَقْلِ كَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، وَكَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْعَفْوِ وَالْعُقُوبَةِ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ ، وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالْعَيْنِ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، وَكَالِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَالْمَجِيءِ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ ، فَيَجُوزُ إِثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهُ ؛ لِثُبُوتِ الْخَبَرِ بِهَا عَلَى وَجْهٍ يَنْفِي [13/370] عَنْهُ التَّشْبِيهَ ، فَصِفَةُ ذَاتِهِ لَمْ تَزَلْ مَوْجُودَةً بِذَاتِهِ وَلَا تَزَالُ ، وَصِفَةُ فِعْلِهِ ثَابِتَةٌ عَنْهُ وَلَا يَحْتَاجُ فِي الْفِعْلِ إِلَى مُبَاشَرَةٍ ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
‌وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي " الْمُفْهِمِ " : اشْتَمَلَتْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عَلَى اسْمَيْنِ يَتَضَمَّنَانِ جَمِيعَ أَوْصَافِ الْكَمَالِ : وَهُمَا الْأَحَدُ وَالصَّمَدُ ؛ فَإِنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَحَدِيَّةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَ وَالْأَحَدَ ، وَإِنْ رَجَعَا إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ ، فَقَدِ افْتَرَقَا اسْتِعْمَالًا وَعُرْفًا ، فَالْوَحْدَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى نَفْيِ التَّعَدُّدِ وَالْكَثْرَةِ ، وَالْوَاحِدُ أَصْلُ الْعَدَدِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ مَا عَدَاهُ ، وَالْأَحَدُ يَثْبُتُ مَدْلُولُهُ وَيَتَعَرَّضُ لِنَفْيِ مَا سِوَاهُ ، وَلِهَذَا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي النَّفْيِ وَيَسْتَعْمِلُونَ الْوَاحِدَ فِي الْإِثْبَاتِ ، يُقَالُ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا ، وَرَأَيْتُ وَاحِدًا ، فَالْأَحَدُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مُشْعِرٌ بِوُجُودِهِ الْخَاصِّ بِهِ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، وَأَمَّا الصَّمَدُ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ أَوْصَافِ الْكَمَالِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ ، بِحَيْثُ يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كُلِّهَا ، وَهُوَ لَا يَتِمُّ حَقِيقَةً إِلَّا لِلَّهِ .
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : قَوْلُهُ : " لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ فِيهَا ذِكْرَ صِفَةِ الرَّحْمَنِ ، كَمَا لَوْ ذُكِرَ وَصْفٌ فَعَبَّرَ عَنِ الذِّكْرِ بِأَنَّهُ الْوَصْفُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَفْسُ الْوَصْفِ ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرُ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِهَذِهِ السُّورَةِ ، لَكِنْ لَعَلَّ تَخْصِيصَهَا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا صِفَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، فَاخْتَصَّتْ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهَا .
قَوْلُهُ : ( أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ مَحَبَّتَهُ لِهَذِهِ السُّورَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ ؛ لِأَنَّ مَحَبَّتَهُ لِذِكْرِ صِفَاتِ الرَّبِّ دَالَّةٌ عَلَى صِحَّةِ اعْتِقَادِهِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ : مَحَبَّةُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ إِرَادَتُهُ ثَوَابَهُمْ وَتَنْعِيمَهُمْ ، وَقِيلَ : هِيَ نَفْسُ الْإِثَابَةِ وَالتَّنْعِيمِ ، وَمَحَبَّتُهُمْ لَهُ لَا يَبْعُدُ فِيهَا الْمَيْلُ مِنْهُمْ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَدَّسٌ عَنِ الْمَيْلِ ، وَقِيلَ : مَحَبَّتُهُمْ لَهُ اسْتِقَامَتُهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ ثَمَرَةُ الْمَحَبَّةِ ، وَحَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ لَهُ مَيْلُهُمْ إِلَيْهِ ؛ لِاسْتِحْقَاقِهِ سُبْحَانَهُ الْمَحَبَّةَ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهَا . انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِطْلَاقِ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَى مَحَبَّةِ الْمَخْلُوقِينَ لِلَّهِ إِرَادَتُهُمْ أَنْ يَنْفَعَهُمْ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي " الْمُفْهِمِ " : مَحَبَّةُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ تَقْرِيبُهُ لَهُ وَإِكْرَامُهُ ، وَلَيْسَتْ بِمَيْلٍ وَلَا غَرَضٍ كَمَا هِيَ مِنَ الْعَبْدِ ، وَلَيْسَتْ مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ نَفْسَ الْإِرَادَةِ بَلْ هِيَ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَيْهَا ؛ فَإِنَّ الْمَرْءَ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يُحِبُّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى اكْتِسَابِهِ وَلَا عَلَى تَحْصِيلِهِ ، وَالْإِرَادَةُ هِيَ الَّتِي تُخَصِّصُ الْفِعْلَ بِبَعْضِ وُجُوهِهِ الْجَائِزَةِ ، وَيُحِسُّ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يُحِبُّ الْمَوْصُوفِينَ بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَفْعَالِ الْحَسَنَةِ كَالْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَالْكُرَمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ لَهُ بِهِمْ إِرَادَةٌ مُخَصَّصَةٌ ، وَإِذَا صَحَّ الْفَرْقُ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَحْبُوبٌ لِمُحِبِّيهِ عَلَى حَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ مُحِبِّيهِ الْمُخْلِصِينَ .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْمَحَبَّةُ وَالْبُغْضُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ ، فَمَعْنَى مَحَبَّتِهِ إِكْرَامُ مَنْ أَحَبَّهُ وَمَعْنَى بُغْضِهِ إِهَانَتُهُ ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَقَوْلُهُ مِنْ كَلَامِهِ ، وَكَلَامُهُ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْإِرَادَةِ ، فَمَحَبَّتُهُ الْخِصَالَ الْمَحْمُودَةَ وَفَاعِلَهَا يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَتِهِ إِكْرَامَهُ ، وَبُغْضُهُ الْخِصَالَ الْمَذْمُومَةَ وَفَاعِلَهَا يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَتِهِ إِهَانَتَهُ .