|
689 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : قَوْلُهُ : إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ، هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَوْلُهُ : ( فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ) كَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ ، وَكَذَا لَهُمْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي " بَابِ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ " فَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْوَاوِ [2/211] وَرُجِّحَ إِثْبَاتُ الْوَاوِ بِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى زَائِدًا ؛ لِكَوْنِهَا عَاطِفَةً عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ : رَبَّنَا اسْتَجِبْ ، أَوْ : رَبَّنَا أَطَعْنَاكَ وَلَكَ الْحَمْدُ ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ مَعًا ، وَرَجَّحَ قَوْمٌ حَذْفَهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ فَتَكُونُ عَاطِفَةً عَلَى كَلَامٍ غَيْرِ تَامٍّ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا ، وَالْوَجْهَانِ جَائِزَانِ بِغَيْرِ تَرْجِيحٍ ، وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ الْكَلَامُ عَلَى زِيَادَةِ " اللَّهُمَّ " قَبْلَهَا ، وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ : " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " وَأَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ : " رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " ، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي تَرْكَ فِعْلِهِ ، نَعَمْ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقُولُ : " رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ " عَقِبَ قَوْلِ الْإِمَامِ : " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " فَأَمَّا مَنْعُ الْإِمَامِ مِنْ قَوْلِ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا سَيَأْتِي فِي " بَابِ مَا يَقُولُ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ الرُّكُوعِ " وَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : " أَخْبَرَنِي أَنَسٌ " . قَوْلُهُ : ( فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ " فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ " وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : اللَّامُ لِلْعَهْدِ ظَاهِرًا ، وَالْمُرَادُ الْفَرْضُ ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ لَهَا بِخِلَافِ النَّافِلَةِ . وَحَكَى عِيَاضٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا كَانَتْ نَفْلًا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَأَبِي دَاوُدَ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا فَرْضٌ كَمَا سَيَأْتِي ، لَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهَا ، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : " فَصَلَّى بِنَا يَوْمَئِذٍ " فَكَأَنَّهَا نَهَارِيَّةٌ ، الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ . قَوْلُهُ : ( فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا ) ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ هَذِهِ اخْتِصَارًا ، وَكَأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا آلَ إِلَيْهِ الْحَالُ بَعْدَ أَمْرِهِ لَهُمْ بالْجُلُوسِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " بَابِ الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ " مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ ، وَفِيهَا أَيْضًا اخْتِصَارٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قَوْلَهُ لَهُمُ : " اجْلِسُوا " ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمُ ابْتَدَؤُوا الصَّلَاةَ قِيَامًا ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ بِأَنْ يَقْعُدُوا فَقَعَدُوا ، فَنَقَلَ كُلٌّ مِنَ الزُّهْرِيِّ ، وَحُمَيْدٍ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ ، وَجَمَعَتْهُمَا عَائِشَةُ ، وَكَذَا جَمَعَهُمَا جَابِرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَجَمَعَ الْقُرْطُبِيُّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَعَدَ مِنْ أَوَّلِ الْحَالِ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ أَنَسٌ ، وَبَعْضُهُمْ قَامَ حَتَّى أَشَارَ إِلَيْهِ بِالْجُلُوسِ وَهَذَا الَّذِي حَكَتْهُ عَائِشَةُ . وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ قُعُودِ بَعْضِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّسْخَ بِالِاجْتِهَادِ ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْقَادِرِ فِي الْأَصْلِ الْقِيَامُ . وَجَمَعَ آخَرُونَ بَيْنَهُمَا بِاحْتِمَالِ تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَفِيهِ بُعْدٌ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ إِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ فِيهِ سَابِقَةٌ لَزِمَ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ النَّسْخِ بِالِاجْتِهَادِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةٌ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِعَادَةِ قَوْلِ : " إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، إِلَخْ " لِأَنَّهُمْ قَدِ امْتَثَلُوا أَمْرَهُ السَّابِقَ وَصَلَّوْا قُعُودًا لِكَوْنِهِ قَاعِدًا . ( فَائِدَةٌ ) : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُمْ دَخَلُوا يَعُودُونَهُ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِمَا ، لَكِنْ بَيَّنَ أَنَّ الْأُولَى كَانَتْ نَافِلَةً وَأَقَرَّهُمْ عَلَى الْقِيَامِ وَهُوَ جَالِسٌ ، وَالثَّانِيَةُ كَانَتْ فَرِيضَةً وَابْتَدَؤُوا قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِالْجُلُوسِ . وَفِي رِوَايَةِ بِشْرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، نَحْوُهُ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَةِ الْجَالِسِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ [2/212] بِالْأَمْرِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي جُلُوسِهِ فِي التَّشَهُّدِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَقِبَ ذِكْرِ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالسُّجُودِ ، قَالَ : فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا تَعْظِيمًا لَهُ ، فَأَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ تَوَاضُعًا ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : إِنْ كِدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ ، فَلَا تَفْعَلُوا ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرُهُ بِالِاسْتِبْعَادِ ، وَبِأَنَّ سِيَاقَ طُرُقِ الْحَدِيثِ تَأْبَاهُ ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَمْرَ بِالْجُلُوسِ فِي الرُّكْنِ لَقَالَ : وَإِذَا جَلَسَ فَاجْلِسُوا ؛ لِيُنَاسِبَ قَوْلَهُ : وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، فَلَمَّا عَدَلَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ : " وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا " كَانَ كَقَوْلِهِ : وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا ، فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ جَمِيعُ الصَّلَاةِ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ أَنَسٍ : " فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا " . قَوْلُهُ : ( أَجْمَعُونَ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالْوَاوِ ، إِلَّا أَنَّ الرُّوَاةَ اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي " بَابِ إِقَامَةِ الصَّفِّ " فَقَالَ بَعْضُهُمْ : " أَجْمَعِينَ " بِالْيَاءِ ، وَالْأَوَّلُ تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ : " صَلُّوا " ، وَأَخْطَأَ مَنْ ضَعَّفَهُ ؛ فَإِنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ ، وَالثَّانِي نُصِبَ عَلَى الْحَالِ ، أَيْ : جُلُوسًا مُجْتَمِعِينَ ، أَوْ عَلَى التَّأْكِيدِ لِضَمِيرٍ مُقَدَّرٍ مَنْصُوبٍ ، كَأَنَّهُ قَالَ : أَعْنِيكُمْ أَجْمَعِينَ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ : مَشْرُوعِيَّةُ رُكُوبِ الْخَيْلِ وَالتَّدَرُّبِ عَلَى أَخْلَاقِهَا وَالتَّأَسِّي لِمَنْ يَحْصُلُ لَهُ سُقُوطٌ وَنَحْوُهُ بِمَا اتَّفَقَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ وَبِهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ . وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَجُوزُ عَلَى الْبَشَرِ مِنَ الْأَسْقَامِ وَنَحْوِهَا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ فِي مِقْدَارِهِ بِذَلِكَ ، بَلْ لِيَزْدَادَ قَدْرُهُ رِفْعَةً وَمَنْصِبُهُ جَلَالَةً .
|