بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ 3- تَابِعْ كِتَابَ الْحَيضِ]
[40 ] 319 - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ هُوَ الْفَرَقُ مِنْ الْجَنَابَةِ
.

[4/5] 10 - بَابُ الْقَدْرِ الْمُسْتَحَبِّ مِنَ الْمَاءِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ
" وَغُسْلِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ
فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَغُسْلِ أَحَدِهِمَا بِفَضْلِ الْآخَرِ "
أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ إِذَا وُجِدَ شَرْطُ الْغُسْلِ وَهُوَ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : وَقَدْ يَرْفُقُ بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِي ، وَيَخْرُقُ بِالْكَثِيرِ فَلَا يَكْفِي .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُنْقِصَ فِي الْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ ، وَلَا فِي الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ . وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ ، وَالْمُدُّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ . ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ عَلَى التَّقْرِيبِ لَا عَلَى التَّحْدِيدِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ . وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَـا وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الصَّاعَ هُنَا ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ ، وَالْمُدُّ رِطْلَانِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ وَلَوْ كَانَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : الْإِسْرَافُ حَرَامٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا تَطْهِيرُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فَهُوَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي الْبَابِ . وَأَمَّا تَطْهِيُرُ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ فَجَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا . وَأَمَّا تَطْهِيرُ الرَّجُلِ بِفَضْلِهَا فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ ، سَوَاءٌ خَلَتْ بِهِ أَوْ لَمْ تَخْلُ .
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ بِهِ . وَذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّهَا إِذَا خَلَتْ بِالْمَاءِ وَاسْتَعْمَلَتْهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ فَضْلِهَا ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَذْهَبِنَا ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ كَرَاهَةُ فَضْلِهَا مُطْلَقًا . وَالْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ الْجَمَاهِيرُ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي تَطْهِيرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَزْوَاجِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَعْمِلُ فَضْلَ صَاحِبِهِ ، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْخَلْوَةِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ بِفَضْلِ [4/6] بَعْضِ أَزْوَاجِهِ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ بِالنَّهْيِ وَهُوَ حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو فَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ ، ضَعَّفَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ مِنْهُمُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ فَضْلِ أَعْضَائِهَا وَهُوَ الْمُتَسَاقِطُ مِنْهَا ، وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ ، الثَّالِثُ أَنَّ النَّهْيَ لِلِاسْتِحْبَابِ وَالْأَفْضَلِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( الْفَرَقُ ) قَالَ سُفْيَانُ : هُوَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ . أَمَّا كَوْنُهُ ثَلَاثَةَ آصُعٍ فَكَذَا قَالَهُ الْجَمَاهِيرُ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا ، لُغَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ دُرَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ ، وَزَعَمَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ الصَّوَابُ . وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُمَا لُغَتَانِ .