33 - بَاب الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ
99 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ ، أَوْ : نَفْسِهِ .


قَوْلُهُ : ( بَابُ الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ ) الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَا يُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُقَابَلَةُ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ) هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأُوَيْسِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو هُوَ مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ ، وَاسْمُ أَبِي عَمْرٍو ، مَيْسَرَةُ . وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ .
قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ . وَسَقَطَتْ " قِيلَ " لِلْبَاقِينَ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ قُلْتُ فَتَصَحَّفَتْ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ كَذَلِكَ ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَوْلُهُ : ( أَوَّلُ مِنْكَ ) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا بِرَفْعِ اللَّامِ وَنَصْبِهَا ، فَالرَّفْعُ عَلَى الصِّفَةِ لِأَحَدٍ أَوِ الْبَدَلِ مِنْهُ ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِظَنَنْتُ ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : عَلَى الْحَالِ : وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ نَكِرَةً لِأَنَّهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِمْ : مَا كَانَ أَحَدٌ مِثْلَكَ . وَ" مَا " فِي قَوْلِهِ : " لِمَا " مَوْصُولَةٌ ، وَ" مِنْ " بَيَانِيَّةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ ، وَفِيهِ فَضْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفَضْلُ الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ .
[1/234] قَوْلُهُ : ( مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) احْتِرَازٌ مِنَ الْمُشْرِكِ ، وَالْمُرَادُ مَعَ قَوْلِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، لَكِنْ قَدْ يُكْتَفَى بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ كَلِمَتِي الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِمَجْمُوعِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ .
قَوْلُهُ : ( خَالِصًا ) احْتِرَازٌ مِنَ الْمُنَافِقِ ، وَمَعْنَى أَفْعَلَ فِي قَوْلِهِ : " أَسْعَدَ " الْفِعْلُ لَا أَنَّهَا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ أَيْ : سَعِيدُ النَّاسِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَحْسَنُ مَقِيلا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى بَابِهَا ، وَأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَحْصُلُ لَهُ سَعْدٌ بِشَفَاعَتِهِ ; لَكِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُخْلِصَ أَكْثَرُ سَعَادَةً بِهَا ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْفَعُ فِي الْخَلْقِ لِإِرَاحَتِهِمْ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ ، وَيَشْفَعُ فِي بَعْضِ الْكُفَّارِ ، بِتَخْفِيفِ الْعَذَابِ كَمَا صَحَّ فِي حَقِّ أَبِي طَالِبٍ ، وَيَشْفَعُ فِي بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ دَخَلُوهَا ، وَفِي بَعْضِهِمْ بِعَدَمِ دُخُولِهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَوْجَبُوا دُخُولَهَا ، وَفِي بَعْضِهِمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَفِي بَعْضِهِمْ بِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ فِيهَا . فَظَهَرَ الِاشْتِرَاكُ فِي السَّعَادَةِ بِالشَّفَاعَةِ ، وَأَنَّ أَسْعَدَهُمْ بِهَا الْمُؤْمِنُ الْمُخْلِصُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( مِنْ قَلْبِهِ ، أَوْ نَفْسِهِ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ " خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ " وَذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ النُّطْقِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ لِتَعْبِيرِهِ بِالْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ : " مَنْ قَالَ " .