1125 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " احْتَبَسَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ : أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ ، فَنَزَلَتْ : وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى " .


أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِهِ فِيهِ هُنَا بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ ، فَزَادَ : " فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ : يَا مُحَمَّدُ ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَالضُّحَى إِلَى قَوْلِهِ : وَمَا قَلَى ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظٍ آخَرَ ، وَهُوَ : " احْتَبَسَ جِبْرِيلُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ " الْحَدِيثَ . وَقَدْ وَافَقَ أَبَا نُعَيْمٍ ، أَبُو أُسَامَةَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَوَافَقَ مُحَمَّدَ بْنَ كَثِيرٍ ، وَكِيعٌ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَرِوَايَةُ زُهَيْرٍ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا فِي التَّفْسِيرِ كَرِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ ، لَكِنْ قَالَ فِيهَا : فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، وَرِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَسْوَدَ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، فَحَمَلَ عَنْهُ كُلُّ وَاحِدٍ مَا لَمْ يَحْمِلْهُ الْآخَرُ ، وَحَمَلَ عَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْأَمْرَيْنِ فَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً هَكَذَا ، وَمَرَّةً هَكَذَا ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَلَى لَفْظٍ آخَرَ ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ قَالَ : " قَالَتِ امْرَأَةٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَرَى صَاحِبَكَ إِلَّا أَبْطَأَ عَنْكَ " . وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي أَوَّلِهِ : " أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ " الْحَدِيثَ . وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ - فِيمَا ظَهَرَ لِي - غَيْرُ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ عَبَّرَتْ بِقَوْلِهَا : " صَاحِبَكَ " وَتِلْكَ عَبَّرَتْ بِقَوْلِهَا : " شَيْطَانَكَ " . وَهَذِهِ عَبَّرَتْ بِقَوْلِهَا : " يَا رَسُولَ اللَّهِ " ، وَتِلْكَ عَبَّرَتْ بِقَوْلِهَا : " يَا مُحَمَّدُ " . وَسِيَاقُ الْأُولَى يُشْعِرُ بِأَنَّهَا قَالَتْهُ تَأَسُّفًا وَتَوَجُّعًا ، وَسِيَاقُ الثَّانِيَةِ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا قَالَتْهُ تَهَكُّمًا وَشَمَاتَةً . وَقَدْ حَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ تَفْسِيرِ بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ ، قَالَ : " قَالَتْ خَدِيجَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَبْطَأَ عَنْهُ الْوَحْيُ : إِنَّ رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ ، فَنَزَلَتْ : وَالضُّحَى " ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِالْإِنْكَارِ ، لِأَنَّ خَدِيجَةَ قَوِيَّةُ الْإِيمَانِ ، لَا يَلِيقُ نِسْبَةُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَيْهَا ، لَكِنَّ إِسْنَادَ ذَلِكَ قَوِيٌّ ، أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِهِ ، وَالطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لَهُ ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ ، وَالْإِسْنَادُ إِلَيْهِ صَحِيحٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، لَكِنْ لَيْسَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهَا عَبَّرَتْ بِقَوْلِهَا : " شَيْطَانَكَ " ، وَهَذِهِ هِيَ اللَّفْظَةُ الْمُسْتَنْكَرَةُ فِي الْخَبَرِ . وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرِهِ : " مَا أَرَى صَاحِبَكَ " بَدَلَ " رَبَّكَ " ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَنَتْ بِذَلِكَ جِبْرِيلَ . وَأَغْرَبَ سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ بَشْكُوَالَ ، فَرَوَى فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ، وَغَلِطَ سُنَيْدٌ فِي ذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ وَكِيعٍ ، فَقَالَ فِيهِ : " قَالَتْ خَدِيجَةُ " ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ الَّتِي عَبَّرَتْ بِقَوْلِهَا : " شَيْطَانَكَ " فَهِيَ أُمُّ جَمِيلٍ الْعَوْرَاءُ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ، وَامْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ ، كَمَا رَوَى [3/13] الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : " قَالَتِ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ لَمَّا مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ : يَا مُحَمَّدُ ، مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ ، فَنَزَلَتْ : وَالضُّحَى " . رِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْمُفَضَّلِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ الْأَسْوَدِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : " فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَمِنْ قَوْمِهِ " وَلَا شَكَّ أَنَّ أُمَّ جَمِيلٍ مِنْ قَوْمِهِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ . وَعِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ أَنَّهَا إِحْدَى عَمَّاتِهِ ، وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى مُسْتَنَدِهِ فِي ذَلِكَ ؛ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ رَاوِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْهُ ، وَلَفْظُهُ : " فَأَتَتْهُ إِحْدَى عَمَّاتِهِ ، أَوْ بَنَاتُ عَمِّهِ ، فَقَالَتْ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ وَدَّعَكَ " .
( تَنْبِيهٌ ) : اسْتَشْكَلَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْوَرْدِ مُطَابَقَةَ حَدِيثِ جُنْدُبٍ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَتَبِعَهُ ابْنُ التِّينِ ، فَقَالَ : احْتِبَاسُ جِبْرِيلَ لَيْسَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي مَوْضِعِهِ ، انْتَهَى . وَقَدْ ظَهَرَ - بِسِيَاقِ تَكْمِلَةِ الْمَتْنِ - وَجْهُ الْمُطَابَقَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ لِاتِّحَادِ مَخْرَجِهِ ، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ مُخْتَلِفًا ، لَكِنَّهُ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جُنْدُبٍ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا : " فَلَمْ يُطِقِ الْقِيَامَ ، وَكَانَ يُحِبُّ التَّهَجُّدَ " .