20 - باب
1153 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال : ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قال لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ ؟ قُلْتُ : إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ ، قَالَ : فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا ، وَلِأَهْلِكَ حَقًّا ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ " .


[3/47] قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) كَذَا فِي الْأَصْلِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَتَعَلُّقُهُ بِهِ ظَاهِرٌ ، وَكَأَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى أَنَّ الْمَتْنَ الَّذِي قَبْلَهُ طَرَفٌ مِنْ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي مُرَاجَعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ ، عَنْ سُفْيَانَ : " حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ " . وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ دِينَارٍ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ وَيُعْرَفُ بِالشَّاعِرِ .
قَوْلُهُ : ( أَلَمْ أُخْبَرْ ) فِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَنْبَغِي إِلَّا بَعْدَ التَّثَبُّتِ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْتَفِ بِمَا نُقِلَ لَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى لَقِيَهُ وَاسْتَثْبَتَهُ فِيهِ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عَزْمٍ ، أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الِنَاقِلُ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( هَجَمَتْ عَيْنُكَ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ ؛ أَيْ : غَارَتْ ، أَوْ ضَعُفَتْ لِكَثْرَةِ السَّهَرِ .
قَوْلُهُ : ( نَفِهَتْ ) بِنُونٍ ، ثُمَّ فَاءٍ مَكْسُورَةٍ ؛ أَيْ : كَلَّتْ . وَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ أَبَا يَعْلَى رَوَاهُ لَهُ : " تَفِهَتْ " ؛ بِالتَّاءِ بَدَلَ النُّونِ ، وَاسْتَضْعَفَهُ .
قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ) أَيْ : تُعْطِيهَا مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ ضَرُورَةُ الْبَشَرِيَّةِ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالرَّاحَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا بَدَنُهُ ، لِيَكُونَ أَعْوَنَ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ ، وَمِنْ حُقُوقِ النَّفْسِ قَطْعُهَا عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى ، لَكِنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالتَّعَلُّقَاتِ الْقَلْبِيَّةِ .
قَوْلُهُ : ( وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ) أَيْ : تَنْظُرُ لَهُمْ فِيمَا لَابُدَّ لَهُمْ مِنْهُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَهْلِ الزَّوْجَةُ ، أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ سَبَبِ ذِكْرِ ذَلِكَ لَهُ فِي الصِّيَامِ .
( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ " حَقًّا " فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلْأَكْثَرِ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ إِنَّ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّهُ الْخَبَرُ وَالِاسْمُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ .
قَوْلُهُ : ( فَصُمْ ) أَيْ : فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَصُمْ تَارَةً ( وَأَفْطِرْ ) تَارَةً لِتَجْمَعَ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ . وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ ، أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ صَوْمَ دَاوُدَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ : " قُمْ وَنَمْ " ، وَسَيَأْتِي فِي الصِّيَامِ فِيهِ زِيَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ نَحْوِ قَوْلِهِ : " وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا " ، وَفِي رِوَايَةٍ : " فَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا " ؛ أَيْ : لِلضَّيْفِ .
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ تَحَدُّثِ الْمَرْءِ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ ، وَتَفَقُّدِ الْإِمَامِ لِأُمُورِ رَعِيَّتِهِ كُلِّيَّاتِهَا وَجُزْئِيَّاتِهَا ، وَتَعْلِيمِهِمْ مَا يُصْلِحُهُمْ ، وَفِيهِ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ لِمَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْأَوْلَى فِي الْعِبَادَةِ تَقْدِيمُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْمَنْدُوبَاتِ ، وَأَنَّ مَنْ تَكَلَّفَ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا طُبِعَ عَلَيْهِ يَقَعُ لَهُ الْخَلَلُ فِي الْغَالِبِ ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى مُلَازَمَةِ الْعِبَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ كَرَاهَتِهِ لَهُ التَّشْدِيدَ عَلَى نَفْسِهِ حَضَّهُ عَلَى الِاقْتِصَادِ ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : وَلَا يَمْنَعُكَ اشْتِغَالُكَ بِحُقُوقِ مَنْ ذُكِرَ أَنْ تُضَيِّعَ حَقَّ الْعِبَادَةِ ، وَتَتْرُكَ الْمَنْدُوبَ جُمْلَةً ، وَلَكِنِ اجْمَعْ بَيْنَهُمَا .