39 - بَاب كِتَابَةِ الْعِلْمِ
111 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَلِيِّ : هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ، قَالَ : قُلْتُ : فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ؟ قَالَ : الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ .


قَوْلُهُ : ( بَابُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ ) طَرِيقَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الِاخْتِلَافُ أَنْ لَا يَجْزِمَ فِيهَا بِشَيْءٍ بَلْ يُورِدُهَا عَلَى الِاحْتِمَالِ . وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَمَلًا وَتَرْكًا ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ اسْتَقَرَّ وَالْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ ، بَلْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، بَلْ لَا يَبْعُدُ وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ خَشِيَ النِّسْيَانَ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُ الْعِلْمِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ; لِأَنَّ وَكِيعًا مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ ، وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي الْأَطْرَافِ : يُقَالُ : إِنَّهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ . قُلْتُ : لَوْ كَانَ ابْنَ عُيَيْنَةَ لَنَسَبَهُ ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي كُلِّ مَنْ رَوَى عَنْ مُتَّفِقِي الِاسْمِ أَنْ يَحْمِلَ مَنْ أَهْمَلَ نِسْبَتَهُ عَلَى مَنْ يَكُونُ لَهُ بِهِ خُصُوصِيَّةٌ مِنْ إِكْثَارٍ وَنَحْوِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ هَذَا ، وَهَكَذَا نَقُولُ هُنَا ؛ لِأَنَّ وَكِيعًا قَلِيلُ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِخِلَافِ الثَّوْرِيِّ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ مُطَرِّفٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ابْنُ طَرِيفٍ بِطَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْضًا .
قَوْلُهُ : ( عَنِ الشَّعْبِيِّ ) وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَاتِ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ) هُوَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَاتِ : سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ . وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ دَخَلَ الْكُوفَةَ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ .
قَوْلُهُ : ( قُلْتُ لِعَلِيٍّ ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
قَوْلُهُ : ( هَلْ عِنْدَكُمْ ) الْخِطَابُ لِعَلِيٍّ ، وَالْجَمْعُ إِمَّا لِإِرَادَتِهِ مَعَ بَقِيَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ لِلتَّعْظِيمِ .
قَوْلُهُ : ( كِتَابٌ ) أَيْ : مَكْتُوبٌ أَخَذْتُمُوهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ [1/247] رِوَايَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ : " هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ " . وَلَهُ فِي الدِّيَاتِ : " هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ " وَفِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ : " هَلْ عَلِمْتَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ " وَإِنَّمَا سَأَلَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الشِّيعَةِ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْبَيْتِ - لَا سِيَّمَا عَلِيًّا - أَشْيَاءَ مِنَ الْوَحْيِ خَصَّهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا لَمْ يُطْلِعْ غَيْرَهُمْ عَلَيْهَا . وَقَدْ سَأَلَ عَلِيًّا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ - وَالْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ ، وَحَدِيثُهُمَا فِي مُسْنَدِ النَّسَائِيِّ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ : لَا ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ : " لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ " .
قَوْلُهُ : ( إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ ) هُوَ بِالرَّفْعِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَشْيَاءُ مَكْتُوبَةٌ مِنَ الْفِقْهِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ " لِأَنَّهُ ذُكِرَ بِالرَّفْعِ ، فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لَكَانَ مَنْصُوبًا . كَذَا قَالَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ مُنْقَطِعٌ ، وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ الْفَهْمِ إِثْبَاتُ إِمْكَانِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ . وَقَدْ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّيَاتِ بِلَفْظِ : " مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ مِنَ الْكِتَابِ " فَالِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مُفَرَّغٌ وَالثَّانِي مُنْقَطِعٌ ، مَعْنَاهُ لَكِنْ إِنْ أَعْطَى اللَّهُ رَجُلًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ فَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ فَتَحْصُلُ عِنْدَهُ الزِّيَادَةُ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : شَهِدْتُ عَلِيًّا عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ : " وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ " وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْفَهْمِ شَيْئًا مَكْتُوبًا .
قَوْلُهُ : ( الصَّحِيفَةَ ) أَيِ : الْوَرَقَةَ الْمَكْتُوبَةَ . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَشْتَرِ " فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ " .
قَوْلُهُ : ( الْعَقْلُ ) أَيِ : الدِّيَةُ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعْطُونَ فِيهَا الْإِبِلَ وَيَرْبِطُونَهَا بِفِنَاءِ دَارِ الْمَقْتُولِ بِالْعِقَالِ وَهُوَ الْحَبْلُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بَدَلَ الْعَقْلِ " الدِّيَاتُ " وَالْمُرَادُ أَحْكَامُهَا وَمَقَادِيرُهَا وَأَصْنَافُهَا .
قَوْلُهُ : ( وَفِكَاكُ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْفَتْحُ أَفْصَحُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ فِيهَا حُكْمَ تَخْلِيصِ الْأَسِيرِ مِنْ يَدِ الْعَدُوِّ وَالتَّرْغِيبَ فِي ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( وَلَا يُقْتَلُ ) بِضَمِّ اللَّامِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : " وَأَنْ لَا يُقْتَلَ " بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَعُطِفَتِ الْجُمْلَةُ عَلَى الْمُفْرَدِ ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهَا أَيِ الصَّحِيفَةِ حُكْمُ الْعَقْلِ وَحُكْمُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ فِي كِتَابِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَوَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : " مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ . فَإِذَا فِيهَا : الْمَدِينَةُ حَرَمٌ . . . " الْحَدِيثَ . وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ : " مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً إِلَّا مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا . وَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبَةً فِيهَا : لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ . . . " الْحَدِيثَ . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَشْتَرِ وَغَيْرِهِ عَنْ عَلِيٍّ : " فَإِذَا فِيهَا : الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ . " الْحَدِيثَ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ : " فِيهَا فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ " وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الصَّحِيفَةَ كَانَتْ وَاحِدَةً وَكَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ مَكْتُوبًا فِيهَا ، فَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّوَاة عَنْهُ مَا حَفِظَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَتَادَةُ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي حَسَّانٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَبَيَّنَ أَيْضًا السَّبَبَ فِي سُؤَالِهِمْ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَسَّانٍ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُرُ بِالْأَمْرِ فَيُقَالُ : قَدْ فَعَلْنَاهُ . فَيَقُولُ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . فَقَالَ [1/248] لَهُ الْأَشْتَرُ : هَذَا الَّذِي تَقُولُ : أَهُوَ شَيْءٌ عَهِدَهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً دُونَ النَّاسِ ؟ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ .